أعلنت المملكة العربية السعودية ميزانيتها المالية للعام المقبل 2017، وذلك الخميس الماضي، 23 ديسمبر (كانون الأول) 2016. وشهدت الميزانية الجديدة عدة تطورات واختلافات بينها، وبين ميزانية 2016، وذلك من حيث النفقات والإيرادات، والعجز في الموازنة، وبداية الاعتماد على المنتجات غير النفطية، وتحقيق معدلات مرتفعة من إيراداتها، وذلك في ظل انخفاض أسعار النفط على المستوى العالمي، بالإضافة إلى رؤية المملكة لما يُعرف ببرنامج التحول لعام 2020، ورؤيتها لعام 2030.

وكان وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، قد أعلن أنه رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة في الوقت الحالي للمملكة، إلا أنها تسعى إلى تنويع مصادر الإيرادات، ومعالجة القضايا الاقتصادية المختلفة؛ ليتم تخفيض الاعتماد على النفط، بالإضافة إلى مراقبة الإنفاق، بالإضافة إلى إعلانه التزام الحكومة السعودية بالشفافية الكاملة، والمساءلة مع المواطنين، من أجل مستقبل مشرق للمملكة مع رؤية عام 2030، وهو ما أكد عليه أيضًا الملك سلمان في كلمته أثناء ترأسه للمؤتمر الصحفي الذي عُقد لإعلان الموانة لعام 2017، مشيرًا إلى أن المملكة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية «بسبب السياسات المالية العظيمة التي اتخذتها الدولة».

وجدير بالذكر أن الميزانية السنوية في المملكة العربية السعودية تصدر بموجب مرسوم ملكي، وتشمل الإيرادات والمصروفات للسنة الجديدة، كما تعد وزارة المالية الحساب الختامي للدولة عن العام المالي المنقضي، وذلك قبل تاريخ بدء السنة المالية الجديدة في الثاني من يناير (كانون الثاني) من كل عام.

خطوط عامة حول الاقتصاد السعودي في 2016

تعتبر السعودية واحدة من أبرز الاقتصاديات في الشرق الأوسط؛ حيث يمثل الاقتصاد السعودي حوالي 26% من نسبة الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما تعتبر الدولة العربية الوحيدة العضوة ضمن «مجموعة العشرين»، والتي تتضمن الدول الأقوى اقتصاديًّا في العالم.

ومنذ بداية القرن الحالي، نهض الاقتصاد السعودي بسبب تجارة النفط، ليتضاعف على مدار الأعوام لتصبح ضمن العشرين الأوائل، بعد أن كانت في المركز 27 عالميًّا في النهضة الاقتصادية، وذلك عام 2003. وبلغ متوسط النمو الاقتصادي للناتج المحلي في المملكة حوالي 4% سنويًّا، وذلك خلال السنوات العشر الماضية، هذا بالإضافة إلى الإنفاق الحكومي الكبير المصروف على المشروعات القومية كالبنية التحتية، والتعليم، والصحة، والذي بلغت قيمته خلال عقد واحد من الزمن حوالي 1.7 تريليون ريال سعودي، أو ما يعادل حوالي 453 مليار دولار أمريكي.

ولم تصدر نتائج عام 2016 كاملة إلى الآن، إذ ما زالت بعض الساعات باقية من العام الجاري، قد تشهد المعجزات.

ومن المتوقَّع أن يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للمملكة لعام 2016 في نهايته حوالي 2581 مليار ريال سعودي، أو حوالي 688 مليار دولار أمريكي، وذلك وفقًا لتقديرات الهيئة العامة للإحصاء السعودية، بارتفاع قدره 1.4% عن العام الماضي. كما هو متوقع أن ترتفع نسبة النمو في قطاع النفط السعودي بحوالي 3.37%، ونسبة النمو في القطاع الحكومي بحوالي 0.11%، بينما يعتبر نشاط تكرير الزيت هو الأكثر نموًا في عام 2016، والذي بلغت نسبة النمو فيه حوالي 14.78%؛ ليصبح على معدل نمو بين جميع الأنشطة المكوِّنة للناتج المحلي الإجمالي في السعودية.

وارتفعت الأسعار في المملكة العربية السعودية بحوالي 3.4% خلال العام الجاري 2016، وذلك مقارنةً بسنة الأساس التي يتم المقارنة بها، وهي عام 2007.

الاقتصاد السعودي في عام 2016

من المتوقع أن تبلغ قيمة النفقات الحكومية لعام 2016 حوالي 825 مليار ريال سعودي (220 مليار دولار أمريكي)، وذلك بانخفاض قيمته 1.8% عن قيمتها نفسها في العام الماضي، والتي ذُكرت في ميزانية عام 2016، وبلغت 840 مليار ريال سعودي (224 مليار دولار)، كما أنها أقل من نفقات العام الماضي 2015 بحوالي 15.6%، والتي بلغت 978 مليار ريال (261 مليار دولار)، وذلك في إشارة إلى الخطط التقشفية التي اتخذتها الحكومة السعودية، وذلك من أجل إخفاق القطاع النفطي، وعدم وجود ضمانات لاستمراره الوفاء بحاجات المملكة اقتصاديًّا.

وتعتبر قمية النفقات السعودية لهذا العام هي الأقل خلال الأعوام الخمسة الماضية؛ حيث بلغت قيمة النفقات عام 2012 حوالي 873 مليار ريال (263 مليار دولار)، بينما بلغت حوالي 976 مليار ريال (260 مليار دولار) عام 2013، ووصلت النفقات في عام 2014 إلى قيمتها الأعلى، حيث بلغت 1100 مليار ريال (293 مليار دولار)، بينما بدأت المملكة في إجراءات تقشفية لتقل نسبة النفقات عام 2015 إلى 978 مليار ريال (261 مليار دولار)، لتصل أخيرًا هذا العام إلى الحد الأقل قيمة لها، وهو 825 مليار ريال (220 مليار دولار).

وبلغت قيمة إيرادات النفط حولي 87 مليار دولار، وتشكل حوالي 62% من قيمة إيرادات المملكة لعام 2016.

في الوقت نفسه، من المتوقع أن تبلغ الإيرادات السعودية في عام 2016 حوالي 528 مليار ريال سعودي (141 مليار دولار)، أي بزيادة تبلغ 2.7% عن التوقعات الصادرة في الميزانية السابقة، والتي بلغت 514 مليار ريال (137 مليار دولار). كما يتوقع أن تبلغ قيمة الإيرادات من غير النفط حوالي 199 مليار ريال (53 مليار دولار)، مقارنةً بالتوقعات التي صدرت في بداية هذا العام بأن تبلغ 181 مليار ريال (48 مليار دولار).

وعلى عكس النفقات، تعتبر قيمة إيرادات هذا العام هي الأقل على مدار السنوات الماضية منذ عام 2012؛ حيث تناقصت قيمة الإيرادات السعودية تدريجيًّا منذ أن بلغت 1246 مليار ريال (332 مليار دولار) عام 2012، إلى أن بلغت قيمتها الحالية 528 مليار ريال (140 مليار دولار)، أي أن إيرادات السعودية قلت لأقل من النصف خلال أربعة أعوام فقط، وبنسبة تُقدَّر بحوالي 42.37%.

وتعمل المملكة على حملات دعائية من أجل توصيل رسالة للمواطنيين السعوديين وللعالم، أنها لم تعد تعتمد كليًا على العوائد النفطية فقط، وأنها ستتخذ إجراءات لتحسين الاقتصاد السعودي لتحصيل إيرادات غير نفطية.

وبالنسبة لعجز الموازنة والدين العام، فيعتبر عام 2016 هو العام الأسوأ في تاريخ المملكة اقتصاديًّا، وذلك نظرًا لوصول حجم الدين العام إلى 316.5 مليار ريال سعودي (84 مليار دولار)، وذلك مقارنة بعام 2015 الذي بلغ فيه الدين حوالي 142 مليار ريال سعودي فقط (38 مليار دولار)، بينما بلغت قيمته عام 2015 حوالي 44 مليار ريال فقط، مما يعني أن حجم الدين العام منذ 2014 وحتى العام الحالي قد ارتفع حوالي 272.5 مليار ريال سعودي (73 مليار دولار).

وبحسب الموازنة الجديدة، فمن المتوقع أيضًا أن تنخفض قيمة العجز في الموازنة لتبلغ 297 مليار ريال (79 مليار دولار( هذا العام، بعدما كانت قيمته خلال العام الماضي حوالي 366 مليار ريال (98 مليار دولار)، والذي يعتبر أعلى مستوى له في تاريخ المملكة.

توقعات المستقبل: هل يعوض الاقتصاد السعودي خسارته؟

أعلن وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن ميزانية العام الجديد (2017) تمثل مرحلة مهمة من مراحل التنمية لاقتصادية في المملكة، وذلك لاحتوائها على برنامج رؤية المملكة 2030، والذي أصدره مجلس الوزراء بموافقة الملك سلمان في أبريل (نيسان) الماضي، وبناءً عليه، فقد تمت إعادة هيكلة للمؤسسات الحكومية، والوزارات من أجل العمل على تحقيق هذه الرؤية، وذلك بحد قوله.

https://www.youtube.com/watch?v=I2vO7jpIRkI

ومن المتوقع أن يرتفع إجمالي الإيرادات للسنة المالية القادمة (2017) لتبلغ قيمتها حوالي 692 مليار ريال (184 مليار دولار)، أي بارتفاع قدره 31% عن قيمة إيرادات هذا العام. كما قدَّرت المملكة في توقعاتها لقيمة الإيرادات النفطية أن تبلغ 480 مليار ريال (128 مليار دولار)، أي بزيادة عن العام الحالي حوالي 46%. وبالتالي، فإن توقعات المنتجات غير النفطية تُقدَّر بحوالي 212 مليار ريال (57 مليار دولار)، أي بزيادة تبلغ حوالي 6.5% من قيمتها لهذا العام.

وتنص ميزانية عام 2017 على أن مقدار النفقات المتوقعة يصل قيمته إلى 890 مليار ريال (237 مليار دولار)، وذلك بزيادة تبلغ 8% عن قيمتها في ميزانية 2016، والتي بلغت 825 مليار ريال فقط (220 مليار دولار)، وتبرر المملكة هذا الارتفاع في النفقات بأنه في سبيل العمل على إنجاز مبادرات برنامج التحول الوطني 2020، والتي خصص لها وحدها حوالي 42 مليار ريال (11 مليار دولار) في هذه الميزانية.

قليلٌ من التعليم.. كثيرٌ من السلاح

ينبغي في البداية أن نُفرِّق بين ما نصت عليه ميزانية 2016، وبين ما تم إنفاقه بالفعل، فما سنذكره الآن، وما يهمنا، هو التركيز على ما نصت عليه ميزانية العام السابق؛ ربما يكون الإنفاق الفعلي فاق هذه الأرقام، أو قل عنها، ولكن مقارنة الأرقام الرسمية بين موازنتي العامين؛ 2016 و2017، هي الأهم.

الإجراءات التقشفية التي اتخذتها الحكومة السعودية تتمثل في الفارق الظاهر بين ميزانية 2016، وميزانية 2017؛ وتظهر في خفض الإنفاق على معظم القطاعات العامة والحيوية للدولة، والبنية التحتية، وذلك في الوقت الذي ارتفعت فيه نسب الإنفاق على القطاع العسكري وشراء الأسلحة؛ إذ انخفضت قيمة الإنفاق على قطاع الإدارة العامة من حوالي 28.4 مليار ريال (7.6 مليار دولار) في ميزانية 2016، إلى حوالي 26.7 مليار ريال (7.1 مليار دولار).

كما انخفضت قيمة الإنفاق على قطاع الأمن والمناطق الإدارية حوالي ستة مليارات ريال، كما انخفضت أيضًا قيمة الإنفاق على التعليم حوالي سبعة مليارات ريال؛ فبعد أن بلغت قيمة الإنفاق على التعليم عام 2016 حوالي 207.1 مليار ريال (55 مليار دولار)، تقلصت القيمة لتصل في ميزانية 2017 إلى 200.3 مليار ريال فقط (53.3 مليار دولار). قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية كان له نصيب من خفض قيمة الإنفاق الحكومي السعودي في ميزانية عام 2017؛ حيث انخفضت قيمته من 124.8 مليار ريال (33.2 مليار دولار) في ميزانية 2016، إلى 120.4 مليار ريال (32 مليار دولار) فقط للعام الجديد.

من جهة أُخرى، ارتفعت قيمة الإنفاق العسكري السعودي بحوالي 11 مليار ريال سعودي (3 مليارات دولار)؛ فبعد أن بلغت قيمته في ميزانية 2016 حوالي 179 مليار ريال (47.7 مليار دولار)، ارتفعت قيمة الإنفاق العسكري لتصل إلى 190.9 مليار ريال سعودي (50.6 مليار دولار) في ميزانية 2017. كما ارتفعت نسب الإنفاق على قطاع الخدمات البلدية حوالي 10 مليار ريال، فضلًا عن قيمة الإنفاق على النقل والبنية التحتية، والتي ارتفعت هي الأخرى في ميزانية 2017 بحوالي 22 مليار ريال (5.9 مليار دولار)، لتمثل القطاع الأكثر زيادة في ميزانية 2017. وبحسب ميزانية 2017، فإنه من المتوقع أن تصل قيمة العجز في 2017 إلى 198 مليار ريال (52.7 مليار دولار) فقط.

انهيار أسعار النفط يُلقي بظله «الثقيل» على دول الخليج

عرض التعليقات
تحميل المزيد