«عندما نراجع أية دائرة حكومية، أو شركة، يرفضون أن يكون زوجي مُعرّفًا لي، رغم أنه وليّ أمري الشرعي، إضافة إلى أنه لا يتم نقل كفالة الزوج، إلا على مهنة سائق خاص، ولا يسمح له بالعمل»، بهذه الكلمات تشكو سعودية متزوجة من أجنبي، من بعض ما تعاني منه؛ كونها زوجة أجنبي، بالرغم من مرور 12 عامًا على هذا الزواج.

السيدة «أم زكي»، يعمل زوجها في التجارة، لكنه إذا ما حاول افتتاح مشروع تُجاري باسم زوجته، فقد يتعرض للمحاسبة، والسجن أو الترحيل؛ إذ يمنع الصندوق العقاري السعودي، لا يسمح بمنح قروضٍ للسعوديات المتزوجات من أجانب. هذه الحال ليست خاصة بأم زكي وحدها؛ فهناك نحو 700 ألف سعودية متزوجة من أجنبي، يُشكلن 10% من نسبة السعوديات المتزوجات.

لم يقتصر الأمر على الوضع القانوني، الذي فرض الكثير من الشروط الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية؛ للحيلولة دون جعل الحصول على الجنسية هي الهدف من هذا الزواج؛ فالسعودية المتزوجة من أجنبي، وأبناؤها، وزوجها، في حرج مستمر من تعامل المجتمع السعودي معهم، ناهيك عن رفضه لهذا الزواج من الأساس؛ فعلى الأغلب ينظر المجتمع السعودي، إلى هؤلاء الأجانب، على أنهم يبحثون عن مصالحهم التجارية والاجتماعية.

«زواج مصلحة»

على أرض الواقع، هناك رفض صارم لتزوج السعودية من أجنبي، يتضح ذلك بمجرد نقاش صغير بين مجموعة من السعوديين، أو إلقاء نظرة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي، والمنتديات التي تُناقش تلك القضية. وبالرغم من عدم إمكانية تجاهل العادات والتقاليد التي ساهمت في تكوّن هذه الرؤية الرافضة لزواج السعودية من أجنبي، إلا أن أسبابًا وعوامل أخرى تقف وراء الموضوع.

على الأغلب، كما ذكرنا، يُنظر إلى السعوديات المتزوجات من أجانب، على أنهن مُستغلات من قبل أزواجهن. وعادة ما يُوصم بأنه «زواج مصلحة»، يسعى الزوج، من ورائه، إلى الحصولَ على الإقامة، أو مزاحمة السعوديين على الوظائف، أو استغلال اسم الزوجة في التعاملات التجارية، كما يرى قطاع كبير من المجتمع السعودي.

وزاد التخوف من تلك الزيجات، بعد الحديث عن قرارات جديدة، قد تصدر خلال السنوات القليلة القادمة، تسمح للأجنبي المتزوج من سعودية، بالحصول على الجنسية.

معاناة الأبناء

لا تتمكن المرأة السعودية المتزوجة من أجنبي، من توكيل ابنها للقيام بأعمالها. ويعاني أبناء السعوديات المتزوجات من أجانب، صعوبات بالغة، في الحصول على العلاج والتعليم، لذلك يُطالبون باستصدار إقامات دائمة، تُساعدهم في الحصول على الخدمات الأولية، حتى البت في قضية تجنيس أبناء المرأة السعودية المتزوجة من أجنبي.

وهذا «الوافد الخاص»، كما تسميه وزارة العمل السعودية، يمكن لأمه كفالته، تحت مسمى «ابن وبنت وزوج مواطنة»، وهو ما يعني أنها ستُحرم من إعانة الضمان الاجتماعي؛ بسبب كفالة أبنائها. وتكون الكفالة تحت مُسمى سائق أو عامل، وفي حال وفاتها، عليه البحث عن كفيل آخر؛ إذا أراد البقاء في السعودية!

ولا يحق له وراثة ما كانت تملكه والدته من عقارات؛ إذ تُسلم هذه الأملاك إلى الجهات المختصة، ثُم تُعرض في مزاد علني للبيع، ويُسلم الورثة المال، بعد أخذ نسبة معينة منه.

مُؤخرًا تمكنت السعودية المتزوجة من أجنبي، أن تنتزع بعض الحقوق لها ولنجلها، فأصبح من حق نجلها التعلم في المدارس والجامعات الحكومية، لكن بقي قيد عدم إمكانية ابتعاثه إلى الخارج على حساب الدولة. كذلك أصبح من حقه الحصول على وظيفة، وكذا إعانة، وبالرغم من أنه يُعامل معاملة السعودي في احتساب نسب السعودة، إلا أنه أيضًا يتم احتساب نسبة 2% كأخطار مهنية له، في التأمينات الاجتماعي، مثله مثل أي أجنبي!

الأبناء والجنسية السعودية

واحدة من أهم التخوفات، من زواج السعوديات من أجانب، هي اتهام هذا الأجنبي بأن هدفه من الزواج الحصول على الجنسية. يأتي هذا التخوف، في الوقت الذي لا زالت القوانين لم تسمح بعد بأن يتجنس زوج السعودية، وإنما تسري عليه كافة الشروط التقليدية التي تنطبق على أي أجنبي يريد الحصول على الجنسية السعودية.

أما فيما يتعلق بالأبناء، فإنهم يكتسبون بطبيعة الحال جنسية والدهم، وبإمكانهم الحصول على الجنسية السعودية، لكن وفقًا لشروط معينة، أهمها بلوغ سن 18 عامًا.

وفي أحيانٍ كثيرة يتعطل الأمر، حتى وإن تنازل الابن عن جنسيته الأصلية «جنسية والده»؛ إذ إن قرار منح الجنسية، يُفرق بين الأبناء من أب سعودي، والأبناء من أم سعودية؛ فالأول بعد مرور خمس سنوات على أولاد الابن، فيما الآخر في يد وزير الداخلية السعودي.

لماذا زاد إقبال السعوديات على الزواج من أجانب؟

تغيرت نظرة السعوديين لقضية زواج السعوديات من أجانب، وساهمت عدة عوامل في زيادة نسبة هذا الزواج في السنوات الأخيرة؛ إذ خفت وطأة تدخل الأهل في الاختيار؛ بسبب الانفتاح الإعلامي والثقافي للمجتمع السعودي.

وينظر السعوديون إلى العنوسة والطلاق، كسببين هامين في زيادة نسبة زواج السعوديات من أجانب؛ إذ إن عدد الفتيات العوانس في المملكة وصل، مع نهاية 2015، إلى أربعة ملايين فتاة، وهو ما يُرجح أن يكون سببًا مُؤثرًا في قبول عروض الزواج من غير السعوديين. أما فيما يتعلق بالطلاق، وبحسب أخصائيين اجتماعيين سعوديين، فإن المرأة السعودية، تخاف الارتباط بالرجل السعوديين؛ لميله إلى الطلاق، أو الزواج الثاني.

كما يرجع المتخصصون في الشأن الاجتماعي السعودي كثرة زيجات السعوديات من الأجانب إلى بساطة أمور الزواج  من أجنبي، وإلى حرص السعوديات على إنجاح زواجهن بالرجال الأجانب؛ ليثبتن أن قرار الزواج من أجنبي كان سليمًا. وبما أن الرجال السعوديين أخذوا يفضلون الزواج بأجنبيات، تسبب الأمر في حدوث منافسة حادّة، أدت في المقابل إلى إقدام السعوديات على الزواج من رجال أجانب في السنوات الأخيرة.

ومن الأسباب الطريفة التي وردت خلال رحلة البحث عن أسباب تغير قناعات المجتمع السعودي، كانت المسلسلات التركية، التي اعتبر البعض أنها أدت دورًا في الانفتاح، والإقبال على الزواج.

ويرى مؤسس مواقع أبناء السعوديات، «محمد أبوحنونة» في حديث مع «ساسة بوست»، أن «انفتاح السعوديين، وابتعاثهم وتعاملهم مع الآخرين من جنسيات مختلفة، خفف من مسألة العنصرية تجاه رفض المجتمع السعودي للزواج من أجانب».

وأشار أبوحنونة إلى أن زيادة عدد المتزوجين في الأربع سنوات الأخيرة، راجعٌ إلى قرارات وزير العمل، كقرار نقل كفالة ابن المواطنة على كفالة أمه، وتجديد إقامته على حساب الدولة، واعتباره كالسعودي في العمل والتعليم والصحة، وأيضا منح زوج المواطنة حقوقًا إضافية، مُضيفًا «الآن الدولة تسعى لأن يكون للمرأة حق في اختيار شريك حياتها، سواء كان عربيًا أجنبيًا سعوديًا مصريًا فلسطينيًا، وأصبح هناك مجموعة من النشطاء يشاركون في الفترة الأخيرة ـ على الأقل إعلاميًا ـ في المطالبة بحصول هؤلاء على حقوق».

أرقام حول زواج السعوديات من أجانب

في آخر الإحصاءات التي شملت زواج السعوديات من أجانب، كُشف عن تسجيل المحاكم السعودية 1114 عقد زواج منذ بداية العام الهجري الجاري، أي بواقع سبعة عقود زواج يوميًّا، وذلك حسب إحصائيةٌ لوزارة العدل السعودية.

في المحصلة، تُشكل نسبة السعوديات المتزوجات من أجانب 10%، من إجمالي السعوديات المتزوجات؛ إذ بلغ عددهن 700 ألف سعودية. وبالعودة إلى السنوات الأخيرة، تُظهر إحصائية لوزارة العدل السعودية، أنه في عام 2012، تزوجت 13 ألفًا و117 سعودية من أجانب، بزيادة عن العام السابق له، بلغت 8553 حالة، في مقابل زواج 2583 سعودي من أجنبية في العام نفسه. أما في العام 2014، فقد «شهدت محاكم المملكة خلال هذا العام 1925 عقد زواج لفتيات سعوديات من رجال أجانب، انتهى 190 منها بالطلاق، وقد احتلت الجنسية اليمنية المرتبة الأولى، تليها السورية، ثم القطرية».

تقول الكاتبة الاجتماعية السعودية، «إيمان العقيل» «جرى العرف في المجتمعات العربية الخليجية، على أن يكون الاختيار المحدد في الزواج ضمن نطاق الأسرة والقبيلة، لكنه مع مرور الزمن بدأ الأمر يقل ويتراجع»، وتضيف العقيل لـ«ساسة بوست»، قائلًة إنّ «كثيرًا ممن تزوجن بأجانب، كن على صلة قرابة بأزواجهن، لذا نجد أن النسبة الأعلى من زواج السعوديات بأجانب من اليمن تليها سوريا ثم قطر، وهؤلاء في معظمهم من الأقارب.. ولا ننسى الروابط القوية التي تربط مواطني دول الخليج العربي ببعضهم؛ فرابطة الدم قديمة جدًا، وتتجدد بالزواج فيما بين أسرهم».

أما بالنظر إلى شروط زواج السعوديات من أجانب، فتذكرها لنا العقيل «يجب أن لا يقل عمر الفتاة عن 25 عامًا، أما إذا كانت على صلة قرابة بالخاطب، يجب أن لا يقل عمرها عن 21 سنة، أو تكون مطلقة، وأن يكون الخاطب لديه إقامة نظامية سارية المفعول مع إثبات جهة العمل».

عرض التعليقات
تحميل المزيد