نشرت وكالة الأنباء السعودية، أمس الأول، الاثنين، 26 سبتمبر (أيلول) الجاري، أربعة أوامر ملكية؛ لتصدر على إثرها العديد من القرارات لمجلس الوزراء السعودي، التي تحتوي جميعها على حزمة من الإجراءات التقشفية التي تهدف إلى خفض الإنفاق الحكومي في المملكة السعودية.

وجاء ذلك تماشيًا مع التوجه السعودي الجديد في إدارة اقتصاد أكثر تنوعًا، يمكنه مواجهه التحديات والضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد السعودي، وعلى رأسها انخفاض أسعار النفط لأكثر من النصف منذ عامين.

ويواجه الاقتصاد السعودي، أخطار جدية تلوح في الأفق؛ ما دفعها إلى إتخاذ العديد من الإجراءات في الفترة الماضية والحالية، وتعمل على تطبيق أخرى في المستقبل.

وتتضمن هذه الأوامر، التي تعتبر الأولى من نوعها التي يتم تطبيقها في المملكة:

أولاً: عدم منح العلاوة السنوية في العام الهجري 1438 هـ، ويبدأ العام الهجري في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2016 إلى سبتمبر (أيلول) 2017.

ويجري تطبيق وقف العلاوة السنوية على كل العاملين بالقطاع الحكومي من السعوديين، وكذلك الوافدين، والعاملين بالقطاع العسكري.

إلا إن هناك استثناء ورد في هذا الأمر، وهو عدم تطبيق هذا الأمر على العسكريين المشاركين فعليًا في الأعمال العسكرية في الحد الجنوبي للمملكة، والمشاركين في العمليات العسكرية والاستخباراتية والأمنية خارج الوطن.

ثانيًا: تعديل وإلغاء وإيقاف بعض العلاوات والبدلات والمكافآت والمزايا المالية، مثل:

1- خفض الحد الأعلى لبدل ساعات العمل الإضافي إلى 25% من الراتب الأساسي في الأيام العادية، وإلى 50% في أيام العطلات الرسمية والأعياد.

كما سوف يتم خفض إجمالي فترات الانتداب لموظفي الدولة؛ ليصبح 30 يومًا فقط في السنة المالية الواحدة، مع وقف صرف بدل الانتقال الشهري للموظف خلال فترة الإجازة.

2- خفض مكافأة عضو مجلس الشوري 15%، وخفض الإعانة السنوية التي تصرف لأعضاء المجلس لأغراض السكن بنسبة 15%.

3- خفض المبلغ الذي يصرف لكل عضو من أعضاء المجلس عن قيمة السيارة، وما تتطلبه من قيادة وصيانة خلال فترة العضوية التي تبلغ أربعة سنوات، وذلك بنسبة 15%.

4- خفض عدد من المكآفات والمزايا لجميع العاملين بالقطاع الحكومي من السعوديين وغير السعوديين.

ثالثًا: خفض راتب الوزير ومن في مرتبته بنسبة 20%.

وسوف يتم العمل بهذه القرارات بداية من العام الهجري الجديد الذي يبدأ في أكتوبر (تشرين الأول) القادم.

وسوف يتم العمل بهذه القرارات بداية من العام الهجري الجديد

وفي تعليقه على هذه الإجراءات، قال الاقتصادي السعودي «فضل البوعينين» لوكالة رويترز: «بند الرواتب والأجور أكثر البنود تضخمًا في الموازنة؛ حيث يستأثر بالجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي، وأصبح يشكل ضغطًا مع انخفاض الدخل؛ وبالتالي كان ضمن خطط ضبط الإنفاق وإعادة الهيكلة».

وأضاف البوعينين «بشكل عام أعتقد أن إعادة الهيكلة والتعايش مع المتغيرات الاقتصادية الطارئة وانخفاض الدخل يتطلب مراجعة شاملة للنفقات الحكومية، وبما يساعد على خفض الأعباء المالية الثابتة».

وتهاوت أسعار النفط منذ عام 2014 بعد أن وصلت إلى 108 دولارًا للبرميل في يونيو (حزيران) 2014، لتنخفض بعدها حتى الآن عند مستويات تتأرجح بين 30، و50 دولارًا للبرميل، وهو ما يمثل انخفاضًا يتجاوز الـ 50% من أسعاره في العام 2014. كما وصل إلى أسعار متدنية خلال عام 2016 لم يصل إليها منذ 11 عامًا. وأثر انخفاض أسعار النفط بشدة على الموازنة العامة السعودية، خلال عامي 2014، و2015.

تراجع في المؤشرات الاقتصادية الكلية

ووفقًا للنتائج المالية لموازنة العام المالي الحالي في السعودية، والتي سوف تنتهي خلال أيام، فإن الإيرادات العامة بلغت 608 مليار ريال سعودي، بانخفاض قدره 15% عن ما تم تقديره في الميزانية.

وتبلغ الإيرادات البترولية من إجمالي الإيرادات العامة 73% أي حوالي 444 مليار ريال، بانخفاض نسبته 23% عن ما تم تقديره في العام المالي السابق 2014. ويأتي هذا الانخفاض كنتيجة طبيعية لتهاوي أسعار النفط خلال الفترة الماضية.

وحققت المصروفات العامة خلال الموازنة الحالية التي سوف تنتهي بعد أيام قلائل 975 مليار ريال، بزيادة قدرها 13% أي 115 مليار ريال عما تم تقديره من قبل.

وبالتالي تحقق الموازنة الحالية عجزًا متوقعًا قدره حوالي 367 مليار ريال، أي بنسبة تجاوز 50% من الإيرادات العامة، وهو عجز ضخم لم تصل إليه الموازنة من قبل.

وتجدر الإشارة إلى أن الموازنة العامة للسعودية لم تقق عجزًا في آخر 16 عامًا سوى خمسة مرات فقط، كان آخرها العام المالي الحالي، ومن قبلها في العام 2001، 2002، 2009، 2014.

وعن تمويل العجز المتوقع في الميزانية العامة 2016، جاء في بيان وزارة المالية السعودية، إنه سوف يتم تمويل العجز وفق خطة تراعي أفضل خيارات التمويل المتاحة، ومن ذلك الاقتراض المحلي والخارجي، وبما لا يؤثر سلبًا على السيولة لدى القطاع المصرفي المحلي لضمان نمو تمويل أنشطة القطاع الخاص.

وجاءت الزيادة بشكل رئيس في المصروفات، نتيجة صرف رواتب إضافية لموظفي الدولة السعوديين المدنيين، والعسكريين، والمستفيدين من الصمان الاجتماعي، والمتقاعدين، حيث تمثل هذه المصروفات 77% من حجم الزيادة في المصروفات. بينما جاءت النسبة المتبقية في الزيادة بسبب صرف مبالغ على المشاريع الأمنية والعسكرية 17%، والباقي تم صرفه على مشاريع ونفقات أخرى متنوعة.

ويبدو أن الأوامر الملكية الصادرة بالأمس، جاءت تداركًا للزيادات الأخيرة التي تم منحها في الرواتب خلال العام المالي الحالي.

كما ارتفع الدين العام السعودي في الموازنة الحالية، حيث يمثل 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي. في حين بلغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي للعام المالي السابق 2014، وبالتالي بلغ الارتفاع في حجم الدين العام حوالي 3.8%.

وتبلغ المصروفات المتعلقة بالرواتب والأجور والبدلات وما في حكمها 450 مليار ريال في الموازنة الحالية، وبالتالي تزيد هذه المصروفات عن 50% من إجمالي المصروفات العامة. وشكلت البدلات لوحدها حوالي 30% من إجمالي دخول الموظفين العاملين بالقطاع الحكومي.

من أجل ذلك صدرت الأوامر الملكية بالأمس، وذلك للحد من تنامي هذه المصروفات، وتنفيذًا للإصلاحات الاقتصادية والمالية والهيكلية الشاملة، وتقوية وضع المالية العامة في المملكة.

وتبلغ المصروفات المتعلقة بالرواتب والأجور والبدلات وما في حكمها 450 مليار ريال في الموازنة الحالية

وعلى صعيد الناتج المحلي الإجمالي للعام المالي الحالي 2015، فإنه وفقًا لتقديرات الهيئة العامة للإحصاء يبلغ 2 تريليون و450 مليار ريال، بانخفاض نسبته 13.3% عن العام المالي السابق 2014.

ولكن الخبر الجيد هو نمو الناتج المحلي للقطاع غير النفطي بشقيه الحكومي والخاص بنسبة 8.3% هذا العام، وهو ما تعمل عليه الممكلة خلال الفترة الحالية.

أما بالنسبة إلى وضع ميزان المدفوعات السعودي؛ فإنه وفقاً لتقديرات مؤسسة النقد العربي السعودي «البنك المركزي السعودي»، فإنه من االمتوقع أن تبلغ الصادرات السلعية خلال العام المالي الحالي 767.2 مليار ريال، بانخفاض نسبته 40.2% عن العام المالي السابق.

ولم تنجح المملكة السعودية في تعزيز الصادرات غير النفطية خلال العام المالي الحالي، بل على العكس من ذلك، فقد انخفضت بنسبه 18.8% عن العام المالي السابق. وتجدر الإشارة إلى أنّ نسبة الصادرات السلعية غير البترولية 22.2% فقط من إجمالي الصادرات السلعية.

وعن الواردات السلعية فإنها تبلغ 531.9 مليار ريال خلال العام المالي الحالي، ما يعني إن المملكة نجحت في تخفيض هذه الواردات بنسبة 10.5% عن العام السابق، ويأتي ذلك في إطار استراتيجيتها في تقليل الاعتماد على الخارج في الاستهلاك المحلي.

ومن المتوقع أن يحقق الحساب الجاري لميزان المدفوعات عجزًا مقداره 155 مليار ريال العام الحالي، مقارنة بفائض قدره 288 مليار ريال العام الماضي 2014.

وعن تأثير الأوامر الملكية الصادرة بالأمس، قال الكاتب الصحافي السعودي المقرب من دوائر صنع القرار، جمال خاشقجي، لوكالة «رويترز»، إن الأوامر الملكية تأتي ضمن الإجراءات الاقتصادية الهادفة لموازنة النفقات. أما عن الفعل الشعبية أضاف «بالطبع لن تلقى ترحيبًا من الناس، لكنها علامة على الواقع الحالي».

وتابع خاشقجي «من المرجح أن يتأثر المدرسون والكثيرون غيرهم بهذه القرارات. إنها توضح أهمية تنويع موارد الاقتصاد».

إجراءات أخرى لتخفيض عجز الموازنة

وفي إطار خطة الإصلاح الاقتصادي التي تعتمدها المملكة في المرحلة الحالية، والتي من أهدافها خفض عجز الموازنة الكبير والسابق الإشارة إليه. فقد جاء من ضمن الأهداف التي تعمل عليها المملكة في الموازنة العامة القادمة 2016؛ مراجعة وتقييم الدعم الحكومي، ويشمل ذلك تعديل منظومة دعم البترولية، والمياه، والكهرباء وإعادة تسعيرها. على أن يراعي فيه التدرج في التنفيذ خلال الخمسة أعوام المقبلة.

وفي غضون ذلك، فقد قررت الحكومة السعودية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي رفع أسعار «البنزين 91»من 0.45 ريال للتر إلى 0.75 ريال للتر، بزيادة نسبتها 66%، وزيادة سعر «البنزين 95» من 0.60 ريال للتر إلى 0.90 ريال للتر، بزيادة قدرها 50%.

رؤية 2030

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت السعودية ملامح خطة كبيرة للإصلاح الاقتصادي والتنمية، تحت عنوان «رؤية 2030»، وذلك من أجل النهوض باقتصاد المملكة، وجذب تدفقات استثمارية للقطاع الخاص، بالإضافة إلى خصخصة أصول حكومية، وعلى رأسها طرح جزء من شركة النفط الوطنية العملاقة «أرامكو» للاكتتاب العام في البورصة. كما يأتي خفض الإنفاق الحكومي ضمن هذه الخطة.

الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي

ومن بين ما جاء في هذه الرؤية؛ هو التحرر من النفط، حيث قال ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إنه يرى أن المملكة تستطيع «العيش بدون نفط» بحلول عام 2020.

وتهدف الخطة إلى زيادة الإيرادات غير النفطية ستة أضعاف من نحو 43.5 مليار دولار سنويًا إلى 267 مليار دولار سنويًا. كما تهدف إلى زيادة حصة الصادرات غير النفطية من 16% من الناتج المحلي حاليًا إلى 50%.

كما أكد ولي ولي العهد السعودي، إن المملكة تستطيع تطبيق هذه الخطة الاقتصادية حتى في حالة ما إذا كان سعر النفط 30 دولارًا أو أقل من ذلك.

عرض التعليقات
تحميل المزيد