عرفت قمّة «أوبك+» التي انعقدت في شهر يوليو (تموز) الجاري خلافا مُعلنًا بين السعودية والإمارات حول الاتفاق النهائي لتحديد حصص إنتاج النفط، وهو ما قد يهدّد بارتفاع كبير في أسعار النفط، لكن هذا الخلاف حول حصص الإنتاج في القطاع النفطي يرجح البعض بين السعودية والإمارات أنه يخفي وراءه خلافات سياسية في العديد من الملفات، عكس ما يبدو من توافق بين البلدين في السنوات الأخيرة. في التقرير التالي نحاول الإجابة عن ثلاثة أسئلة تشرح لك أسباب الأزمة الأخيرة بين السعودية والإمارات، وخلفياتها السياسية وأوراق كل طرف. 

لماذا تَفجَّر الخلاف السعودي الإماراتي؟

في الوقت الذي ضغطت الرياض وروسيا من أجل ضخ 400 ألف برميل يوميًا في أسواق النفط حتى نهاية سنة 2022، اعترضت الإمارات على الاتفاق، وتحديدًا حول شرط تمديد الاتفاق حتى سنة 2022؛ إذ تريد الإمارات زيادة حصتها الإنتاجية في الاتفاق الجديد.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان رفقة ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد

السبب الرئيس حول الرفض الإماراتي لتمديد الاتفاق هو رغبة الإمارات في زيادة حصتها الإنتاجية؛ وذلك بسبب الاستثمارات الضخمة التي يقول مسؤولون إماراتيون إنهم قد أطلقوها في السنوات الأخيرة، وتطالب الإمارات برفع حصتها الإنتاجية بزيادة حوالي 600 برميل يوميًا.

ويرى المسؤولون الإماراتيون أن القبول بالاستمرار في النسبة المنخفضة الحالية من شأنه تعطيل خطط الإمارات التنموية؛ إذ صرّح وزير الطاقة والبنية التحتية الإماراتي سهيل المزروعي في مقابلة لقناة «سكاي نيوز العربية»: «لا يُعقل أن نقبل باستمرار الظلم والتضحية أكثر مما صبرنا وضحينا». 

وأشار تقرير لـ«بلومبرج» إلى أن الإمارات تدرس مغادرة مجموعة «أوبك +» من أجل الاستفادة من القاعدة الإنتاجية الواسعة التي استثمرت فيها بالسنوات الأخيرة، من أجل الانفكاك عن الالتزامات التي تفرضها مجموعة الدول المصدرة للغاز «أوبك»، وفي الوقت الذي يبلغ إنتاج السعودية من النفط 6.6 مليون برميل يوميًا، بلغ إنتاج الإمارات 3.8 مليون برميل يوميًا سنة 2021.

وبالنظر إلى الصورة الأشمل للعلاقات بين السعودية والإمارات يتّضح أن الخلاف الأخير هو حلقة في سلسلة من الخلافات كانت تتراكم شيئًا فشيئًا خلال السنوات الماضية، وهي الخلافات التي يمكن رصدها في العديد من الملفات الإقليمية، على رأسها الحرب في اليمن، والموقف من المحور التركي القطري.

اتفاق «أوبك» هو قمة الجبل الجليدي.. ما هي الخلفيات السياسية للخلاف؟ 

الطموحات السياسية والاقتصادية للجيل الشاب من قادة الخليج الجدد يخلق منافسة شرسة بينهم في العديد من الملفات. ومع خطة السعودية الطموحة في محاولة الانعتاق من الاعتماد المفرط على مداخيل النفط من خلال «خطة 2030»، أصبح التنافس بين السعودية والإمارات ربما مسألة وقت فقط، خصوصًا مع إطلاقها العديد من المشاريع الاقتصادية التي تأخذ من حصة الإمارات، من بينها مشروع مدينة نيوم السياحية المطلة على البحر الأحمر، والذي بلغ حجم استثماراته مبلغًا فلكيًا يصل إلى 500 مليار دولار، والذي سينافس مدينة دبي في جذب المداخيل السياحية، خصوصًا مع موقع نيوم الجغرافي، وطقسه الأقل رطوبة من دبي، حسب «معهد كارنجي».

هذا بالإضافة إلى قرار السعودية بضرورة نقل الشركات الأجنبية العاملة في منطقة الشرق الأوسط لمقراتها إلى داخل السعودية مع حلول سنة 2024، والتي يوجد العديد منها في دبي، على غرار مقر شركتي «تويتر» و«فيسبوك» وغيرهما؛ مما يجعل السعودية والإمارات في منافسة مباشرة.

الخلاف الأخير حول اتفاقية «أوبك» جعل المحللين يتطرقون إلى التنافس المتنامي بين السعودية والإمارات في جذب رؤوس الأموال والمواهب الأجنبية، إذ تطمح السعودية من خلال افتتاح مركز مالي جديد إلى أن تنافس الإمارات باعتبارها مركز المال والأعمال في المنطقة، وهذا من خلال خلق بيئة أكثر تنافسية للاستثمار وجذب رؤوس الأموال العالمية.

السياحة والتكنولوجيا من بين القطاعات التي تعوّل عليها السعودية في خطتها من أجل الانعتاق من الاعتماد المفرط على النفط، وتنويع اقتصادها، وهو ما يجعلها في منافسة مباشرة مع الإمارت، وأفادت تقارير صحافية إلى أن السعودية اتصلت بكبرى الشركات التقنية العالمية، وسعت إلى إقناعهم بنقل مقرّاتهم إلى الرياض، من خلال وعود بإعفاءات ضريبية، واستثناء من القوانين التنظيمية المقيّدة، بالإضافة إلى الإعفاء من الإلزام بتوظيف السعوديين، وهي الجهود الرامية إلى جعل الرياض قبلة لصنّاع التكنولوجيا العالميين؛ واستقطابهم من الجارة دبي. 

الحرب في اليمن.. بدأت بـ«التحالف العربي» وانتهت بـ«حروب الوكالة»

مع صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى السلطة سنة 2017 سرعان ما تكوّن حلف سياسي متين مع الإمارات، وبدا أن هنالك توافقًا عميقًا بين الطرفين في العديد من الملفات، سواء بالنسبة إلى الحرب في اليمن، حيث قاد البلدان التحالف العربي ضد الحوثيين، أو حصار قطر الذي قادته الدولتان رفقة مصر والبحرين، وليس انتهاءً بالعدائية تُجاه تركيا، وإيران، وتيارات الإسلام السياسي، لكن هذا التوافق في العديد من الملفات شهد العديد من المنعرجات؛ إذ برز الخلاف في الرؤية بين الطرفين في التعامل مع هذه الملفات الإقليمية. 

الحرب اليمنية – التي كانت عنوان الحلف السعودي الإماراتي – لم تعرف انسجامًا مطلقًا بين الطرفين، فقد راهن البلدان على أطراف مختلفة، وحتى متصارعة، في الداخل اليمني. من ناحية الإمارات كانت أعينها مسلّطة بشكل رئيس على موانئ اليمن وجزرها للسيطرة عليها، وركّزت على الجنوب اليمني من خلال دعم «المجلس الانتقالي الجنوبي» الذي يسعى إلى الحكم الذاتي.

 اليمن: قوات الحوثي تسيطر على صنعاء

بينما دخلت السعودية في حرب ضارية ضد الحوثيين، ودعمت حكومة عبد ربه منصور هادي الذي كان متواجدًا في أراضيها حتى وقت قريب، وهو الذي طالب السعوديين في العديد من التصريحات بوقف التدخلات الإماراتية في السعودية، خصوصًا دعمها لمن يصفهم بالانفصاليين في الجنوب، وسعيها إلى تقسيم البلاد، بحسبه.

وفي الوقت الذي كانت ضربات الحوثيين المدعومين إيرانيًا تصل إلى العمق السعودي، أبرزها الضربات الصاروخية التي استهدفت شركة النفط السعودية «آرامكو»؛ مما أثر على إنتاج النفط السعودي؛ كانت الإمارات أقل تحمّسًا إلى الانخراط العسكري المباشر في اليمن، وأعلنت عدة مرات «انسحابها» العسكري من اليمن، مع تقارير تفيد بدعمها لقوات محليّة، وأخرى مكوّنة من مجموعة مرتزقة، تشكّل ذراعها العسكري داخل اليمن.

ورغم أن الإمارات كانت قد بررت هذا الانسحاب بأسباب «إستراتيجية وتكتيكية»، فإن البعض ربط هذا الانسحاب بالعلاقات الإماراتية الإيرانية. بين من أشار إلى تقدّم في المحادثات بين الطرفين، وبين آخرين أشاروا إلى رغبة الإمارات في الخروج من «المأزق اليمني» الذي جعل الدول المتورّطة في الحرب محلّ انتقاد شديد من طرف المنظمات الحقوقية والانسانية، وترك السعودية وحيدة فيه. 

 وقد شهدت الساحة اليمنية حدوث معارك بين القوات التابعة لحكومة عبد ربه منصور هادي المدعوم سعوديًا، وقوات مدعومة من الإمارات في مدينة عدن الجنوبية؛ مما جعلها تتحوّل إلى حرب بالوكالة بين الدولتيْن اللتين دخلتا الحرب سنة 2015 في ظلّ تحالف واحد يسمى «التحالف العربي».

يبرز هذا التناقض في الرؤيتين السعودية والإماراتية بشكل جلي في المواجهات التي شهدتها عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية، في أغسطس (آب) 2019 بين قوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، وقوات القصر الرئاسي التابع للحكومة اليمنية المدعومة سعوديًا، وغرّد نشطاء وصحافيون سعوديون حينها منتقدين دور الإمارات في دعم قوّات الجنوب اليمني، وطالبوا الإمارات باحترام قيادة السعودية للتحالف العربي، وليس منافستها عليه. 

التطبيع مع إسرائيل.. سرعات مختلفة

وفي الوقت الذي هرولت فيه الإمارات رفقة البحرين إلى عقد حلف أبراهام، وإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل، بدت السعودية أكثر تريّثًا في اتخاذ خطوة مماثلة، ورغم أن التقارير الصحافية قد أفادت حدوث لقاء بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو بمدينة نيوم السعودية في نوفمبر (تشرين الأول) 2020، فإن السعودية رسميًا لم تعلن عن إقامة علاقات مع إسرائيل، وربطته على لسان وزير خارجيتها بتحقيق تقدّم في ملف السلام مع الفلسطينيين.

ومع مغادرة ترامب البيت الأبيض، ووصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، وهو الذي عبّر من قبل عن نيته في اتخاذ إجراءات ضد السعودية فيما يتعلق بجريمة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، ثم مغادرة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو السلطة – وهو أحد مهندسي اتفاقية أبراهام – جعل ملف التقارب السعودي الإسرائيلي مجمّدًا على الأقل في العلن. 

 اتفاقية أبراهام بين البحرين والإمارات وإسرائيل بإشراف أمريكي 

 وقد أدانت السعودية على لسان ملكها ما وصفه بـ«الاعتداءات والاجراءات الإسرائيلية في مدينة القدس، والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة» حسب وكالة الأنباء السعودية، في حين تتواصل الاستثمارات الإماراتية داخل إسرائيل في النمو؛ إذ يرجح أن تصل إلى نصف مليار دولار هذه السنة.

التباين في الموقف من العلاقات مع إسرائيل بين الإمارات والسعودية سيظهر مجددًا بعد الأزمة الأخيرة خلال اتفاق «أوبك+» حول زيادة الإنتاج النفطي، إذ أعلنت السعودية تعديل قواعد الاستيراد من أعضاء مجلس التعاون الخليجي، فقد استبعدت من الامتيازات الجمركية السلع المنتجة في المناطق الحرة، أو التي تستخدم مكونات إسرائيلية؛ وهو ما يعني تضرّر الإمارات من هذه الخطوة؛ إذ كانت الأخيرة قد وقّعت في مايو (أيار) الماضي اتفاقًا متعلقًا بالضرائب مع إسرائيل من أجل تحفيز التعاون التجاري بينهما. 

وتأتي هذه الخطوة السعودية في اتجاه معاكس للتوجّه السابق للدول الخليجية في إقامة سوق مشتركة بينها، وهو ما يشير إلى اتساع الخلافات وتباعد الرؤى في ملفات مختلفة في الآونة الأخيرة.

المصالحة مع قطر.. السعودية تبادر والإمارات تتأنى

في يونيو (حزيران) 2017، أعلنت كل من السعودية والإمارات، بالإضافة إلى البحرين ومصر، قطع علاقاتهم مع دولة قطر، ليبدأ مسلسل طويل من الأزمة الخليجية التي دامت أكثر من ثلاث سنوات. بداية الأزمة لن تُشبه نهايتها، فرغم حدوث توافق سعودي إماراتي على ضرورة تحييد قطر ومحاصرتها اقتصاديًا وسياسيًا؛ لكن مع تطوّر الأحداث، سيبدو أن السعودية كانت سباقة لإنهاء الخلاف مع قطر بشكل أحادي، إذ أعلنت إعادة فتح الحدود البرية ومجالها الجوي أمام الطائرات القطرية في يناير (كانون الثاني) 2021؛ لتأتي القمة الخليجية 41 بعدها بأيام قليلة، وتعلن رسميًا عودة العلاقات، وذلك مباشرة بعد وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى البيت الأبيض. 

 أمير قطر رفقة ولي العهد السعودي في مطار جدة مايو 2021

 ورغم عدم وجود تفاصيل كثيرة حول فحوى اتفاق عودة العلاقات أو شروطه، خصوصًا أن قطر لم تعلن التزامها بالشروط ال_13 التي كانت قد اشترطتها الدول الأربع مقابل إعادة العلاقات؛ إلا أنه يمكن فهمه في سياق أشمل متعلّق برغبة السعودية في تخفيف الضغوط الأمريكية عليها فيما يتعلق بقضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي، خصوصًا مع تركيز إدارة بايدن على هذه القضية، والذي أعلنه قبل توليه المسؤولية، بالإضافة إلى مأزق حرب اليمن والاتهامات الموجهة إليها بارتكاب انتهاكات حقوقية هناك، دون إغفال العلاقات مع تركيا، والتي تسعى الرياض إلى إعادتها عن طريق وساطة محتملة من طرف الدوحة.

وكانت إدارة الرئيس ترامب ترغب في تحقيق انتصار دبلوماسي أخير قبل مغادرة البيت الأبيض؛ إذ قاد صهر ترامب، جاريد كوشنر، الوساطة بين السعوديين والقطريين في ديسمبر (كانون الأول) 2020 لتُكلَّل تلك الزيارات بفتح المجال الجوي بين قطر والسعودية، وأشارت تقارير إلى أن أحد دوافع الرغبة الأمريكية في المصالحة بين قطر والدول الخليجية، وتركيزها على المجال الجوي تحديدًا، هو دفع قطر إلى استخدام المجال الجوي السعودي بدلًا عن الإيراني، والذي تدفع قطر 100 مليون دولار سنويًا لاستغلاله في رحلاتها الجوية. 

كانت الإمارات أقل تحمسًا كثيرًا من السعودية، وكانت خطواتها بطيئة تجاه المصالحة، ويظهر ذلك في ما بعد المصالحة؛ إذ تتسارع العلاقات بين قطر والسعودية، وحتى مع مصر، في اتجاه إيجابي، في حين لا نشهد المثل مع الإمارات.

ما هي أوراق كل من السعودية والإمارات؟

وتعوّل كل من السعودية والإمارات خلال هذا التنافس الذي أصبح معلنًا على الأوراق الإستراتيجية التي راكمتها خلال السنوات الماضية؛ إذ تهدد الإمارات بالخروج من مجموعة أوبك، وهو ما سيتيح لها رفع قدرتها الإنتاجية من البترول، وعدم التقيّد بسقف 3.17 مليون برميل الذي تفرضه المنظمة من أجل استقرار الأسعار، خصوصًا أن قدرتها الإنتاجية قد بلغت السنة الماضية 3.8 مليون برميل، بزيادة حوالي 600 ألف برميل يوميًا عن السقف الحالي، لكن هذا قد يحفز الدول الأخرى على عدم التقيّد باتفاقيات أوبك؛ مما قد يسبب فوضى في أسعار السوق البترولية.

في المقابل فإن السعودية تعوّل على الاتفاق مع روسيا المستمر منذ سنتين، وهي ثاني أهم منتج للغاز الطبيعي في العالم، وثالث أكبر مصدر للنفط بعد كل من الولايات المتحدة والسعودية؛ من أجل الحفاظ على استقرار أسعار النفط. ويشير خبراء إلى أن السعودية وروسيا في مقدورهما ضخ كميات ضخمة من البترول، والتأثير على الأسواق من خلال قدرتهما الإنتاجية، إذ تنتج روسيا حوالي 10 مليون برميل نفط يوميًا، وعن سيناريوهات هذا الصراع فإنه من المتوقع، إما أن تتمسك مجموعة أوبك بالاتفاق الأصلي مع ترك هامش صغير للإمارات قد لا يتجاوز 100 ألف برميل، أو أن تصرّ الإمارات على رفضها الاتفاق، وبالتالي خروجها عن الإجماع داخل أوبك، واتخاذها نهجًا خاصًا بها بعيدًا عن القيادة الروسية السعودية للسوق البترولي، وهو ما قد يتسبب في ارتباك شديد بالأسواق النفطية. 

العالم والاقتصاد

منذ 3 أسابيع
تُنذِر بخروجها من «أوبك».. الإستراتيجية الإماراتية للنفط في السنوات القادمة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد