حين نشرت صحيفة «الرياض» فيديو يفيد بأن تركيا ليست آمنة للمواطنين السعوديين «لا للسياحة ولا للاستثمار»، وأعلن مشاري الذيابي، القائم بالأعمال في القنصلية السعودية في إسطنبول، أن عدد السياح السعوديين انخفض بشكل كبير عن العام الماضي؛ ردَّت الكاتبة شيماء نازلي جوربوز، في مقالٍ نشرته جريدة صباح التركية، قائلة: إن «هذه الادعاءات ليست استفزازية فحسب، بل تستند أيضًا إلى الأكاذيب، كما تثبت بيانات وزارة الثقافة والسياحة التركية». 

هذا بينما نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن مصادر «موثوقة» أن 165 جواز سفر سعودي سُرِقَت في ثلاثة مواقع سياحية تركية، وأضاف الذيابي: «حوادث السرقات والنشل ليست على السياح السعوديين فقط، بل نسمع عن سياح عرب تعرضوا أيضًا لمثل هذه الحوادث»؛ وقد استدركت الكاتبة شيماء نازلي قائلة: إن «السعودية تهدف إلى خلق صدع بين الشعبين التركي والسعودي استنادًا إلى مزاعم لا أساس لها من الصحة».

وفي حين حذرت السفارة السعودية لدى تركيا مواطنيها من «عصابات تركية تستهدف السائح السعودي، بسرقة جوازات السفر والأموال»؛ استنادًا إلى ما رصدته من «تعرُّض بعض المواطنين والمواطنات لعمليات نشل وسرقة لجوازات سفرهم ومبالغ مالية في بعض المناطق التركية من قِبل أشخاص مجهولين»، أكدت شرطة السياحة التركية لـ«اـندبندنت العربية» أنها لم تتلقَّ أي بلاغ بهذا الخصوص. 

وفي مقابل التأكيدات السعودية على أن انخفاض أعداد السياح الذين يزورون تركيا لا يقتصر على المملكة بل يشمل دولا عربية وأجنبية أخرى، أظهرت بيانات وزارة الثقافة والسياحة التركية لعام 2018، أن عدد السياح الذين زاروا تركيا من دولة الإمارات العربية المتحدة بلغ 43،292 شخصًا في عام 2018، مقارنة بـ6.717 فقط في عام 2003. 

وخلال الشهرين الأولين فقط من عام 2019، كان عدد السائحين القادمين من الإمارات 1400، ما يمثل زيادة نسبتها 1.9% مقارنة ببيانات العام السابق. كما سجلت قطر اتجاهًا مماثلًا، حيث زاد عدد سياحها الذين يزورون تركيا بشكل كبير بين عامي 2003 و2019، من 1.210 إلى 96.327.

بينهما «شعرة معاوية».. لماذا تحرص السعودية على «وصل» تركيا مهما حدث؟

 

قمة جبل الجليد.. محاولة الإضرار بمكانة تركيا المعنوية

«تشير هذه الأرقام إلى أن هناك زيادة مُطَّرِدَة في تدفق السياح إلى تركيا من الإمارات العربية المتحدة وقطر، على الرغم من الانخفاض الطفيف في بعض السنوات. لكن ماذا عن السياح القادمين من السعودية محل السجال الرسمي والإعلامي بين الرياض وأنقرة؟

لا تختلف المملكة العربية السعودية عن الدولتين المذكورتين أعلاه، حيث ارتفع عدد السياح من 23.676 في عام 2003 إلى 747.233 في عام 2018، وهي زيادة هائلة. وفي الشهرين الأولين من عام 2019، بلغ عدد السياح 20.200 شخصًا، وهو عدد أقل قليلًا من بيانات الفترة ذاتها من العام السابق. ومع ذلك فإن هذا الانخفاض في العدد يتعارض في الواقع مع الاتجاه العام للسياحة في تركيا، حيث ارتفع عدد السياح بشكل عام في هذين الشهرين بنسبة 9.38% مقارنة بذات الفترة من عام 2018.

وقد زار 6.8 مليون سائح من جميع أنحاء العالم تركيا في الربع الأول من عام 2019، وفقا لبيانات الوزارة، 5.4% منهم من الأجانب. وتحتل تركيا المرتبة السادسة في العالم من حيث عدد السياح، وفقًا لبيانات 2018، وهو العام الذي استضافت فيه البلاد ما يقرب من 46 مليون سائح.

وترى الكاتبة شيماء نازلي جوربوز أن «الادعاء الأكبر، وربما الأكثر إثارة للسخرية، في الفيديو، هو الجزء الذي يهدف إلى تخويف السعوديين من خلال التأكيد على أنهم سيُباعون في تركيا لجماعة «داعش» الإرهابية بثمنٍ بخس». وهنا أيضًا ترد الكاتبة بالأرقام، نقلًا عن البيانات الرسمية التي تفيد بـاعتقال حوالي ألفي شخص، وترحيل 7 آلاف آخرين، نتيجة العمليات التي شنتها تركيا ضد «داعش»، إلى جانب منع حوالي 70 ألف شخص من دخول تركيا بسبب الاشتباه في صلتهم بالجماعة الإرهابية.

Embed from Getty Images

أردوغان مع ملك السعودية

وتضيف: «إذا أخذنا كل هذه الأرقام في الاعتبار، يتبين أن مقاطع الفيديو – المتكررة في وسائل الإعلام السعودية والتي تكشف عن المشاعر المعادية لتركيا – ليست حقائق، بل مجرد أدوات سياسية تهدف إلى الإضرار بمكانة تركيا المعنوية، ومحاولة تخويف السعوديين من مواصلة تعزيز علاقاتهم مع أنقرة».  هذا يعني أن التحذيرات السعودية ليست سوى قمة جبل الجليد، وأن وراء الأكمة ما وراءها، كما سيتضح أكثر لاحقًا. 

خطة إستراتيجية لإسقاط تركيا.. إعداد إماراتي وتنفيذ سعودي

في حين قالت تقارير إعلامية إن هذه الحملة السعودية تحظى بدعم أفراد من العائلة المالكة وشخصيات سعودية بارزة، ذكر ديفيد هيرست ورجب سويلو في موقع «ميدل إيست آي» أن المملكة العربية السعودية بدأت منذ مايو (أيار) الماضي في تنفيذ «خطة إستراتيجية» لإسقاط تركيا، استنادًا إلى معلومات استخباراتية مفتوحة المصدر جمعتها الإمارات العربية المتحدة.

كان الهدف من الخطة – حسب التسريبات – هو استخدام جميع الأدوات الممكنة للضغط على حكومة أردوغان وإضعافه وإبقائه مشغولًا بالقضايا الداخلية على أمل أن تسقطه المعارضة، أو أن تبقيه منهمكًا في مواجهة الأزمة تلو الأزمة، ودفعه للانزلاق وارتكاب الأخطاء التي ستلتقطها وسائل الإعلام بالتأكيد.

ووفقًا لذلك ستبدأ المملكة في استهداف الاقتصاد التركي، والضغط نحو الإنهاء التدريجي للاستثمار السعودي في تركيا، والانخفاض التدريجي للسائحين السعوديين الذين يزورون تركيا، بموازاة توفير وجهات بديلة لهم، وتقليل الواردات السعودية من البضائع التركية، والأهم من ذلك تقليص الدور التركي في السؤون الإسلامية الإقليمية.

ظهرت أولى ثمار الحملة السعودية/الإماراتية سريعًا؛ بمنع السلطات السعودية 80 شاحنة تركية تنقل منتجات النسيج والمواد الكيميائية من دخول المملكة عبر ميناء ضبا، إلى جانب احتجاز 300 حاوية تحمل الفواكه والخضروات من تركيا في ميناء جدة، وفقًا لما ذكره مسؤول تركي تحدث إلى «ميدل إيست آي» بشرط عدم الكشف عن هويته.

وانخفض عدد السياح السعوديين الذين يزورون تركيا بنسبة 15% (من 276ألف إلى 234 ألف) في الأشهر الستة الأولى من عام 2019، وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة السياحة التركية. وهو الانخفاض الذي ورد في مقال الكاتبة التركية شيماء نازلي، لكنها قللت من رمزيته وتأثيره الفعليّ بالنظر إلى الزيادة الكلية لتدفق السياح من مختلف دول العالم، والخليج بما في ذلك السعودية.

لا يمكن للسعوديين مقاومة «الغزو الثقافي التركي»

تحت العنوان السابق، نشر موقع «بلومبرج» تقريرًا، مُطَعَّما بصور السياح العرب في تركيا، أعدته دونا أبو نصر حول محاولات تركيا لاكتساب نفوذ أكبر في العالم العربي، وكيف تربح السعوديين من خلال الدراما التلفزيونية والمنتجعات الساحلية.

ونقل التقرير عن سائحة سعودية تدعى نورا (24 سنة) قولها: «أستطيع أن أحظى بأسلوب حياة محافظ على غرار السعودية، لكن في محيط أخضر جميل وبأسعار معقولة… ما الذي لا يثير الإعجاب في تركيا؟».

وبرغم الحرب المكتومة بين أنقرة والرياض منذ مقتل الصحافي جمال خاشجقي، يحرص العديد من السعوديين على متابعة الأعمال الفنية التركية، المحظور بثها على العديد من القنوات السعودية، وتناول المشاوي والمعجنات التي تظهر في مسلسلاتهم المفضلة، وشراء الملابس التركية والشموع المعطرة والسجاد.

كما يواصل المواطنون السعوديون السفر إلى المنتجعات التركية، دون أن يتأثروا بعناوين الصحف الصادرة في بلادهم والتي تحذر من وقوع أشياء مخيفة، بدءًا من الاختطاف وصولًا إلى القتل. ففي مدينة طرابزون الواقعة على ساحل البحر الأسود، رصد تقرير «بلومبرج» عددًا من السعوديين يحتشدون في الساحة الرئيسة، وآخرون يتسوقون البقلاوة والشراب، وامرأة من مدينة جدة تتسوق الماكياج التركي، قائلة: «إنه أرخص بكثير هنا»، وعندما سُئِلَت عن التحذيرات التي تطلقها بلادها، وصفتها بأنها «مجرد تويتر».

يقول كامران بخاري، المدير المؤسس لـ«مركز السياسة العالمية» في واشنطن: «لا يمكنهم إغلاق أجهزة التلفزيون، ووقف الرحلات الجوية، وحظر التبادلات الثقافية»، لافتًا إلى أن تركيا «استطاعت من خلال قوتها الناعمة الثقافية أن تكتسب تدريجيًا نفوذًا متزايدًا في المملكة العربية السعودية والدول العربية الأخرى».

صحيحٌ أن الحملة السعودية المناهضة لتركيا قد حققت بعض النجاحات؛ مثلما أشارت صحيفة «صباح» التركية آنفًا، ويؤكده فولكان كانتارسي، رئيس «رابطة وكالات السفر التركية» في منطقة البحر الأسود، قائلًا: «خلال شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، كان هناك انخفاض كبير في عدد السياح إلى طرابزون، غيرَ أن «تدفق السياح عاود الارتفاع خلال شهر يوليو، بعد عودة السعوديين إلى بلادهم، وتأكيدهم أن تركيا آمنة».

صحيحٌ أيضًا أن جبل الجليد أعمق مما يبدو على السطح، وأن التحذيرات السعودية التي تهدف إلى تخويف السائحين الراغبين في زيارة تركيا إنما تخفي وراءها حربًا على عدة جبهات أخرى، منها ما تحدث عنه وكيل عقاري تركي قائلًا إن هناك انخفاضًا في عدد السعوديين الذين يشترون الشقق في طرابزون هذا العام. ونقل عن شخص سعودي شعوره بالقلق من أن الرياض ستقطع كل علاقاتها مع تركيا، وأنه سيفقد استثماراته.

غير أن المواطن السعودي محمد، وهو مدرس من الرياض، يؤكد -برغم كل هذا اللغط- إنه يعتزم قضاء 48 يومًا في شقة اشتراها قبل ثلاث سنوات في طرابزون، داخل مبنى اشترته ثماني أسر مرتبطة به، لافتًا إلى أن «الرحلات الجوية المباشرة التي أضيفت خلال العامين الماضيين؛ جعلت الرحلات أرخص».

ويضيف: «لستُ نادمًا على استثماري هنا.. تشعر نساء عائلتي بالأمان حين يخرجن، ولا داعي للقلق بشأن تعرضهن للمضايقة بسبب نوعية ملابسهن، ولن يواجهن أي شيء من شأنه أن يحرجهن». ولدى سؤاله عما إذا كان قلقًا بشأن التوتر السياسي بين تركيا والسعودية، أجاب مستهجنًا: «لا توجد دولة في العالم يمكنها أن تعطينا ما تمنحنا إياه تركيا».

تخويف رأس المال السعودي من «مخاطر استثمارية وأمنية»

إذا لم تكن التحذيرات السعودية من مخاطر السرقة والاختطاف والقتل كافية لتخويف السياح السعوديين، فليحاول رئيس مجلس إدارة غرفة الرياض، عجلان العجلان، تحذير المواطنين السعوديين من الاستثمار في تركيا «لما فيها من مخاطر استثمارية وأمنية في الوقت الحالي».

العجلان ذكر في سلسلة تغريدات على «تويتر» أن «المستثمرين السعوديين في تركيا مهددون بخسائر كبيرة بعد التضييق عليهم وتعطيل مصالحهم والضغط عليهم إلى حد الابتزاز في بعض الحالات من قبل جهات متنفذة ومدعومة هناك، ونحن في «#غرفة_الرياض» نحذر من الاستثمار في تركيا في الوقت الحالي».

Embed from Getty Images

وأضاف: «ما يتعرض له السعوديون في تركيا كمستثمرين وسياح سيفقد الثقة بالاستثمار والسياحة التركية لسنوات طويلة قادمة، واليوم المستثمر والسائح السعودي مرحب به في كثير من الدول الشقيقة والصديقة واستقبلنا كثير من الوفود الأجنبية التي زارت غرفة الرياض ولمسنا مدى حرصهم على استقطاب السعوديين». 

ومن المفارقات أن التغريدات التي تهدف إلى الإضرار بتركيا اقتصاديًا، جذبت عددًا من الردود أحدها لسيدة تدعى منيرة عبدالله القاضي، والتي قالت: «لا والله هذا الكلام غير صحيح؛ كل سنه أنا وأسرتي وصديقاتي كلنا نصيف بتركيا، ولم نواجه إلا كل خير وترحاب من الشعب التركي. أما بالنسبة للمستثمرين بالعقار؛ نتابعهم ونتابع أخبارهم، دائمًا يمتدحون تعامل المسئولين الأتراك معهم، وتسهيل معاملاتهم، ويُكَذِّبون تلك الإشاعات المُغرِضَه لتفريق الأمة».

تداعيات «الحرب الباردة» بين السعودية وتركيا على الشرق الأوسط

يصف نادر حبيبي، أستاذ اقتصاديات الشرق الأوسط في جامعة برانديز، العداء بين تركيا والسعودية بأنه «حرب باردة»؛ تشهد تعاون كلا البلدين مع مجموعات وقادة في دول أخرى لمواجهة بعضهما البعض.

وحين سأله الكاتب لورانس جودمان-برانديز في موقع «فيوتشريتي» عن التداعيات المرتقبة لهذه «الحرب الباردة» على منطقة الشرق الأوسط، أشار إلى أن حربًا بالوكالة تدور رحاها بالفعل بين أنقرة والرياض في عدد من النقاط الساخنة مثل: ليبيا، التي شهدت تهديدات متبادلة بين تركيا وحفتر، والسودان حيث تحاول تركيا الحفاظ على نفوذها الذي طورته في عهد البشير بعد صعود القادة العسكريين الجدد الذين يتلقون معاونات كبيرة من السعودية. 

وجذور الأزمة تسبق قضية خاشجقي، فمنذ أزمة قطر، كان هناك انخفاض كبير في حجم التبادل التجاري بين تركيا والسعودية والإمارات، وكذلك انخفاض في استثمار هذين البلدين في تركيا. صحيحٌ أن حرمان تركيا الآن من أي موردٍ اقتصادي يؤثر عليها بشدة، إلا أن الصراع بين الرياض وأنقرة لن يؤثر على تركيا فقط بل سيجعل من الصعب على الجانبين تحقيق أهدافهما الإقليمية.

ففي حين ستحاول السعودية عرقلة الجهود التركية الرامية إلى ممارسة دور قيادي في العالم الإسلامي، أو لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع بقية العالم العربي،  ستواجه الجهود التي تبذلها السعودية لإعادة توحيد دول «مجلس التعاون الخليجي»، وممارسة دورها القيادي في المنطقة، عراقيل بسبب دعم تركيا للدول التي تتحدى المملكة. 

وفي حين يرى نادر حبيبي أن هذا الانقسام سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى «إضعاف الموقف التفاوضي لكلا الجانبين مع إيران وغيرها من المنافسين الإقليميين»، سلط تحليل نشره «ستراتفور» العام الماضي الضوء على المعركة الأكبر بين تركيا والسعودية لكسب «النفوذ في أنحاء العالم السني»، متوقعًا أن «تستمر في المجالات الدينية والسياسية والاقتصادية». وإن كانت «علاقاتهما الدفاعية والاقتصادية المتنامية ببطء، ستخفف من فرص الطلاق البائن بين أنقرة والرياض».

من القاعدة إلى الحوثيين.. كيف حضرت السعودية بالأمس «العفاريت» التي تحاربها اليوم؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد