لدينا بواعث قلق، ومن المحتمل أننا قد نواجه مخاطر من بعض الدعاوى القضائية غير الموضوعية وإجراءات التقاضي والتي يجب علينا أن نضعها في الاعتبار في قرارانا النهائي

هكذا قال وزير الطاقة السعودي (خالد الفالح)، في 22 مارس (آذار) الماضي، معلقًا على الطرح العام الأولي لشركة النفط السعودية (أرامكو) في بورصة دولية مثل لندن أو نيويورك، والذي أكد أنه سيكون في النصف الثاني من 2018، ويعد هذا التصريح هو الأول من نوعه لمسؤول سعودي يتحدث عن هذه المخاطر بشأن إدراج أرامكو في بورصة دولية، وذلك بعد أن نقلت «رويترز» عن مصادرها الخاصة في أغسطس (آب) 2017 أن وزير المالية (محمد الجدعان)، هو الأكثر تشديدًا على المخاطر القانونية من بين المسؤولين الحكوميين الكبار الذي يقدمون المشورة لولي العهد، محمد بن سلمان بشأن قرار الإدراج، وذلك لأنه يتمتع بخبرة في مجال المحاماة.

حديث الفالح الذي تزامن مع زيارة ولي العهد للولايات المتحدة الأمريكية، والتي من المفترض أن تكون أرامكو ضمن أجندتها، لم يمر عليه سوى أيام قليلة حتى رفض قاض أمريكي إسقاط دعوى تتهم السعودية بالمساعدة بالتخطيط لأحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وهو الأمر الذي يعزز القلق السعودي ويشير إلى مخاطر حقيقية على الطرح المرتقب، في حال كانت نيويورك الخيار الأول.

ما مخاطر «جاستا» على طرح أرامكو؟

قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب» المعروف اختصارًا بـ«جاستا» كان قد أقره الكونجرس الأمريكي في سبتمبر 2016، ويُقلص القانون نطاق حصانة الدول أو الأشخاص الأجانب بالإذن للمحاكم الأمريكية، بنظر قضايا ضد دولة أجنبية في أحداث إرهابية، إذ يتُيح القانون لأهالي ضحايا 11 سبتمبر 2001، بمقاضاة مسؤولين سعوديين أمام القضاء الأمريكي، وهو ما يعد تهديدًا مباشرًا للمصالح الاقتصادية في أمريكا، ولا يمكن إهمال تأثيره على طرح أرامكو، وهو الطرح الذي يعد الحدث الاقتصادي الأهم بالنسبة للمملكة خلال العقود الأخيرة.

وبالرغم من مرور نحو عام ونصف العام على هذا القانون بدون رد سعودي على أرض الواقع، لكن اختيار نيويورك لإدراج أسهم عملاق النفط السعودي، من الصعب أن تتعامل معه السعودية كما تتعامل مع مشترياتها من السندات الأمريكية، إذ إن مستقبل البلاد الاقتصادي يعتمد على خطط إدراج حصة تصل إلى 5% في أرامكو في طرح عام أولي قد يقدر قيمة الشركة عند حوالي تريليوني دولار ويجعلها أكبر شركة نفطية في العالم من حيث القيمة السوقية.

وتتعامل السعودية بحذر بالغ مع هذا الإدراج سواء من جانب تقييم الشركة أو من جانب التوقيت ومكان الإدراج، إذ تكافح المملكة منذ أن أعلن ولي العهد السعودي عن خطط طرح أرامكو من أجل دعم أسعار النفط، وتسعى الرياض للوصول إلى أعلى سعر ممكن، وذلك من خلال اتفاقات خفض إنتاج النفط التي ربما تضر إيراداتها وحصتها السوقية في المقام الأول، لكن يبدو أن نجاح إدراج أسهم أرامكو أهم بالنسبة للمملكة في الوقت الحالي من أي شيء آخر.

ونجحت المملكة في الوصول لاتفاق على الخفض الأول لإنتاج النفط  في ديسمبر (كانون الأول) 2016، ثم جاء تمديد الاتفاق في مايو (أيار) 2017 ليمتد إلى مارس 2018، ثم إلى نهاية هذا العام، بينما تعمل السعودية حاليًا على اتفاق تاريخي طويل الأجل مع روسيا قد يمدد القيود التي يفرضها مصدرون رئيسيون على إمدادات النفط العالمية لأعوام عديدة مقبلة، والهدف في النهاية هو تهيئة المناخ لطرح أرامكو.

لكن مع صعود «جاستا» إلى الواجهة مرة أخرى باتت جهود السعودية مهددة، إلا أن مراقبين يرون أنه بالنظر إلى حجم المصالح الكبيرة التي تجمع بين واشنطن والرياض، فأنّ إثارة قضية 11 سبتمبر تظل هامشية وضعيفة التأثير على علاقات البلدين، وهو ما قد لا يؤثر على طرح أرامكو.

هل تؤجل السعودية طرح أرامكو إلى 2019؟

ظل موعد طرح أرامكو مجال الكثير من الجدل لفترة ليست بالقصيرة، إلى أن أكد أمين الناصر (رئيس الشركة) حسم هذا الجدل وأكد في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، أن عملية طرح أسهم الشركة النفطية العملاقة للاكتتاب العام ستتم في النصف الثاني من 2018، لكن في الأشهر الأخيرة أثيرت شكوك عديدة حول تأجيل الطرح إلى العام القادم، وكان أبرزها ما ذكرته «بلومبرج» في أكتوبر  2017 من أن السعودية تدرس تأجيل طرح أرامكو حتى عام 2019 على الأقل، وهو ما نفته المملكة بشدة حينها.

اقرأ أيضًا: لماذا تفكر السعودية في طرح أرامكو للاكتتاب العام؟

لكن هذه الشكوك أكدها ولي العهد السعودي -الذي يعد صاحب القرار النهائي بخصوص موقع الطرح وتوقيته كذلك- خلال حديثه لوكالة «رويترز» نهاية الشهر الماضي، إذ قال إن الطرح ربما يتم في نهاية 2018 أو أوائل 2019 بناء على الأوضاع في سوق المال، بينما رجحت «فايننشال تايمز» أن يتم تأجيل الطرح حتى 2019، فهل يكون هذا التأجيل فقط بسبب المخاوف الناجمة عن قانون «جاستا»؟

‏في الواقع، ربما لا يكون التأجيل بسبب المخاوف من القانون فقط، ولكن  التوترات الاقتصادية التي يمر بها العالم في الفترة الحالية خاصة فيما يخص المناوشات الأمريكية الصينية وتوقعات اشتعال حرب تجارية قد لا تجعل الوقت الحالي هو الوقت الأنسب للطرح، بالإضافة أن أسعار النفط تواصل التذبذب منذ بداية 2018، فبعد أن اخترقت حاجز 70 دولارًا للبرميل لأول مرة منذ أواخر 2014 في 11 يناير الماضي، تواصل الأسعار التأرجح وهو ما يجعل تحديد القيمة السوقية للشركة مصدر قلق، إذ من الممكن أن تتراجع القيمة عن مستوى تريليوني دولار بحسب تقديرات محمد بن سلمان.

لكن يبقى السؤال: ما سعر النفط الذي تريد المملكة الوصول إليه؟ ومتى يمكن أن نصل إلى هذا السعر؟، والإجابة لا زالت حتى الآن مجهولة، خاصة إذا نظرنا إلى الأمر من جانب أسعار عقود النفط الآجلة، فالقلق بشأن الأسعار في الأجل الطويل هو أكثر من يثير مخاوف المملكة وهو ما يبرر مساعي ولي العهد للوصول إلى اتفاق طويل الأجل مع روسيا كما ذكرنا، عموما تبقى الحقيقة المؤكدة أن تحديد القيمة السوقية للشركة هو التحدي الأصعب في هذا المشوار وخاصة أن التقديرات متباعدة كثيرًا والبيانات المؤكدة حول أصول أرامكو ما زالت غير معروفة.

على الجانب الآخر يبقى سوقا لندن ونيويورك أهم المرشحين للحصول على هذا الاكتتاب، فما بين الترحيب الكبير من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن يتم الطرح في بورصة نيويورك، وتغيير بعض اللوائح المقررة للشركات المساهمة في سوق لندن حتى يتلاءم مع اكتتاب أرامكو، لا زالت خيارات المملكة مفتوحة بين أن يتم الطرح في أسواق عالمية (لندن – نيويورك – هونغ كونغ) أو أن يتم في سوق الأسهم السعودية (تداول)، وأما أن يتم البيع دون طرح الأسهم للاكتتاب، كأن يتم البيع للصين مثلًا.

ومؤخرًا كان ينظر إلى زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى لندن ثم إلى الولايات المتحدة منذ بداية مارس الماضي باعتبارها ستساهم في اتخاذ قرار نهائي بخصوص عملية الإدراج، إلا أن المخاوف القانونية وتضارب توصيات المستشارين المختلفين كلها عوامل تسببت في تأخير القرار حتى الآن، إلا أن مصادر تحدثت لوكالة «رويترز» تؤكد أن ولي العهد يفضل أن تكون نيويورك السوق الرئيسية للإدراج الخارجي لأرامكو لأسباب سياسية.

هل  تكون البورصة المحلية الخيار الأفضل لطرح أرامكو؟

في ظل المخاطر القضائية التي قد تواجه أرامكو في حال تم طرحها في الأسواق العالمية، يبرز سوق الأسهم السعودية (تداول) كأحد أهم الخيارات، أولًا بسبب القبول الشعبي لذلك الأمر،  إذ لن يشعر السعوديين أن جزءًا من أرامكو لم يعد ملكهم لسيطرة المملكة على السوق، خاصة أن خطة طرح أرامكو أثارت بعض المخاوف الشعبية من أن تتخلى السعودية بذلك عن جوهرة تاجها للأجانب بسعر زهيد، ثانيًا بسبب ما سيضيفه هذا الاكتتاب من قوة لسوق الأسهم المحلية، كما قد تلجأ البلاد لإدراج الأسهم في البورصة السعودية بالإضافة إلى أسواق أخرى خارجية وذلك لتخفيف الضغط على السوق السعودية.

وتقول «وول ستريت جورنال» إن السعودية قد تراجعت عن طرح شركة أرامكو النفطية في أسواق المال العالمية، وستكتفي بالطرح المحلي فقط وذلك خلال العام المقبل، وذلك بحسب تصريحات نسبتها إلى مسؤولين حكوميين بالسعودية، موضحة أن هناك قناعة سعودية الآن أن مخاطر «جاستا» باتت عقبة لا يمكن تجاوزها، إلا أن المملكة نفت هذا الأمر لاحقًا.

من ناحية أخرى ومما يعزز جاذبية السوق المحلي، ففي 28 مارس قالت شركة «فوتسي راسل» لمؤشرات الأسواق إن البورصة السعودية ستنضم إلى مؤشرها للأسواق الناشئة اعتبارًا من مارس 2019، وهي الخطوة التي انتظرها السوق السعودي كثيرًا ومن المتوقع أن تجتذب استثمارات محافظ أجنبية جديدة بمليارات الدولارات للمملكة، إذ يحدد الكثير من صناديق الأسهم في العالم اتجاهاته بناء على المؤشر، وهو ما يوضح أن السوق السعودي سيشهد انتعاشة قد تدفع البلاد إلى طرح أرامكو بها.

ويعتبر مارك ميكبيس (الرئيس التنفيذي لفوتسي) أن ضم السعودية إلى مؤشر فوتسي هو أكبر حدث في الأسواق الناشئة منذ 2001، إلا إنه كشف أن السوق السعودية ستدخل المؤشر على عدة مراحل تبدأ في مارس 2019، وتنتهي في ديسمبر من العام ذاته، متوقعًا أن يكون وزن المملكة على المؤشر 2.7%، وقد يرتفع إلى نحو 4.6% بفضل طرح أرامكو.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد