بعد انتصار النظام السوري في معركة حلب، التي كانت أهم ساحات القتال في السنوات الأخيرة، فقد شارفت الثورة السورية بالنسبة للكثير من المحللين على الانتهاء.

وعندما تقترب لحظات الهزيمة والنهاية، ينظر الجميع إلى الأعداء المعلنين الذين يقصفون ويضربون ويقتلون، لكن على الجانب الآخر هناك ما لا يقل أهمية عن رؤية الأعداء الواضحين، إنه التحقق من الأصدقاء، فربما تجد أيادي بعضهم ملطخة هي الأخرى، وربما أكثر من الأعداء المعلنين.

النبوءة تتحقق.. الحاجة الملحة للذكريات

في مقال كتبه مطلع عام 2016، اعتبر المفكر الفلسطيني سلامة كيلة، أن ما يجري على الأرض في سوريا، هو من صنع أيادٍ متعددة، ورغم كل التناقض الذي يظهر على السطح بينها، لكنها تتفق على هدف واحد، هو الهجوم على الطبيعة العميقة للثورة السورية، في عالم ما زال يعاني من ردود الفعل على الأزمات العميقة التي تعيشها الرأسمالية، ومن ثم كان هناك ضرورة لإطفاء الحريق بتعبير المفكر الفلسطيني، وتحويل الثورة السورية إلى مثال على ما يمكن أن تفضي إليه أي هبة للقطاعات المنهوبة في النظام الرأسمالي العالمي.

وكأن سلامة كان يتنبأ بمشهد حلب، حين كتب: «إذا كانت المرحلة الأولى من الثورة قد شهدت تدخلًا إقليميًّا لوقفها، وصدّ موجة الثورات التي امتدت من تونس إلى سورية، فقد بات مطلوبًا في المرحلة الثانية أن تتحوّل الثورة إلى مجزرة، لكي تكون مثالًا مبهرًا في العنف والوحشية، يخيف شعوب العالم المتحفّزة للثورة، نتيجة أزمة الرأسمالية، وميلها إلى زيادة إفقار الشعوب، ودفعها إلى البطالة والتهميش. كان عمق أزمة الرأسمالية يفرض أن ينشأ مثال على نتائج كل تمرُّد عليها، مثال وحشي، يهدف إلى ردع الشعوب عن الثورة. إذن، هو مثال مصنوع، ككل أفلام هوليود. خصوصًا وأن الرأسمالية مضطرة لأن تزيد في نهبها واستغلالها وإفقارها الشعوب، نتيجة طابعها الذي يتسم بالمضاربة».

يظهر مما يقوله سلامة، أن كل القوى الدولية المتصارعة في سوريا، ربما كانت تملك سيناريوهات متعارضة لمستقبل سوريا بعد اندلاع انتفاضة 2011، لكن في كل تلك السيناريوهات والمصالح المتصارعة على الأرض، كان هناك اتفاق مضمر بواقع المصالح الموضوعية على سحق الثورة السورية بطبيعتها العميقة، وأحلامها الحقيقية.

لكن ما هي الطبيعة العميقة للثورة السورية؟ ربما نكون في أشد الحاجة الآن وأكثر من أي وقت مضى للذكريات.

حتى لا ننسى.. أول الحب!

«على هذه الأرض ما يستحق الحياة: (…) أول الحب!». – الشاعر الفلسطيني محمود درويش

مدارس النظام السوري، التي تخرًّج فيها العديد من الشباب الذين شاركوا في الأشهر الأولى من الثورة السورية، مدارس غالبيتها مطلية بلون الصمت والفزع: اللون البني الباهت؛ وهو نفس لون رداء الشرطة السورية السابق.

بعد خلع مبارك وبن علي، قرَّر أطفال درعا وطلاب مدارسها الذين لا تزيد أعمارهم على 14 عامًا، أن يبتكروا لعبةً جديدةً، ويتمردوا على هذه الجدران القاتمة. قرَّروا ببساطة أن يضفوا عليها روح طفولتهم؛ كي تليق بأن تكون مدارس للأطفال، لا معسكرات لإعداد الخاضعين للنظام.

كتبوا على جدران مدارسهم عبارات ضد الرئيس الحالي وطبيب العيون السابق بشار الأسد، أحدهم كتب باللون الأحمر «جاييك الدور يا دكتور». على كل حال استيقظ النظام صباح اليوم التالي، ليرى مدارسه الصارمة التي اعتاد أن يلقن الطلاب فيها تقديسه، وقد اكتظت جدرانها بعبارات السخرية منه.

d4b5bab0-ae18-49bb-9763-85900d8ec7a8-original

المصدر : Mostafa Jacoub

كان عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد، هو رئيس الأمن السياسي في درعا، وقد كانت له طريقته الخاصة جدًّا في التعامل مع سخرية الأطفال وأحلامهم المكبوتة.

كانت ردة فعل القوى الأمنية هي اعتقال الأطفال وتعذيبهم، وكأنهم معتقلون سياسيون يريدون قلب نظام الحكم في البلاد، وصل التعذيب إلى حد اقتلاع أظافرهم، ورفضت القوى الأمنية الإفراج عنهم، وعندما جاء رجال الحي من أهل الأطفال يطالبون بالإفراج عنهم، قال الأمن لهم: «لو كنتم تريدون أطفالكم، أحضروا نساءكم لنستضيفهم عندنا بدلًا منهم». وبحلول 18 مارس (آذار) 2011، كانت مدينة درعا قد انتفضت بأكملها.

حدث الأمر كالتالي: أهالي وأصدقاء الطلاب الذين قبض عليهم، يخرجون في مظاهرات يوم الجمعة، فيقابلون بالرصاص الحي، فيسقط شهيد جديد، وتنضم عائلة جديدة للانتفاضة، يبدو هنا الأمر مشابهًا لباقي الثورات العربية، حيث وبعيدًا عن أسبابها العميقة، كانت أسبابها المباشرة والظاهرة على السطح، تتمثل في فرط عنف أجهزة الشرطة، في جمهوريات ما بعد الاستقلال العربية. وقد قال أحد أطفال ملحمة الكتابة على الجدران في درعا، بعد مرور خمس سنوات من اندلاع الثورة: «كنت أتصور أنَّ الجيران والكبار سيرون فينا أطفالًا أغبياء ومتهورين وسُذجًا، لكن على العكس تمامًا فقد نُظر إلى كتاباتنا باعتبارها ملحمة شجاعة!».

كان للأمر دلالة رمزية كبيرة: لو حاول أطفال سوريا أن يرسموا أحلامهم على الجدران، سنحول أحلامهم إلى كوابيس، وسنقتلع أظافر الأيادي التي رسمت؛ لا مستقبل هنا في سوريا، سوى المستقبل الذي نقرره نحن فقط.

في مقابلة سابقة مع الكاتب الفلسطيني السوري رائد وحش، حين ذكرناه بلحظات الثورة الأولى على يد أطفال درعا، أو «أول الحب» بتعبير الشاعر الفلسطيني محمود درويش، امتلك الشجاعة الكافية ليقول: «بالتأكيد تغيرت المشاعر بالكامل الآن، حيث انتقلنا من التفاؤل إلى قاع سحيق من اليأس. هُزمنا كمجتمع وكأفراد. لم يهزمنا النظام فهو مهزوم أيضًا، هزمتنا الطائفية، والرايات السوداء، والقوى الإقليمية والدولية، وهزمتنا أمراضنا».

وقد ترى عزيزي القارئ أننا أطلنا السرد فيما يخص هبة أطفال درعا 2011، أكثر مما ينبغي، لكن ربما يكون هذا ضروريًّا للغاية الآن، لنتذكر أنه في الوقت الذي اقتلعت فيه أظافر أطفال درعا، كانت المملكة العربية السعودية تضخ الأموال في شرايين نظام الرئيس السوري بشار الأسد!

ماذا تعرف عن تمويل السعودية لنظام بشار الأسد؟

كانت العلاقات السعودية السورية تسير بسلام، إلى أن تم اغتيال رفيق الحريري حليف السعودية بلبنان، ثم قيام حرب يوليو (تموز) 2006 بين إسرائيل وحزب الله، وهي الحرب التي هاجمت فيها السعودية حزب الله، معتبرةً أنه شن مغامرة غير محسوبة، كما قامت القنوات الدينية التي تروج لنسخة الإسلام الوهابية التي تعتنقها المملكة، بشن حرب أيديولوجية كبيرة عبر شيوخها، أثناء الحرب، ضد الشيعة معتبرةً إياهم خارجين عن ملة الإسلام، وأن المعركة الدائرة حينها، هي بين اليهود والكفار.

شن بشار الأسد بعد انتهاء المعركة هجومًا قاسيًا ضد المملكة السعودية، واصفًا من لاموا حزب الله في تلك المعركة، بأنهم أشباه رجال.

لم تدم الخلافات على السطح طويلًا، حيث قام العاهل السعودي الراحل، عبد الله بن عبد العزيز، بزيارة دمشق في عام 2009، مما اعتبر وضع حد للخلافات السورية السعودية الظاهرة على السطح.

وتدفقت بعد ذلك الاستثمارات السعودية الضخمة في سوريا، ليس هذا فحسب، وإنما قام محمد الجاسر، محافظ صندوق النقد العربي السعودي، في مارس (آذار) 2010، بالإعلان عن تقديم قروض لسوريا بقيمة 140 مليون دولار، بعد زيارة العاهل السعودي الثانية لدمشق في عام 2010، أي قبل شهور قليلة من بدء الثورة ضد النظام، الذي وصفته المملكة بعد ذلك بأنه نظام دكتاتوري يقتل شعبه ويهلكه على مدار عقود.

 

المهم هنا، أنه بعد أسابيع قليلة من بداية الثورة السورية، وتحديدًا في السادس من أبريل (نيسان) 2011، وقعت المملكة العربية السعودية عقدًا لتمويل إنشاء محطة كهربائية في دير الزور بتكلفة 375 مليون دولار.

وفي أغسطس (آب) 2011، وضعت السعودية والإمارات أربعة مليارات دولار بالبنك المركزي السوري، في حين كان العاهل السعودي يندد بالسلوكيات الوحشية لنظام الأسد.

على جانب آخر، يشير المفكر الفلسطيني سلامة كيلة لساسة بوست، إلى أن من يراجع خطابات بشار الأسد في عام 2015 يجد تصريحات واضحة منه، بأن الملك عبدالله كان قد أرسل له ابنه خالد ليبلغه بأن السعودية تدعمه في سحق الثورة وسحق الإخوان المسلمين، وقال أنها دعمته بستة مليارات ونصف المليار دولار.

مع تطور الأوضاع باتت المملكة العربية السعودية أمام معضلة مركبة في سوريا، فمن جهة تقاوم المملكة المد الثوري العربي، الذي تخشى من انطلاقه إليها، وما قد يفضي إليه هذا المد الثوري من صعود نسخة للإسلام السياسي تنافس نسختها في المنطقة وتنازعها سيادتها، ومن جهة أخرى كان تكثيف الدعم الإيراني والدعم القادم من حزب الله للنظام السوري يقلقها على مصالحها، في حربها الأهم ضد إيران، وهو ما حرك بعد ذلك موقفها إلى العمل على إطاحة بشار الأسد.

إجهاض السعودية لمبادئ الثورة السورية

«واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد»، و«لا سلفية ولا إخوان.. الثورة ثورة شبان»، هكذا كانت تتردد الهتافات وتُسمع بوضوح في بداية الثورة السورية.

في تقرير بحثي مطول بمجلة «ذي أتلانتك»، بتاريخ 16 مارس (آذار) 2016، حمل التقرير عنوانًا فرعيًّا يقول: «خمس سنوات مرت؛ لقد كانت القوى التي عارضت بشار الأسد في معظمها بالبداية، سلمية وعلمانية فماذا حدث؟».

وتبع التقرير ذلك بالقول، إنه في بدايات الثورة السورية، كانت تصريحات الرئيس بشار الأسد، حول تبريره لقمعه العنيف لتلك المظاهرات -وهو القمع الذي أودى بحياة أكثر من ألفي مواطن بحلول نهاية صيف 2011- محيرة ومدهشة ولا يصدقها الواقع المرئي، فقد كان الأسد يتهم المحتجين المطالبين بالإصلاح الديمقراطي بأنهم جماعات إرهابية.

في الواقع حملت الانتفاضة السورية في مرحلتها السلمية، مشاهد تنبذ الطائفية والأصولية، وعلى سبيل المثال في حمص مارس (آذار) 2011، كانت الأغلبية المسيحية في حي الحميدية تلقي بزجاجات المياه وحبات الأرز على المتظاهرين أثناء مرورهم، وقد قام مسيحيو المدينة من الشباب بتشكيل طوق حول المعتصمين لحمايتهم أثناء تأدية المسلمين منهم للصلاة، كما تكررت المشاهد آنذاك التي رُفع فيها رجال الدين الإسلامي والمسيحي، على أعناق المتظاهرين جنبًا إلى جنب.

على جانب آخر، كانت تصريحات بشار حول أن الثورة هي ثورة جماعات إرهابية طائفية، صادقة للغاية في الحقيقة إذا نظرنا لها من زاوية أخرى، حيث كانت تحمل في طياتها نواياه بتحويل ذلك الحراك المطالب بالعدل والإصلاح الديمقراطي، إلى حراك أعلام سوداء طائفية، مستغلًا معرفته بطبيعة الطبقات الاجتماعية التي ثارت ضده، والتي كانت أغلبها ريفية، ومعرفته الجيدة أيضًا بميراث والده الخاص بترييف المجتمع السوري وتطييفه، والأهم هو معرفته الجيدة باعتباره رائدًا من رواد الإصلاح النيوليبرالي في الاقتصاد السوري منذ توليه الحكم، بطبيعة النظام العالمي القائم، وصراعات القوى بداخله.

جدير بالذكر هنا أنه في الوقت الذي اتهم فيه الأسد المناهضين له والمطالبين بالديمقراطية بأنهم جماعات إرهابية، أصدر في مارس (آذار) 2011، قرارًا بالإفراج عن 260 سجينًا، من سجن صيدنايا الذي يقع خارج دمشق، وقد تبين بعد ذلك أن الغالبية العظمى من هؤلاء المفرج عنهم كانوا إسلاميين راديكاليين، أسسوا بعد ذلك الكتائب الجهادية السلفية التي حاربت بشار تحت شعارات طائفية، وقد كرر الأسد هذا الأمر بإطلاق سراح الجهاديين الإسلاميين في يونيو (حزيران) من نفس العام.

وفي حوار سابق لساسة بوست، قال لنا الكاتب السوري الذي يعيش في مصر حاليًا سامر مختار، إن الأصوليين والمتطرفين الذين برزوا على سطح الثورة السورية، لا ينتمون بأي شكل من الأشكال للثورة السورية. واستكمل حديثه قائلًا: «بتاريخ 31 مايو (أيار) 2011، أفرج النظام عن أربع شخصيات من سجن صيدنايا بموجب عفو عام، وهم: زهران علوش قائد لواء الإسلام سابقًا، وحسّان عبّود (الملقّب بأبي عبد الله الحموي)، قائد حركة أحرار الشام، وعيسى الشيخ، قائد لواء صقور الإسلام، وأبو محمد الفاتح الجولاني، أمير (جبهة النصرة). ومن بعد خروج هؤلاء، ظهر الخطاب الديني المتشدد، الذي بدأ بالتأثير في الثورة السورية، ونتج عن ذلك الكتائب المسلحة التي تم ذكرها، مثل جبهة النصرة، وباقي المجموعات الإسلامية الراديكالية. السؤال المهم هنا: لماذا تم الإفراج عن هؤلاء بوقت كان فيه النشطاء الحقوقيون وكتّاب الرأي والمثقفون والمتظاهرون يموتون تحت التعذيب؟ كل المؤشرات تقول إن لنظام السوري هو من صنع هؤلاء».

 

وقد أشار المفكر الفلسطيني سلامة كيلة في حوار سابق معه، إلى عنصر أساسي عمل على تسهيل ما أسماه بأسلمة الثورة السورية، حيث يرى كيلة أن كلًّا من النظام، ودول الخليج، والإعلام الغربي، قد اجتهدوا في إظهار الثورة السورية على أنها ثورة إسلامية متطرفة يصنعها المتشددون، رغم شعارات الشباب السوري الواضحة التي كانت معاكسة لتلك الصورة تمامًا.

العنصر الحاسم في نظر سلامة هو أن النظام ركز على نخب الفئات الوسطى أثناء حملاته القمعية، فحين كان يعتقل عضو تنسيقية من تنسيقيات الثورة، ويعتقل شخصًا آخر مسلحًا، كان يعذب الأول وربما يقتله من التعذيب، بينما لا يعذب الثاني ويفرج عنه، حيث قام النظام بتصفية الطبقة الأولى والثانية والثالثة والرابعة من التنسيقيات، تلك التنسيقيات التي تمثلت فيها النخب الشبابية المنتمية للطبقات الوسطى، والجزء الكبير منهم كان علمانيًّا.

دأب بشار الأسد منذ بدايات الثورة في 2011، على وصف ثورة الشباب بأنها ثورة متطرفين وإرهابيين، وكان همه الأول منذ اندلاعها، أن يصمها بالإرهاب، ولعل المملكة العربية السعودية كانت واحدة من أهم القوى التي دعمت بشار الأسد في تحقيق رغبته، سواء كان بقصد أو بدون قصد؛ تلك الرغبة التي أبرزها حين أفرج هو بنفسه عن الإسلاميين الراديكاليين.

وفي حوار لنا معه، صرح المفكر سلامة كيلة بأن المملكة العربية السعودية بتصرفاتها، قد تعاونت مع النظام في مهمته التي استهدفها منذ بداية الثورة، المتمثلة في تحويلها أمام أعين العالم إلى ثورة طائفية إسلامية أصولية، حيث لعبت المملكة على دعم المتطرفين، وعلى أسلمة الكتائب المسلحة عبر الإيهام بالدعم المالي، وأبرزت شخصًا مثل الشيخ السلفي عدنان العرعور، وكأنه قائدٌ للثورة، وأقامت له قنوات فضائية خاصة، وبذلك قدمت السعودية لنظام بشار خدمة كبيرة، بعد قيامه هو الآخر بالإفراج عن الجهاديين المحبوسين في سجونه عامي 2011 و2012، كي ينخرطوا في قتاله بعد ذلك، وتظهر الثورة وكأنها حرب طوائف تسودها النزعات التكفيرية، بحسب سلامة.

حين تحولت خطة السعودية في سوريا بعد تكثيف الدعم الإيراني للنظام، اقتصر الدعم السعودي في البداية، على الفصائل في جنوب سوريا، وكان الدعم يوجه للفصائل التي لا تربطها علاقة بالإسلام الحركي.

سرعان ما تغيرت هذه السياسة، وباتت المملكة تدعم من يحقق الإنجازات العكسرية على الأرض حتى لو كان إسلاميًّا راديكاليًّا، أو جهاديًّا، وكان الدعم يوجه من خلال تنسيق قطري تركي.

وسرعان ما كشف كبير الكتّاب في الجارديان، ديفيد هيرست، في عام 2014، عن أن فصل الأمير السعودي بندر بن سلطان من موقعه كرئيس للاستخبارات السعودية، كان أحد أسبابه، سخط الإدارة الأمريكية عليه، حينما اكتشفوا أن المال السعودي قد انتهى به المطاف في أيدي مقاتلين سوريين ولائهم للقاعدة؛ حيث وجدوا أن هذا المال لم يكن مسخرًا لإسقاط الأسد، وإنما لتعزيز قدرات داعش، وجبهة النصرة.

في المقابل دعمت المملكة العربية السعودية بالسلاح والمال، الجماعات الوهابية المسلحة مثل «جيش الإسلام»، ودعمت كلّ من قطر وتركيا جيش أحرار الشام الأصولي، وقد دعمت قطر على وجه الخصوص مجموعة ممن تربطهم علاقات قوية بتنظيم القاعدة.

وكان الباحث في العلوم السياسية حكيم الخطيب، قد لاحظ في مقال له منشور على موقع قنطرة، أنه وسط تلك الحرب بالوكالة المشتعلة في سوريا، لم تقدم دول الخليج ولو مكانًا واحدًا، لإعادة توطين اللاجئين السوريين.

وفي حوار لـ«رصيف 22»، مع المفكر السوري ياسين الحاج صالح، كان قد سأله المحاور: لقد تحققت نبوءة النظام، أو لنقل النظام نجح في تحقيق نبوءته القائلة بأن المعارضين هم إسلاميون متطرفون يرفضون الآخر ويهدّدون وجوده. ما هي العوامل الاجتماعية والتاريخية التي أوصلتنا إلى هنا؟

وقد أجاب صالح حينها بأن
«النظام صنع الوقائع والظروف التي تجعل توقعه واقعيًّا. من العنف إلى المذابح الطائفية، إلى اعتقال الناشطين السلميين، وتسهيل خروجهم من البلد. على سبيل المثال، أبلِغت (المعارضة) مي سكاف عن لسان (الرئيس السوري) بشار (الأسد) مباشرة بأن تخرج من البلد، وإلا تعرضت للأسوأ. هذا إضافة إلى إطلاق سراح معتقلين إسلاميين قضى بعضهم، مثل زهران علوش، بالكاد عامين في السجن، بينما لا يزال الطبيب محمد عرب معتقلًا من قرابة ثلاث سنوات، ولا يُعرف عن مصيره شيء. كان واضحًا أن هذه العمليات ستؤدي إلى التطرف والعنف والتطييف».

لم يذكر هنا ياسين الحاج صالح، الدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية في صبغ الثورة بصبغة التطرف، لكن العديد من التقارير الدولية كانت قد رصدت كيف حاولت المملكة العربية السعودية بعنف تأجيج الانقسامات الطائفية في سوريا، لتحقيق مصالحها الذاتية، بتشكيل سيناريو بعد انتهاء الحرب، يحاول القضاء على مصالح طهران في سوريا، وفي نفس الوقت يفرغ الثورة السورية من مضمونها العميق، والأهم من ذلك تكوين جيش سوري من جديد، مؤهل، للحفاظ على مصالح المملكة السعودية في بلاده.

تفريغ الثورة من مضمونها

في استقالته الغاضبة التي قدمها عام 2014، قال المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا سابقًا، الأخضر الإبراهيمي: «الجميع لديهم أجندتهم الخاصة، ومصالح الشعب السوري تأتي ثانيًا، أو ثالثًا، أو لا تأتي من الأصل».

بحلول عام الانتفاضات العربية (2011)، كان الأسد قد قطع شوطًا كبيرًا من تنفيذ الإملاءات النيوليبرالية الاقتصادية، وقد بلغ إسهام القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي ما تقارب نسبته 65%، وصارت نسبة 75% من القوى العاملة السورية تعمل في القطاع الخاص.

وقد تركزت ملكية الأرض الزراعية في يد عدد قليل جدًّا من السكان، ويذكر الباحث جوزيف ضاهر في هذا السياق، أن إحدى الصحف الاشتراكية الساخرة كانت قد علقت على تلك التغيرات العميقة في الاقتصاد السوري، في جملة صغيرة ومكثفة ومدهشة للغاية: «وبعد 43 عامًا من الاشتراكية، يعود الإقطاع».

منذ تولي طبيب العيون الشاب للبلاد، تقلصت استثمارات الدولة في الخدمات الاجتماعية، وتقلص الدعم الحكومي للمنتجات الزراعية والوقود وغيرها من المواد التي كان يوفَر عليها دعمًا يعين المواطنين البسطاء، على استكمال الحياة؛ انسحبت الحكومة من الخدمات الاجتماعية، وتركت هذه المهمة على كاهل فاعلي الخير من الأثرياء، ذوي المشاعر الدينية خصوصًا.

 

بحلول عام 2011، كان معدل البطالة قد وصل إلى مستويات خطيرة وغير مشهودة من قبل في سوريا، بنسبة تتراوح وفق الأرقام الرسمية لحوالي 15%، و25% وفق الأرقام غير الرسمية، وقد بلغت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر بحلول عام 2007 حوالي 33%، علمًا بأن الفقر كان يرتفع أكثر بكثير في المناطق الريفية بنسبة 62%، وجدير بالذكر أن الفقر كان يزداد في مناطق الشمال، خصوصًا محافظات الرقة، وإدلب، ودير الزور، وحلب، والحسكة.

وبالطبع، اكتمل ما يسمى بالإصلاح النيوليبرالي للاقتصاد، بالانتقال من طبيعته التي تعتمد على قاعدة زراعية وصناعية، إلى اقتصاد خدمات وسمسرة واستيراد، وقد تربعت على عرش الاقتصاد الجديد مجموعة ضئيلة من السكان، هم أقارب الأسد، والمقربون منه.

وبحلول عام 2007، بات لزائر سوريا أن يرى بوضوح، التفاوت الطبقي الصارخ، ومدن الصفيح العشوائية المنتشرة في ضواحي دمشق، يقابلها من الناحية الأخرى مدن راقية للغاية في وسط المدينة.

إذًا، كانت سوريا مثل بقية الدول العربية التي زارها الربيع، من حيث التعرض لصدمات هائلة من التحولات الاقتصادية اليمينية، بعكس ما يروجه النظام عن أن الثورة هي محض مؤامرة عليه من قبل الإمبريالية العالمية، لأنه حائط الصد الوحيد في الوطن العربي أمام مخططاتها.

منذ قرابة العام كان «ساسة بوست» قد تواصل مع مواطنين وشباب ومفكرين سوريين من كافة المشارب، في تقرير بعنوان «قصة الحب والحرب والخذلان.. كيف تحول حلم ثورة سوريا إلى كابوس؟!» وفي الواقع كان السؤال الوحيد، الذي وجد إجابة واحدة من كافة المصادر التي تواصلنا معها في هذا التقرير، هو السؤال عن عدم امتلاك كافة تيارات المعارضة السورية، لأي رؤية ذات مضمون اقتصادي اجتماعي، وعدم امتلاكها لأي رؤية علمية لمستقبل سوريا بعد الأسد.

كانت الإجابة التي اتفق عليها الجميع: «نعم، للأسف، هذا حقيقي. قوى الثورة ليس لديها أية رؤية واضحة لما بعد الحرب، ولا تملك أية رؤية ذات مضمون اقتصادي اجتماعي، وهي بالكاد تفكر باليوم».

في الواقع لم تكن المملكة العربية السعودية وحدها صاحبة التأثير في هذا الأمر تحديدًا، فكل الأطراف الإقليمية المتصارعة في سوريا، كانت تدعم بشكل أساسي من يحقق لها مصالحها على الأرض، والأقدر على الفوز في المعارك العسكرية، ومع اشتعال الحرب بالوكالة في الساحة السورية، بدأت تنسحب أكثر فأكثر، الأحلام العميقة للثورة السورية، لتتحول الثورة من حلم ذي مضمون اجتماعي بالأساس، إلى ساحة كبيرة لحرب أصحاب المصالح المختلفة الذين يمولون أطرافًا معينة على الأرض، ومع الوقت بات غالبية المتصدرين على الساحة سياسيًّا وعسكريًّا، لا يحملون رؤية اجتماعية أو اقتصادية تترجم الأحلام للثورة السورية، التي تلاشت مع رصاص المتحاربين بالوكالة.

عرض التعليقات
s