بعد مواجهات استمرت ثلاثة أيام في أغسطس (آب) الجاري، سقطت مدينة عدن من أيدي ألوية الحرس الرئاسي التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية المدعومة من التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية في اليمن.

استولت على عدن وقصر معاشيق الرئاسي بها ما يعرف بـ«قوّات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي المُؤقّت» المدعومة إماراتيًا. والآن وبرغم الحديث عن تراجع انتشار هذه القوات، يستمر الانفصاليون بتمسكهم بإدارة مدينة عدن، بل والتلويح بالتمدد إلى محافظات جنوبية أخرى، فيما تظهر السعودية التي يُشاع أنها تعرضت في اليمن لخذلان إماراتي متواطئة مع أبو ظبي، توافق تحركاتها التي تهدف إلى إضعاف اليمن وتمزيقه.

السعودية لم تتوقف عن خذلان «الشرعية اليمنية» منذ 2014

سيطرت الحركة الحوثية على العاصمة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) بسهولة، ويرجح أن سبب هذا الاستيلاء السريع أيضًا هو أن الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي عقد صفقة مع الحوثيين سهلت عملية سقوط العاصمة.

رئيس الوزراء اليمني خالد بهاء في قاعدة عسكرية للتحالف الذي تقوده السعودية في مدينة عدن الجنوبية

لكن ما الذي دفع هادي لذلك؟ إنها رغبته وحلفاؤه في تقليم أظافر وإزاحة «حزب التجمع اليمني للإصلاح»، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، من المشهد السياسي لتحقيق مآرب سياسية. عن ذلك يقول المتحدث باسم الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، ياسر اليماني أنه: «تم تطويع هادي لتنفيذ الأوامر بقصد القضاء على حزب سياسي، ففي حين ساهم المؤتمر الشعبي العام (الذي كان يرأسه صالح) بدرجة أساسية في سقوط العاصمة، ساهمت السعودية والإمارات، في وصول الحوثيين إلى صنعاء الإمارات بذريعة إسقاط حزب التجمع اليمني للإصلاح».

ويضيف اليماني لوكالة «سبوتنيك» الروسية في شهادته التي نشرت سبتمبر 2018، «السعودية والإمارات هم من فرضوا على الرئيس صالح أن يكون داعمًا للميليشيات الحوثية عن طريق الحرس الجمهوري وقيادات المؤتمر، بأوامر إماراتية بحتة».

في المحصلة، سقطت العاصمة ومضى الحوثيون يتمددون في الأراضي اليمنية، بمساعدة حليفهم الرئيس المخلوع صالح، حتى أعلنت السعودية عمليتها العسكرية «عاصفة الحزم» ودخلت اليمن بحجة طرد الحوثيين من المناطق التي سيطروا عليها، ولإعادة الحكومة الشرعية إلى صنعاء، وذلك في مارس (آذار) 2015.

بيد أن مقتل صالح في ديسمبر (كانون الأول) 2017 قبل أن تستفيد السعودية من عودته إلى حضنها بعد أن ساءت العلاقة بينهما إبان تحالفه مع الحوثيين؛ ترك تأثيرًا قويًا على عمليات التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، وهو ما دفع التحالف –كما كشفت عدة مصادر- إلى عقد اتفاقات سرية مع «تنظيم القاعدة» في اليمن، بل ودفع أموالًا للتنظيم مقابل انسحاب مقاتليه من بعض المناطق اليمنية، كما زود التحالف مقاتلي التنظيم وميليشيات سلفية متشددة بأسلحة أمريكية الصنع.

وبرغم أن السعودية والإمارات اضطرتا بعد وفاة صالح للتحالف مع «الإصلاح اليمني» لدوره الهام في حربها ضد الحوثيين، إلا أنه بشكل أو آخر أثبتت العديد من المواقف أن الرياض لم تخالف القناعة الإماراتية بأن الجيش اليمني الذي يدعم جنوده في الغالب «حزب الإصلاح» يجب ألا يُوثق به، لذا تم تجاهل مدّ هذا الجيش بالمعدات الثقيلة التي طلبها لمواجهة الحوثيين.

حتى أن إغفال التحالف دعم الجيش الوطني في معارك الضالع وإب وعدم دعمها بالسلاح الكافي كان أحد أهم الأسباب في سقوطها أمام الحوثيين. وقد تسببت سياسة التحالف في بناء جيش هش في جبهات خطيرة، بل إن التحالف نفسه قام بهجمات يصفها اليمنيون المعارضين له بأنها «هجمات جوية تأديبية» استهدفت منع تقدم هذا الجيش في بعض المناطق، وذلك مثل مجزرة «معسكر العبر» في محافظة حضرموت، التي استهدفت خيرة ضباط يمنيين كانوا يتدارسون آلية تأسيس جيش وطني حقيقي بعد اندلاع عملية «عاصفة الحزم».

وبقي العديد من اليمنيين يعتقد أن كلا من السعودية والإمارات يؤدون أدوار متناقضة ظاهريًا لكنها تهدف في المحصلة لإضعاف السلطة الشرعية في اليمن، إذ تعمد التحالف إنهاك أبرز حلفاء السلطة الشرعية، وهو «حزب الإصلاح»، فالسعودية تدعم الحزب ضد الحوثيين، والإمارات التي لم تكف عن اغتيال قادة الحزب تدعم المليشيات الانفصالية في الجنوب ضد الحزب. وفيما تريد الإمارات الاستيلاء على الجزر والموانئ في الجنوب، تريد السعودية السيطرة على مناطق في الشمال والشرق.

رغم العداء «الظاهر» بينهما.. كيف تتناغم سياسة الإمارات مع مصالح الحوثيين في اليمن؟

الانقلاب في عدن.. دلائل استبعاد الخلاف السعودي الإماراتي

في يوليو (تموز) الماضي، اتضح وجود قرار إماراتي بالانسحاب الجزئي من اليمن أو كما أسماه الإماراتيون «انتقال من استراتيجية القوة العسكرية إلى استراتيجية السلام أولًا»، وكان من المؤكد أن أبو ظبي لم تكن لتقدم على هذا الانسحاب قبل أن تثق بقوة الميليشيات اليمنية التي دعمتها في الإبقاء على النفوذ الإماراتي في الكثير من مناطق الجنوب، وخاصة في الموانئ والجزر والثغور ذات الأهمية الاستراتيجية.

مؤيدو يمنيون للحركة الانفصالية الجنوبية في مدينة عدن الساحلية اليمنية

لذا قال مسؤول إماراتي لوكالة أنباء «رويترز»: «لا يعترينا أي قلق بشأن حدوث فراغ في اليمن لأننا دربنا 90 ألف جندي يمني في المجمل، هذا أحد نجاحاتنا الكبيرة في اليمن»، وبناء على ما سبق كان واحد من أقوى الدوافع التي قُرئت في قرار الانسحاب الإماراتي من اليمن، هي محاولة الإمارات التبرؤ من خطوات عملية بعد إعلان الانسحاب الإماراتي لتحقيق الانفصال اليمني، وقد تحقق ذلك بالفعل في 10 أغسطس الحالي حين سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًّا والذي يدعو إلى انفصال الجنوب، على عدن العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية، المدعومة من التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية في اليمن.

وفيما حملت حكومة هادي الإمارات مسئولية استيلاء الانفصاليين على القصر الرئاسي في عدن، وطالبت أبو ظبي بوقف دعمها المادي والعسكري فورًا للانفصاليين في الجنوب، سارع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد للذهاب إلى السعودية بعد ساعات من سقوط عدن، فاستقبله نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان في المطار الدولي في جدة، وهو الاستقبال الذي حمل رسالة سياسية ودبلوماسية على وقع ما يجري في جنوب اليمن.

ليأخذ اليمنيين بحشد أدلة تنفي فرضية وجود خلاف سعودي إماراتي على ما يحدث في عدن، وفيما تزامنت أحداث عدن مع موسم الحج الذي منحت فيه السعودية الحجاج اليمنيين بطاقات تعريفية صنفتهم بين الجنوب والشمال، برزت موجة إعلامية سعودية -غير عفوية- تجاه تقسيم اليمن، منها ما نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية تحت عنوان «قد يكون الحل في اليمن: يمنين».

وجاء في هذا المقال: «بعد السنوات الخمس الأخيرة العجاف.. هل أصبح سيناريو عودة اليمنين؛ واحد في الشمال وآخر في الجنوب، أحد السيناريوهات المقبولة والمحتملة إنسانيًا للخروج من مأزق الحرب الضروس؟»، ويقترح الكاتب الذي حذر من نشوء يمن جنوبي ضعيف: «نشوء دولة حقيقية وحديثة في اليمن الجنوبي تكون قادرة على بسط نفوذها على كل الداخل الجنوبي، وقادرة على تأمين البحر الأحمر ومضيق باب المندب، كما تكون قادرة على مواجهة التطرف المتمثل في القاعدة وداعش».

فيما غرد الكاتب السعودي تركي الحمد مؤيدًا انفصال شمال اليمن عن جنوبه بالقول: «ما أراه أن أهل الجنوب العربي بلغ بهم السيل الزبى، فلا رابط يربطهم بالشمال اليمني، لا ثقافيًا وبالذات الثقافة السياسية، أنا شخصيًا مؤيد لعودة الأمور كما كانت قبل 1990، فالوحدة الحالية هشة وغير قابلة للحياة، ولكن التوقيت الحالي غير مناسب للمطالبة بما هو حق».

المواقف السعودية السابقة جعلت اليمنيين يتحدثون عن أن السيطرة على مدينة عدن تكشف عن خذلان سعودي للشرعية اليمنية، إذ إن الرياض وعدت الرئيس هادي بالمساندة والتدخل لوقف أعمال المتمردين، ولكنها لم تفعل، كما أن القوة العسكرية السعودية أسفل قصر الرئاسة في عدن «ظلت متفرجة وفق ما طُلب منها» كما تقول المصادر اليمنية.

بل يذهب بعض اليمنيين إلى أن السعودية لم تكن غافلة عن المشروع الإماراتي في خاصرتها الجنوبية، فالرياض تريد يمنًا منقسمًا ضعيفًا لا يستغني عنها، وهي تحارب وجود حكومة شرعية قوية، وتقوم على مشروع تمزيق اليمن وإغراقه في دائرة الفوضى.

هل غيرت السعودية سياستها في اليمن؟

بعد خمس سنوات من المشاركة في الحرب اليمنية، بدا واضحًا أن التدخل السعودي في اليمن أصبح ورطة كبرى واستنزافًا مستمرًا للرياض، خاصة أن بداية عام 2019 شهدت تغيرات واضحة في معادلة الحرب، فقد أصبح بمقدور الحوثيين تجاوز الدفاعات الجوية السعودية وإصابة أهدافها.

أحد أفراد القوات السعودية في مدينة عدن

الوضع السابق دفع السعودية التي تعنى لآخر نفس بالحفاظ على مكتسباتها في اليمن، للبحث في صفقة مع الحوثيين بشأن إنهاء الحرب، خاصة بعد التقارب الإماراتي الحوثي الذي شكل ضغطًا على السعودية، ففي السادس من الشهر الجاري، قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية أن السعودية تدرس مقترحات لإجراء محادثات مباشرة مع الحوثيين، ونقلت الصحفية عن مسؤول سعودي للصحيفة قوله إن «المملكة لا تريد أن تجر إلى حرب طويلة في اليمن، لكنها بالمقابل لا تريد أن تبدو ضعيفة أو أنها تضررت في هذا الملف، خاصة مع التوتر الحاصل في المنطقة بسبب الأزمة مع إيران».

وشددت الصحفية على أن الرياض «تبحث عن حل سياسي لإنهاء الحرب في اليمن، والتي لطخت سمعتها داخل الولايات المتحدة بسبب عدد الضحايا الذين سقطوا في الحرب»، وكانت وكالة «رويترز» قد نشرت في مارس 2018 معلومات عن وجود محادثات سرية بين السعودية وخصومها الحوثيين في محاولة لإنهاء الحرب، وأكدت الوكالة أن تلك المحادثات قد تجاوزت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

يقول الصحفي اليمني عبدالله دوبله أنه لا يمكن الجزم بوجود اتفاق سعودي إماراتي فيما يخص تحركات الانتقالي في عدن، وأيضًا لا يمكن الجزم بوجود خلاف، ويوضح: «السعودية هي من سلمت الجنوب اليمني بشكل رسمي للإمارات، والإمارات شكلت مليشيات على مرأى ومسمع من السعودية، لكن ما حدث في عدن مؤخرًا لا أعتقد أنه تم بموافقة سعودية كون الأمر يحرج السعودية كثيرًا وينتقص أيضًا من شرعية تدخلها في اليمن».

ويتابع دوبله القول لـ«ساسة بوست»: «الأمر معقد، يبدو أن هناك اتفاقًا إلى حد ما بين الإماراتيين والسعوديين، وأيضًا هناك اختلاف أجندة بين الطرفين وهو ما يتضح من خلال التحرك الإماراتي المنفرد في عدن».

وحول احتمالية أن تضحي السعودية بتقسيم اليمن من أجل إنهاء الحرب والخلاص من ورطتها في اليمن، يقول دوبله أن هذا الخيار وارد، إذ يمكن أن تذهب السعودية إلى تقسيم اليمن، لكنه يرى أن مسألة تقسيم اليمن مسألة غير سهلة وغير عادية يتطلب الأمر أولًا الاعتراف من الأمم المتحدة، وثانيًا موافقة الجمهورية اليمنية وهذا مستبعد تمامًا، ويبين الصحفي اليمني: «أقصى ما يمكن أن تفعله السعودية هو وجود جمهورية أشبه بجمهورية صوماليلاند التي لم يعترف بها أحد منذ عام 1990».

وبشأن ردة الفعل السعودية تجاه ما حدث في اليمن يقول دوبله أن: «موقف السعودية موقف سيئ، واليمنيون فقدوا الثقة فيها، فقد خسرت دعمًا كبيرًا لدى أبناء الشمال، كما أن كل آمال الشرعية اليمنية معلقة على الدور السعودي الذي وعد بإنهاء الأمور في عدن».

«ميدل إيست آي»: كيف سيستفيد محمد بن سلمان من انسحاب الإمارات من اليمن؟

المصادر

تحميل المزيد