طبيعة الاقتصاد السعودي “نظرة عامة”

يعد الاقتصاد السعودي اقتصادًا ريعيًا بامتياز، حيث يعتمد بشكل رئيسي على النفط، وتمتلك السعودية ثاني أكبر احتياطي من النفط في العالم بعد فنزويلا، وتبلغ حصتها من الإنتاج العالمي حوالي 13% 1، ويسيطر النفط على أكثر من 90% من الصادرات السعودية.

ويعد أكبر اقتصاد عربي، ويحتل المرتبة رقم 19 عالميًا حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي للمملكة عام 2014 حوالي 746.249 مليار دولار 2. وفي 2014 بلغ إجمالي عدد السكان حوالي 30 مليون نسمة، ونسبة البطالة 5.7%، ومعدل للتضخم بلغ 2.7% 3، وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 32.5 ألف دولار سنويًا في 2013 4.


الاقتصاد الريعي .. «القاتل الصامت»

الاقتصاد الريعي هو الذي يعتمد على مصدر واحد للدخل، وفي الغالب يكون هذا المصدر طبيعيًا أي لا يتطلب عمليات إنتاجية معقدة مثل النفط، بل يتم استخراجه وبيعه فقط، وهذا هو النموذج الريعي الأسوأ على الإطلاق، حيث يتم بيع المصدر في صورة خام دون إدخال قيمة مضافة على هذا المصدر، كدأب الدول النامية دومًا.

وإن كان الاقتصاد السعودي لا ينتهج الصورة السابقة بشكل متطابق، إلا أنه يظل اقتصادًا ريعيًا، وتأتي خطورة هذا الأمر في الآتي:

1- أنه يعتمد اعتمادًا شبه كلي على النفط ومن ثم يكون عرضة لتقلبات الأسعار وللأزمات والاهتزازات في الاقتصاديات التي تستورد النفط، ومن ثم يبقى الوضع الاقتصادي في حالة ضغط باستمرار، ورهن الأحوال الاقتصادية للدول الأخرى، فإذا تحسنت تحسن وإذا حدثت أزمة كان هو في أزمة أيضًا، مثل الوضع الاقتصادي للصين مؤخرًا، حيث تباطأ النمو الاقتصادي إلى حوالي 7.5% في 2014، ومازال التباطؤ والانكماش يسري في شرايين الاقتصاد الصيني حتى هذه اللحظة، بعد أن وصلت معدلات النمو في السنوات الماضية إلى أكثر من 10% 5.


وتعد الصين من أكثر الدول استهلاكًا للنفط في العالم، حيث تلتهم وحدها ثمن الإنتاج العالمي من النفط 6 وهي ثاني أكبر مستورد للنفط من السعودية بعد الولايات المتحدة الأمريكية 7. تراجعت الوارادت الصينية من السعودية نتيجة حالة الركود وتراجع النمو في 2014 بنسبة 15% مقارنة بعام 2013.

وحينما تضرب الأزمات؛ الاقتصاديات الكبرى كالعملاق الصيني، يكون التأثير أشد وأبلغ أثرًا، لأنه يأتي من ناحيتين؛ الأولى، بشكل مباشر عن طريق التعاملات المباشرة بين البلدين. والثانية، بشكل غير مباشر، حيث يخيم الانكماش الصيني على الاقتصاد العالمي ككل ويؤثر في الأسواق بصورة كبيرة، ومن ثم تتأثر الدول التي تتعامل مع السعودية نتيجة تأثرها بالانكماش الصيني أيضًا.


2- وقد تأتي التكنولوجيا لتغير أوراق اللعب كاملة، وتغير ديناميكيات أسواق النفط العالمية بشكل دراماتيكي، فمن كان يتوقع قبل عقدين من الآن أن يتم تطوير وتطويع التكنولوجيا لتخرج لنا النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة، وتطويره ليسجل نموًا إيجابيًا في 2009، ومنذ ذلك الوقت وهو ينمو بشكل متطرد، حيث سجل صعودًا قدره 852 ألف برميل يوميًا في عام 2012، وما يعادل 968 ألف برميل يوميًا في عام 2013، ليقفز في 2014 ليصل إلى 1.246 مليون برميل يوميًا 8، كما أظهرت أحدث التقارير الصادرة من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية EIA أن إنتاج النفط الأمريكي الخام وصل في 12 يونيو 2015 إلى 9.59 ملايين برميل يوميًا 9 . وهو ما يقارب إنتاج السعودية.

ويمكن بسهولة أن نتوقع ما سوف يحدث في المستقبل، من خلال تصريحات وكالة الطاقة الدولية وخبراء الطاقة في العالم والمسئولين الأمريكيين أن الولايات المتحدة سوف تتخطى المملكة العربية السعودية لتصبح أكبر منتج للنفط في العالم في 2017 بفضل النفط الصخري 10.

وما حدث في الولايات المتحدة، من المتوقع في المستقبل القريب أن ينتقل إلى غيرها من الدول التي تمتلك صخورًا تحتوي على ترسبات مادة الكيروجين وهي المكون الأساسي للنفط الصخري وذلك بعد انخفاض تكلفة إنتاج هذا النفط بفضل التكنولوجيا أيضًا، مثل كندا التي بدأت بالفعل في استخراجه.

وتأتي خطورة النفط الصخري من عدة جوانب أهمها

أن الولايات المتحدة هي التي تنتجه، وهي أكبر مستورد للنفط من السعودية، وبالتالي سوف تستعيض مستقبلًا عن هذه الحصة بالكامل بمجرد أن يلبي إنتاج النفط الصخري الكميات التي تقوم باستهلاكها، وهذا الأمر يمكن ملاحظته بسهولة الفترة الماضية، حيث انخفضت واردات الولايات المتحدة من السعودية في 2014 بنسبة 18.4% مقارنة ب 2013. 11

كما تأتي خطورته أيضًا في المرحلة التالية لما سبق وهي المنافسة، حيث من المتوقع أن تصبح الولايات المتحدة من المصدرين للنفط، ومن ثم حدوث زيادة في المعروض النفطي في الأسواق واستعداد كبير لتلبية الطلب، وبالتالي يحدث انخفاض في الأسعار.


المؤشرات السعودية الضعيفة

وعلى إثر التراجع في أداء الاقتصاد العالمي، وطفرة النفط الصخري؛ جاءت أغلب المؤشرات الاقتصادية السعودية بنتائج سلبية، كما يتوقع صندوق النقد الدولي تراجعًا في كافة مؤشرات الاقتصاد السعودي خلال عامي 2015/2016، كما جاء في تقريره حول أداء الاقتصاد السعودي.

عجز بالموزانة واقتراض لأول مرة منذ 2007

ونتيجة لانخفاض الطلب العالمي على النفط، وتخمة الأسواق بالإنتاج، تراجعت أسعار النفط إلى مستويات متدنية، وبالتالي انخفضت قيمة الصادرات السعودية، ومن ثم تراجعت الإيرادات في موازنة 2015 والتي كانت النفقات فيها هي الأضخم بسبب الإنفاق على مشاريع البنية التحتية الضخمة، وارتفاع الأجور في القطاع العام، والإنفاق على التسليح حيث تعد السعودية هي ثالث أكبر دولة إنفاقًا عسكريًا على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة والصين 12.

ونتيجة لتراجع الإيرادات وزيادة النفقات حدث عجز في الموازنة يُقدر بحوالي 39 مليار دولار، ويعتبر هو العجز الأول منذ عام 2009، كما يتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل عجز الموازنة إلى 19.5% من الناتج المحلي الإجمالي 13

ولتمويل وسد هذا العجز، هناك طريقين: إما الاقتراض، وإما السحب من الاحتياطيات النقدية، فسلك المسؤولون السعوديون الطريقين معًا:

1- فقد باعت وزارة المالية السعودية سندات تنمية حكومية بقيمة 4 مليار دولار تقريبًا في يونيو الماضي، ثم طرحت سندات أخرى بقيمة 5.3 مليار دولار في أغسطس، كما تنوي الوزارة طرح سندات بآجال وأحجام مختلفة الفترة القادمة 14.

2- كما قامت الحكومة السعودية بسحب 65 مليار دولار من الاحتياطيات النقدية للدولة خلال الستة أشهر الأولى من 2015 15. وبالتالي بلغ معدل التراجع في حجم هذه الاحتياطيات 9%.

تراجع الصادرات السعودية

كنتيجة طبيعية لتراجع أسعار النفط، تراجعت قيمة الصادرات السعودية التي يمثل النفط حوالي 90% منها إلى مستوى منخفض، فقد تراجعت الصادارت من عام 2013 إلى عام 2014 لتبلغ 125.9 مليار ريال سعودي أي بنسبة 8.9% 16. ويتوقع صندوق النقد الدولي مزيدًا من التراجع ليصل بنهاية عام 2015 إلى نسبة 31% من قيمة الصادرات في 2014.

عجز الميزان التجاري

حقق الميزان التجاري فائضًا في 2014 أقل من الفائض المحقق في 2013 بنسبة 18.9% 17 مما يعني تراجع معدل الفائض وهو من المؤشرات السلبية التي تدل على ضعف الأداء الاقتصادي خصوصًا إذا وصلت النسبة إلى هذا الحجم الكبير.

وما يدعو للقلق بحق هو توقعات صندوق النقد الدولي بأن هذا الفائض في 2014 سوف يتحول إلى عجز في 2015 ليصل إلى سالب 5.8 مليار دولار 18.


مستقبل أسعار النفط

تدهورت أسعار النفط منذ يونيو 2014 حيث بلغ سعر البرميل وقتها حوالي 115 دولار، إلى أن وصل حاليًا لأدنى من 43 دولار للبرميل، أي بلغت نسبة التراجع حوالي 63%.

ويرجع سبب هذا التدهور إلى

1- تراجع الأداء الاقتصادي العالمي، وحالة عدم اليقين التي تخيم على الاقتصادات بسبب شبح حدوث أزمة مالية واقتصادية عالمية ربما تفوق أزمة 2008.

2- كما يعود هذا التدهور إلى الطفرة الكبيرة في النفط الصخري، وتقليل اعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد.

3- حدوث فائض كبير في الإنتاج حيث أن السعودية تصر على ضخ نفس الكميات التي تنتجها بل على العكس تعمل على زيادة الكمية، ومما يزيد من تخمة الأسواق بالنفط أيضا هو اتفاق إيران مع القوى الدولية بشأن الملف النووي، ومن ثم عودة ضخ النفط الإيراني في الأسواق بكميات ضخمة.

كما أن الإنتاج الروسي من النفط لم يتراجع بل على العكس نما خلال الأشهر القليلة الماضية بمعدل 1.4% وفقًا لهيئة الإحصاء الفيدرالية الروسية.

كما أن دولًا مثل العراق والجزائر وفنزويلا، تعمل على تحسين وضعها الاقتصادي ومعالجة العجز في موازينها العامة، ومن ثم تعمل على ضخ كميات كبيرة في الأسواق للحصول على أكبر المكاسب حتى في ظل أسعار نفط متدنية.

والخبر السيء هو أن تدني هذه الأسعار سوف يطول وربما يهبط إلى 30 دولارًا للبرميل، وأن هذه التخمة سوف تستمر حتى نهاية 2016 وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.


إذًا لماذا لا تخفض السعودية إنتاجها من النفط؟

لا تستطيع فعل ذلك لعدة أسباب منها:

– المحافظة على حصتها، لأنه لو خفضت الإنتاج فإن ذلك يعني تحول أحد عملائها إلى مُنتِج آخر، وبالتالي تخسر هذه الحصة.

– تقليل الإنتاج يعني تخفيض الإيرادات، والوضع الحالي للاقتصاد السعودي لا يسمح على الإطلاق بتحمل تبعات المزيد من تراجع الإيرادات.

– كما أن تخفيض الإنتاج السعودي وحده لن يؤثر بدرجة كبيرة في الأسعار، ربما يؤثر ولكن بمعدل ضعيف، حيث تنتج السعودية حاليًا حوالي 9.8 مليون برميل يوميًا، فإذا فكرت في تخفيض الإنتاج بمعدل 500 ألف برميل مثلًا، فلن يؤثر في الأسعار بشكل كبير لأن هناك فائضًا يوميًّا في الأسواق الآن يقدر بنحو 1.5 مليون برميل، وفي نفس الوقت لا تستطيع تخفيض نسبة كبيرة من الإنتاج للسببين السابقين.

وبالتأكيد لا تريد إعادة سيناريو 1986 حينما قام وزير النفط أحمد ذكي يماني بتخفيض الإنتاج من 10 ملايين برميل يوميًا إلى 2.5 مليون برميل، ومع ذلك لم ترتفع الأسعار، وكانت السعودية هي الخاسر الوحيد.


إذًا كيف يمكن رفع أسعار النفط دون تعرض الدول المنتجة لأضرار كبيرة؟

ببساطة شديدة سوق النفط مثله مثل سائر الأسواق ينطبق عليه نظرية العرض والطلب، لذا يمكن رفع الأسعار من خلال تخفيض المعروض النفطي في الأسواق، ولكن ينبغي أن يكون هذا التخفيض جماعيًا وتحت مظلة أوبك، حيث تبلغ حصة دول أوبك من الإنتاج العالمي 81% 18، أما التخفيض الأحادي فلن يؤثر في أسعار النفط.


ويبقى السؤال المحوري: كيف يمكن للسعودية مواجهة هذا الوضع المعقد في ظل استمرار تدني أسعار النفط، وفي ظل النفط الصخري المنافس المحتمل والقادم بقوة؟

من المرجح أنه إذا استمرت السعودية في انتهاج نفس السياسات التي تتبعها منذ عقود، فإنها سوف تصطدم بواقع مؤلم يفوق كافة التوقعات، وربما الوضع الحالي بمثابة جرس الإنذار، ومؤشر قوي أن هناك خطبًا ما ينبغي مواجهته، وأن النهج العام للاقتصاد السعودي ينبغي أن يتغير.

فماذا لو استمرت أسعار النفط في الانهيار لمدة طويلة، ووصلت إلى 30 دولار للبرميل وربما أقل؟ إلى متى سوف تصمد الاحتياطيات النقدية والتي يعول عليها المسؤولون السعوديون؟ هل ستقوم الحكومة بتخفيض الإنفاق الحكومي والذي يعتمد عليه القطاع الخاص في أغلب أنشطته بعد استنزاف هذه الاحتياطيات؟ ثم ماذا؟

ربما يعتقد البعض أن هذه سيناريوهات مستبعدة، أو حتى سوف تأخذ وقتًا طويلًا لتقع، ولكنهم لا يدركون التغيرات التي حدثت في طبيعة الأسواق مؤخرًا وكيفية عملها، والتي من أبرز سماتها حدوث تغيرات سريعة ومفاجئة تبدل الأوضاع بين عشية وضحاها، دون حتى أن تستعد الحكومات لاتخاذ إجراءات مضادة أو تطبيق سياسات معينة لتدارك ما يحدث، أو على الأقل فهم ما يجري.


هناك فارق بين حجم الاقتصاد وقوته

وبالعودة للسؤال المحوري؛ فإنه يمكن أن نلتقط طرف الحديث من خلال الإجابة على تساؤل آخر: كيف يمكن ادعاء وجود هذه المخاطر، والاقتصاد السعودي رقم 19 على مستوى العالم كما أخبرت في صدر المقال؟

في الواقع لا يدلل حجم الناتج المحلي الإجمالي للدول على قوة أو ضعف اقتصادياتها، بدليل تصنيف دول ذات دخل مرتفع مثل دول الخليج العربي ضمن الدول النامية، وإنما المحك هنا هو طبيعة مكونات الناتج المحلي، وما إذا كانت تعتمد على أنشطة إنتاجية حقيقية أم أنشطة ريعية هشة.

ويعتمد الاقتصاد السعودي على الأنشطة الريعية، وهذا هو مكمن الخطورة، لذا يجب على الحكومة السعودية وضع خطة قصيرة ومتوسطة المدى لتحويل هيكل الاقتصاد من الريعية إلى الإنتاجية.

ويمكن تسهيل تصور هذا الأمر من خلال افتراض فرض، ربما يجده البعض فكاهيًا، ولكنه في الواقع غير ذلك. وهو:

ماذا لو لم يوجد النفط في السعودية أصلًا؟ أو ماذا لو اختفى النفط من السعودية بشكل مفاجئ؟

ففي وجود هذا التصور، وطرحه بشكل جدي يمكن خلق آفاق لتحويل الاقتصاد من الريعية إلى الإنتاجية، وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، وهو بالمناسبة من الأمور الممكنة بسهولة بسبب الإمكانيات التي تمتلكها السعودية في الوقت الراهن مثل حجم الاحتياطيات النقدية التي وصلت بنهاية عام 2014 إلى 724 مليار دولار، وانخفاض المديونية الحكومية للمستوى الأدنى عالميًا.


تدابير ينبغي اتخاذها عاجلًا

أما على المستوى اللحظي، فيجب اتخاذ عدة تدابير منها:

1- معالجة عجز الموازنة من خلال تقليص الإنفاق الاستهلاكي الحكومي مثل الأجور.

2- استثمار جزء من الاحتياطيات النقدية في مشروعات تدر دخلًا في الأجل القصير.

3- تقليص حجم المساعدات الخارجية.

4- فرض ضرائب على العقارات الفاخرة.

5- زيادة الرسوم على الوارادت من السلع الترفيهية والكمالية.

6- رفع أسعار الوقود المتدني بنسبة كبيرة.

فيمكن اتخاذ هذه التدابير بشكل عاجل لحين البدء في عملية تحويل هيكل الاقتصاد، ليعتمد على قاعدة إنتاجية حقيقية، ومن ثم تنويع مصادر دخله بعيدًا عن النفط.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد