بعدما خانها الغرب بصفقته مع طهران، تدرس المملكة العربية السعودية خياراتها.

حتى قبل أن توافق القوى الغربية وإيران على الاتفاق النووي التاريخي في جنيف خلال عطلة نهاية الأسبوع، كان الاضطراب يخيم على المملكة العربية السعودية. بل منذ عام 2011، شهدت منطقة الشرق الأوسط مرحلتها الأكثر اضطرابًا منذ 25 عامًا، ونافس مستوى عدم الاستقرار والصراع السياسييْن الفترة ما بين الثورة الإيرانية عام 1979 وحرب الخليج عام 1991، بل ربما تجاوزها. ولأن القنوات الفضائية ووسائل الإعلام الاجتماعية أصبحت تربط الدول اليوم كما لم يحدث من قبل، وبعدما أخرج الغزو، الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، العراق من “معادلة” توازن القوى في المنطقة؛ شهدت القوة الإيرانية نموا نمو طويل الأجل. ووسط هذا الاضطراب، تخشى القوى الإقليمية، أكثر من أي وقت مضى، أن تكون الولايات المتحدة سلكت درب التخلي عنهم من أجل مراعٍ أكثر اخضرارًا في المحيط الهادئ.

هذه هي خلفية المتاعب التي تواجه سياسة الرياض الخارجية؛ ففي الصدارة، تبرز المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، على نطاق لم يُرى منذ 35 عامًا، ويخشى مسئولون سعوديون من أن الولايات المتحدة – في أحسن الأحوال – ليست مهتمة بكبح النفوذ الإيراني، وفي أسوأ الأحوال، تسعى بنشاط للعودة إلى أيام الشاه؛ حيث تقوم إيران بدور شرطي الخليج على حساب ما يسمى الملكيات العربية السنية.

ولذلك، يُخشى أن تكون الصفقة النووية – أعظم انفراجة في النزاع النووي منذ عشر سنوات-  مجرد خطوة أولى على الطريق إلى عصر أكثر غموضًا ومحفوفًا بالمخاطر للمملكة العربية السعودية؛ فوفقًا لتقرير صحيفة الديلي تلجراف، شعر السعوديون  بأن حلفائهم الغربيين خانوهم و “كذبوا” عليهم، واتهم مستشار كبير للعائلة المالكة السعودية حلفائها الغربيين بخداع المملكة الغنية بالنفط بشأن الاتفاق النووي مع إيران، وقال: إن الرياض ستتبع سياسة خارجية مستقلة، وفي تصريح سابق قدمت الحكومة السعودية ترحيبًا حذرًا باتفاق جنيف النووي.

في ظل هذه الظروف، فإن السؤال المستقبلي هو؛ ما هي الخيارات المتاحة للمملكة العربية السعودية؟ يجب على البلدان الصغيرة ذات القوة المحدودة قبول العالم كما هو، بينما يمكن للقوى العالمية إعادة تشكيله لصالحها، وترى الرياض نفسها بوضوح في الفئة الأخيرة، وقد وعد أفراد كبار في العائلة المالكة، منهم رئيس المخابرات الأمير بندر بن سلطان، بتحول تاريخي في السياسة الخارجية السعودية، ليشمل قطيعة مع الولايات المتحدة، والبحث عن حلفاء جدد، والاستعداد للعمل بشكل مستقل، وتأكيدًا جديدًا للذات. يمكن للمرء تسمية هذا منعطفًا ديجوليًّا في المملكة، يشبه  قرار فرنسا عام 1966 بالانسحاب من القيادة العسكرية لحلف الناتو. لكن هل هذه إستراتيجية سليمة؟

ضمانات أمنية

العائق الأكبر في المملكة العربية السعودية هو أنه لا أحد، عدا الولايات المتحدة، يمكنه ضمان الأمن الكامل للمملكة. فالولايات المتحدة تحتفظ ليس فقط بـ 20 ألف جندي في منطقة الشرق الأوسط، وتفوقًا جويًّا وبحريًّا على كل الخصوم الإقليميين مجتمعين، ولكن أيضًا بشبكة من التحالفات والقواعد التي تمكنها من تكثيف وجودها بشكل كبير خلال الأزمة.

ولفترة طويلة جدًّا، خاصة في العالم العربي، كان هناك قبول- دون تمحيص- بأسطورة أن الولايات المتحدة مغادرةٌ المنطقة، وقد يكون هذا صحيحًا في ضوء الانسحاب الأخير للقوات الأمريكية من العراق وأفغانستان، لكنه في سياق أوسع مضلل إلى حد بعيد؛ فالوجود الأمريكي اليوم هو في الواقع أكبر بكثير مما كان عليه طيلة معظم الـ50 عامًا التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ولا يغير ذلك تحول إدارة أوباما المعتدل من التركيز على المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ – ما يسمى بـ”محور” آسيا -.

ولا يمكن للقوى الكبرى التقليدية، مثل روسيا، التنافس- مع هذه القدرة- على بسط السلطة، كما فعلت الولايات المتحدة عندما شعرت المملكة بالتهديد من الغزو العراقي للكويت عام 1990. ولا تزال القوى الصاعدة، مثل الصين والهند، على الأرجح على مسيرة عقود بعيدًا حتى عن التفكير في مثل هذا الانتشار. كما لم يتغير ميزان القوى في الشرق الاوسط كثيرًا؛ فإذا كانت السعودية قلقة من صعود إيران، وعودة ظهور الحلفاء الإيرانيين مثل العراق، فإن خيارها ينحصر بين الاعتماد على الولايات المتحدة، أو الاعتماد على نفسها. آخذة في الاعتبار، والحال هكذا، أن التقنية الأكثر تقدمًا التي يستخدمها الجيش السعودي تزوده بها الولايات المتحدة، وكذلك قطع غيارها. بل كُشِف في أكتوبر-  خلال ذروة الاستياء العام في الرياض من الولايات المتحدة – عن تفاصيل صفقة أسلحة بقيمة 6.8 مليار دولار، تشمل صواريخ متطورة من النوع الذي قد تحتاجه الولايات المتحدة حال نشوب حرب إقليمية كبرى. وعلى ما يبدو، لا يمتد الغضب السعودي العام إلى إلغاء هذه المشتريات. بل مع توقيع صفقة إيران، يرجح أن ينمو  التعاون في مجال الدفاع.

لا ينبغي لنا نسيان أن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية يعملان في الفريق ذاته على عدد من القضايا، على سبيل المثال، عملت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية معًا بشكل وثيق لوضع عميل مزدوج داخل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ومقره اليمن؛ وهكذا أحبطا مؤامرة تفجير العام الماضي، حتى إن الولايات المتحدة أنشأت في عام 2010 قاعدة كبيرة للطائرات بدون طيار على الأراضي السعودية لتسهيل الضربات في اليمن. وليس لدى المملكة العربية السعودية شركاء آخرين في مكافحة الارهاب بذات المستوى من القدرات.

خيارات محدودة

صحيحٌ أن المملكة لديها موردي سلاح آخرين؛ فحينما حظر الكونجرس الأمريكي بيع طائرات F15 المقاتلة للمملكة العربية السعودية في الثمانينيات، اشترت المملكة ببساطة مقاتلات تورنادو البريطانية بدلاً منها. وبين عامي 2005 و 2009، جاء 42% من الأسلحة للمملكة من بريطانيا، مقابل 40% من الولايات المتحدة. فمن المنطقي أن تنوع المملكة العربية السعودية مشترياتها، فقط إذا كان ذلك لضمان أفضل الأسعار.

لكن هذا لا يُمَكّنها من شراء أمن إضافي، أو يؤَمِّن السياسات التي تريدها، وإن كانت المملكة المتحدة اتخذت نهجا أكثر حذرًا حيال سوريا – إحدى الاهتمامات الرئيسية للسياسة الخارجية السعودية – من الولايات المتحدة، خاصة بعد أن صوّت البرلمان البريطاني في شهر أغسطس ضد العمل العسكري، فإن بريطانيا أيضًا انتقلت بسرعة لرفع مستوى العلاقات الدبلوماسية مع الحكومة الجديدة في طهران.

وكانت فرنسا؛ مزود أسلحة تقليدي آخر إلى دول الخليج، أكثر انتباهًا قليلاً إلى الحساسيات السعودية؛ حيث فرضت شروطًا أكثر صرامة من الدول الخمس الأخرى المتفاوضة (انعكس بعضها على الاتفاق النهائي) خلال الجولة الأولى من المحادثات النووية مع إيران أوائل نوفمبر، واستغلت فرنسا جيدًا السخط السعودي من الولايات المتحدة، لكن هناك حدود لمدى ما يمكن للعسكرية الفرنسية المتقلصة أن تفعله حقًّا للمملكة.

في الشهر الماضي، هدد الأمير بندر بن سلطان بالعمل مع فرنسا، بدلاً من الولايات المتحدة، لدعم الثوار السوريين، لكن حينما تراجعت أمريكا عن الهجوم الصاروخي ضد نظام بشار الأسد في الصيف – ما أثار استياء السعودية – لم تفكر فرنسا – رغم دعمها السابق – في التصرف وحدها، وإذا ما رُفعت العقوبات على إيران في النهاية ضمن اتفاق نهائي قد يتبع الاتفاق المؤقت الحالي ذو الستة أشهر، ستدفع فرنسا شركاتها إلى السوق الإيرانية أسرع من أي أحد.

الأكثر محدودية هي الاتصالات الوليدة بين العرب وإسرائيل، فبالتأكيد لدى إسرائيل والمملكة العربية السعودية وجهة نظر متقاربة من النفوذ الإيراني وموثوقية الولايات المتحدة، لكن هذه العلاقة لا يمكن أن تذهب أبعد بكثير من بعض التعاون بشأن المعلومات الاستخباراتية. أما التقارير الأخيرة التي تحدثت عن وعد المملكة العربية السعودية بدعم هجوم إسرائيلي على إيران بطائراتها الخاصة فليست واقعية.

بعض المعلقين السعوديين، مثل المستشار الملكي نواف عبيد، كتبوا أن المملكة العربية السعودية سوف تيمم شطر حلفائها العرب في مجلس التعاون الخليجي (GCC). لكن هذا يمثل إشكالية أيضًا؛ ففي وقت مبكر من الربيع العربي، حاولت الرياض وفشلت في إدخال مملكتي الأردن والمغرب إلى دول مجلس التعاون الخليجي، كما فشلت الجهود التي تقودها السعودية نحو اتحاد سياسي. لا ترغب الدول الخليجية الأصغر في التخلي عن سياستها في الحكم الذاتي لصالح المملكة العربية السعودية، وبعضها، مثل قطر وعمان، يرغب في الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع طهران، وتحرز دول مجلس التعاون الخليجي تقدمًا هامًّا في مجالات مثل الدفاع الصاروخي، لكن مكونات جيوشها لا تزال تفتقر إلى ما يعرف باسم إمكانية التشغيل المشترك، أو القدرة على العمل معًا في ميدان المعركة مثل دول حلف شمال الأطلسي، وأثبتت دول مجلس التعاون الخليجي قدرتها على القيام بتدخلات بسيطة، مثل قمع احتجاجات عام 2011 المؤيدة للديمقراطية في البحرين، لكنها ستجد صعوبة في خوض حرب حقيقية.

عندما نضع كل هذا معًا، يصبح من الواضح أن موقف السعودية لا يختلف عن أي أمة أخرى متحالفة مع قوة أكبر: إنها تخشى الهجر، وتحاول إظهار نفوذها من خلال التهديد بمغادرة التحالف، لكنها لا تستطيع. بطبيعة الحال، سوف تستمر المملكة في البحث عن أصدقاء جدد، و تتعامل – كما فعلت في البحرين – مع مشاكلها الخاصة بشكل مستقل عندما تستطيع. لكن هناك حدودا لما يمكن أن يحققه هذا، فقط حينما تستطيع الولايات المتحدة مواجهة التهديدات الكبيرة. يمكن للمملكة العربية السعودية أن تغازل حلفاء آخرين، لكنها سوف تظل متشبثة بالولايات المتحدة في المستقبل المنظور.

عرض التعليقات
تحميل المزيد