في ديسمبر (كانون الأول) 2018، أعلنت المملكة العربية السعودية موازنة 2019، وذلك مع توقعات نمو اقتصادي نحو 2.6%، وكان ينظر حينها إلى هذا المستوى من النمو على أنه متواضع وغير كافِ لحل مشكلات اقتصاد المملكة المتفاقمة، والتي أبرزها البطالة، على سبيل المثال، هذه النظرة جاءت في ظل ما أعلنته الرياض من حجم قياسي للإنفاق في الموازنة، لكن بعد مرور تسعة أشهر على هذه التوقعات بات الوصول إلى هذا المعدل شيئًا من الخيال، فالبلاد تواجه الآن شبح الـ«0%»، بينما أصبح انكماش الاقتصاد السعودي على الأبواب، فكيف حدث ذلك؟

يُعد معدل 2.6% نمو اقتصادي انهيارًا، مقارنةً بسنوات الازدهار، وصافرة إنذار لبداية انكماش الاقتصاد السعودي، إذ تجاوز النمو في 2011 خانة العشرات، بالإضافة إلى أن هذا المعدل غير كافٍ على نحو كبير لكبح معدل البطالة القياسي البالغ 12.9% بين السعوديين، فكيف سيكون الوضع عندما نتحدث عن انكماش الاقتصاد السعودي الوشيك؟

بالنظر إلى البيانات التاريخية؛ فمنذ عام 1999 سجل الاقتصاد السعودي نموًّا سالبًا في خمسة أعوام، بحسب البنك الدولي، كان آخرها في 2017، عندما حدث انكماش الاقتصاد السعودي بواقع 0.7%، وجاء ذلك بعد أن خفضت السعودية الإنتاج بموجب اتفاق عالمي لدعم أسعار النفط بين الدول المنتجة للخام، بينما يتوقع محللون أن يشهد العام الجاري انكماشًا جديدًا في ظل الأزمات التي يمر بها اقتصاد المملكة.


وبعيدًا عن الأوضاع الجيوسياسية غير المستقرة، فإن معظم توقعات الاقتصاديين لدخول لمرحلة جديدة من انكماش الاقتصاد السعودي، تأتي بفعل تداعيات تراجع إنتاج النفط في أكبر الدول المصدرة للنفط في العالم، وتراجع الأسعار.

لعنة الاعتماد على النفط ما زالت مستمرة

يقول كبير خبراء الاقتصاد للأسواق الناشئة، لدى «كابيتال إيكونوميكس»، وليام جاكسون، بحسب ما نقلت عنه وكالة «رويترز» إن الضعف المتوقع للاقتصاد السعودي يرجع إلى «أثر تخفيضات إنتاج النفط، التي ستمثل عبئًا كبيرًا على نمو الناتج المحلي الإجمالي في 2019»، كان هذا التصريح قبل نحو عشرة أيام على هجوم «أرامكو» السعودية، الذي تضرر بسببه أكثر من نصف إنتاج المملكة.

فقبل الهجوم كانت السعودية قد تجاوزت إنتاج النفط الخام بقدر يتجاوز اتفاق الإمدادات الذي تقوده منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) لدعم أسواق النفط، ورغم ذلك قالت الخبيرة الاقتصادية ببنك «أبوظبي» التجاري، مونيكا مالك، إن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة قد ينكمش بنسبة 0.2% استنادًا إلى تخفيضات الإنتاج، لكن مع وضع الهجوم على «أرامكو»، بالإضافة إلى القلق من تباطؤ الطلب على النفط، وضعف الاقتصاد العالمي، وتوقعات الركود، مع تصاعد في الحرب التجارية الأمريكية الصينية، فلا شك أن الوضع ربما يكون أصعب على مستوى النمو السعودي، ويفتح الباب لانكماش الاقتصاد السعودي.

قبل أن تنبهر بالموازنة «التريليونية» للسعودية.. يجب أن تعرف إجابة هذه الأسئلة

ويأتي هذا التأثير الكبير بسبب استمرار اعتماد المملكة على إيرادات النفط والغاز مصدرًا أساسيًّا للدخل في البلاد، فبحسب وكالة «موديز» للتصنيفات الائتمانية، فإن إنتاج النفط والغاز يمثلان نحو 43% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، لذلك فإن التقلبات بالقطاع تؤدي إلى تقلب حاد في نمو الناتج المحلي الإجمالي.

يشار إلى أن السعودية حافظت على إنتاج النفط دون مستوى عشرة ملايين برميل يوميًّا في يوليو (تموز)، وأغسطس (آب) أي أقل من المستوى المستهدف وفق اتفاق أبرمته منظمة أوبك مع حلفائها، ويبلغ 10.3 مليون برميل يوميًّا.

0.5 % نمو بالربع الثاني.. تباطؤ حاد وتوقعات بالمزيد

مؤخرًا كشفت بيانات رسمية سعودية أن اقتصاد البلاد شهد تباطؤًا حادًّا في الربع الثاني من العام، إذ نما بنسبة 0.5% في الربع الثاني مقارنة به قبل عام، انخفاضًا من نمو سنوي بلغ 1.66% في الربع الأول من 2019، فيما يشير إلى أن الاقتصاد السعودي يمر بما يمكن وصفه بالانتكاسة، إذ إن كبيرة الاقتصاديين لدى بنك «أبوظبي» التجاري، خفضت توقعها مرة أخرى بعد هجوم «أرامكو»، متوقعه انكماشًا بنسبة 0.1% في العام الجاري.

بينما جاءت الانتكاسة الأكبر عندما خفضت وكالة التصنيف الائتماني «فيتش» تصنيف السعودية من A+ إلى A؛ إذ أرجعت الخفض إلى: «التوترات العسكرية والجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، وتدهور الموقف المالي للسعودية»، بحسب ما ذكرت «بي بي سي». والموقف المالي هنا يعني اتجاهات الحكومة فيما يخص برامجها الاقتصادية، وجانب الإيرادات والنفقات التي تعتمد عليها الحكومة لتحقيق أهدافها.

 

وتكمن حساسية تقرير «فيتش» في أنه جاء في وقت تستعد فيه لبيع سندات مقيمة بالدولار الأمريكي، وهو ما قد يضر بإقبال المستثمرين على هذه السندات، خاصة أن الوكالة الأمريكية تعتقد أن تتعرض المنشآت النفطية إلى هجمات أخرى مما قد ينتج عنه ضرر اقتصادي، ورفضت السعودية هذا الخفض، إذ وصفته وزارة المالية السعودية بأنه قرار «يبدو عليه الاستعجال».

على الجانب الآخر، وفي ظل أن الحديث خلال السطور السابقة يدور حول توقعات انكماش الاقتصاد السعودي الوشيك، يرى كبير خبراء الأسواق الناشئة لدى «كابيتال إيكونوميكس»، جيسون توفي، أن «الاقتصاد السعودي رسميًّا في حالة ركود الآن»، وذلك استنادًا إلى أن البيانات الرسمية تشير إلى أنه على أساس معدل في ضوء العوامل الموسمية، فقد حدث انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 0.64% في الربع الثاني مقارنة بالربع الأول.

في المقابل تتوقع وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسعودية نحو 0.4% هذا العام، فيما توقعت «موديز» نموًا اقتصاديًّا في 2019 بنحو 0.3%، بعد أن كانت تتوقع نموًّا قدره 1.5%، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي تسجيل البلاد عجزًا ماليًّا بنسبة 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2019.

من ناحية أخرى، ورغم أن معظم توقعات النمو تدور حول الصفر، يرى بعض الاقتصاديين أن الاقتصاد غير النفطي قد ينمو بما يتجاوز 2% بسبب الارتفاع الكبير في إنفاق الدولة، إذ زاد الإنفاق الحكومي 6% في النصف الأول من العام الجاري، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2018 بما يتفق إلى حد كبير مع الزيادة المستهدفة للإنفاق في الموازنة بنسبة 7% في 2019.

مع محاولات للإنعاش.. الاقتصاد غير النفطي يواصل المعاناة

في 15 مايو (أيار) الماضي، توقع خبراء صندوق النقد الدولي في ختام بعثة مشاورات المادة الرابعة لعام 2019، أن يتسارع النمو الاقتصادي غير النفطي الحقيقي إلى نسبة 2.9% في عام 2019، لكنهم قالوا إنه يصعب تقييم التطورات المستقبلية في سوق النفط؛ نظرًا إلى عدم اليقين بشأن حجم الإنتاج في بعض البلدان المصدِّرة الأساسية، بينما توقعوا أن يصل نمو إجمالي الناتج المحلي النفطي الحقيقي إلى نسبة 0.7% في 2019، بينما يبلغ نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي الكلي 1.9%، بافتراض استمرار الأوضاع على حالها، وهو ما لم يحدث.

لكن المهم هنا أن الصندوق كان يعول كثيرًا على القطاع غير النفطي، إذ توقعت بعثة خبراء الصندوق ارتفاع النمو الاقتصادي غير النفطي إلى نسبة تتراوح بين 3% و3.25% تقريبًا مع ظهور ثمار الإصلاحات الاقتصادية الجارية، لكن البيان أكد أن تشجيع النمو الاقتصادي غير النفطي، وتنويع الاقتصاد، وخلق فرص العمل، لا يزال من أهم التحديات أمام المملكة.

بيان الميزانية 2019

لكن في الواقع، ما زال القطاع بعيدًا عن تحقيق آمال المملكة، وتحقيق طموح ولي العهد لتنمية الاقتصاد غير النفطي ضمن إطار «برامج تحقيق رؤية المملكة 2030»، وذلك من خلال استحداث قطاعات اقتصادية جديدة، أو توسيع القطاعات القائمة، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع الأسواق المالية وتعميقها.

ومؤخرًا لجأت السعودية لقرارات بمثابة إنعاش للوضع، كان أبرزها فتح أبواب البلاد على مصراعيها أمام السياح الأجانب، من خلال إطلاق نظام جديد للتأشيرات يشمل 49 دولة، بينما جددت دعوتها للشركات الأجنبية للاستثمار في القطاع الذي تأمل أن يسهم بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، ارتفاعًا من حوالي 3% حاليًا، وهو القرار الذي يُعد ثوريًّا، خاصة أن المملكة ظلت لعقود منغلقة نسبيًّا.

ويقول رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، أحمد الخطيب، إن بلاده في حاجة لاستثمارات بنحو 250 مليار ريال، تشمل 500 ألف غرفة فندفية جديدة بحلول 2030، نصفها في مشروعات عملاقة تدعهما الحكومةـ والنصف من مستثمري القطاع الخاص، إذ أشار إلى أن الحكومة وقعت مذكرات تفاهم قيمتها الإجمالية حوالي 100 مليار ريال، وتأمل المملكة أن تجذب 100 مليون زائر سنويًّا في 2030، ارتفاعًا من حوالي 40 مليونًا حاليًا، لكن تظل هذه الأرقام بعيدة المنال في ظل ضعف مساهمة القطاع الخاص، والتباطؤ في إنجاز بعض المشروعات العملاقة كمدينة «نيوم».

يشار إلى أن مجلس الوزراء السعودي قرر إعفاء العاملين الأجانب في القطاع الصناعي، من الرسوم لمدة خمس سنوات، وهو الأمر الذي يُعد تنازلًا عن اتجاه الحكومة التي فرضت – في إطار مسعى لخلق الوظائف- رسومًا على تشغيل الأجانب للتشجيع على توظيف المواطنين السعوديين، لكن الشركات قد واجهت صعوبات في دفع الرسوم المتزايدة لتصاريح عمل الأجانب.

«سي إن إن»: هل تفلح السعودية في التحول إلى وجهة عالمية للسياحة؟

المصادر

تحميل المزيد