نشرت فتاة تدعى «موديل خلود» عددًا من مقاطع الفيديو القصيرة المُصوَّرة لها على حسابها الشخصي على تطبيق سناب شات؛ حيث كانت تسير في أرجاء القلعة الأثرية وبعض المناطق الأثرية الأخرى في قرية أشيقر شمال الرياض. إذًا نحن الآن أمام حالة فتاة تنشر مقاطع فيديو لها، في منطقة عامة، على حسابها الشخصي على أحد التطبيقات، كل هذا يبدو خبرًا عاديًا، بلا أهمية، ولكن العديد من السعوديين والسعوديات جعلوا منه خبرًا هامًا، سواء كانوا من المواطنين العاديين، أو الإعلاميين، أو الشرطيين، أو حتى من القائمين على مؤسسات كبيرة في المملكة.

في الوقت نفسه، يمكنك أن ترى صور ومقاطع لرجل الأعمال السعودي، حسن جميل، ابن الميلياردير عبد اللطيف جميل، الذي توجد عائلته في المركز 12 لقائمة فوربس لأغنى العائلات العربية في العالم. نجد الشاب حسن جميل يظهر في أوضاع غرامية مختلفة مع المطربة الأمريكية الشهيرة ريانا، يبدو أيضًا الأمر خبرًا عاديًا، بلا أهمية على المستوى الاجتماعي السعودي، ولكن خبرًا كهذا لم يلق ما لقيه الخبر الأول، للفتاة المعروفة إعلاميًا باسم «فتاة التنورة»، فما علاقة هذين الخبرين ببعضهما البعض؟ ولماذا تتم المقارنة بينهما؟ وما دور محمد بن سلمان في هذا الأمر؟ هذا بالتحديد ما سنحاول كشفه في هذا التقرير.

ماذا حدث تحديدًا من البداية؟

البداية كانت منذ يوم الأحد الماضي، الموافق 16 يوليو (تموز) 2017، عندما نشرت «فتاة التنورة» مقاطع مصورة لها وهي تسير في القلعة القديمة الأثرية الموجودة بمنطقة أشيقر بشمال الرياض، ولكن يبدو أن بعض السعوديين الذكور، شبابًا وشيوخًا، يراقبون الفتيات السعوديات على شبكة الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، بغرض رصد المخالفات بحسب قولهم، ويشير بعض المراقبين إلى أسباب أخرى؛ خاصةً في ظل وجود نسب عالية من الكبت الجنسي في المملكة لدى الشباب، نظرًا للفصل التام بين الجنسين.

وبالطبع، نظرًا لوجود كتائب الشباب للمراقبة، قاموا بتسجيل هذه المقاطع للفتاة ونشرها على شبكة الإنترنت، وتبليغ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في المملكة وفي منطقة الرياض؛ للبحث عن الفتاة والقبض عليها، وذلك بتهم «التعري» و«تهديد الأمن» و«نشر الفوضى».

وكان عدد من المغردين قد أطلقوا وسم (هاشتاج) تحت عنوان: #مطلوب_محاكمة_مودل_خلود من أجل البحث عن الفتاة والقبض عليها ومحاكمتها، الفتاة التي لم ترتكب أي شيء سوى أنها سارت في الشارع بتنورة، اعتبرها بعض الشباب  في السعودية مثالًا للتعرِّي، متهمين إياها بالعُهر. وليس هذا فقط، بل قاموا بإعادة نشر مقاطع الفتاة على جميع مواقع التواصل الاجتماعي، وللمفارقة  كانت هذه المقاطع في نظرهم تستهدف «تهديد الأمن» و«نشر الفوضى»، ومع ذلك كانوا لا يعيدون نشرها، إلا لأسباب تتعلَّق بالرغبة الجنسية، أو رغبةً في تجميع عدد أكبر من المتابعين؟ فبعد ساعات قليلة من إطلاق الوسم، كان من أكثر الوسوم المشاركةً، حيث نُشرت عليه حوالي 200 ألف تغريدة خلال وقتٍ قصير.

شرطة الرياض وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

سارع القائمون على الشرطة في منطقتي أشيقر والرياض، بتلبية مطالب القائمين على الوسم؛ حيث أوضح الناطق الإعلامي بشرطة منطقة الرياض، العقيد فواز الميمان، أن الأجهزة المختصة بشرطة المنطقة رصدت عدة مقاطع فيديو متداولة عبر برامج التواصل الاجتماعي، تضمنت ظهور امرأة تتجول في القرية التراثية بمركز أشيقر التابع لمحافظة شقراء بملابس غير محتشمة. وبناءً عليه، ووفقًا لنظام مكافحة الجرائم المعلوماتية تم تحديد هويتها، وبسماع أقوالها أقرت بقيامها بزيارة الموقع المنوه عنه رفق محرمها، وأن المقاطع المتداولة تم نشرها بواسطة حساب مضاف لديها، دون علمها. وجرى إشعار فرع النيابة العامة بمنطقة الرياض لإكمال اللازم حسب الاختصاص.

ولم تمر ساعات حتى أفرجت عنها الشرطة؛ حيث ذكرت وزارة الإعلام الثلاثاء أنها تستجوب امرأة بعد ظهورها في سلسلة من مقاطع الفيديو القصيرة على موقع سناب شات، وهي ترتدي تنورة قصيرة، وقميصًا «غير محتشم». وقالت وزارة الإعلام السعودية في بيانٍ لها صدر أمس الأول، إن المرأة اعترفت بتجولها في الموقع الأثري، وهي ترتدي التنورة وشعرها غير مغطى، لكنها قالت: إن مقاطع الفيديو جرى تحميلها دون علمها، بالإضافة إلى وجود محرم معها.

وانتقد عدد من رُوَّاد مواقع التواصل الاجتماعي ما فعله المغردون الذين طالبوا بمحاكمة الفتاة، مُذكّرين إياهم بما فعله حسن جميل، وما يفعله الأمراء السعوديون الذين نشرت لهم صور على أحد شواطئ فرنسا، حيث كانوا يتناولون الخمور، بصحبة عدد كبير من الفتايات الشابات. كما أشار آخرون إلى «اعتبار الفتاة كإيفانكا ترامب» والتي لاقت ترحيبًا واستقبالًا كبيرين في المملكة، بل قيل فيها الأشعار بالتغزُل في جمالها وجسدها، وكل هذا.

بينما رأى آخرون أنه ينبغي محاكمة الفتاة تحت بند المادة 41 من الدستور السعودي، والتي تنص على الآتي:-

المادة 41:

يلتزم المقيمون في المملكة العربية السعودية بأنظمتها وعليهم مراعاة قيم المجتمع السعودي واحترام تقاليده ومشاعره.

بينما أشار آخرون إلى أن هذه هي قوانين المملكة، وينبغي الالتزام بها مهما حدث، وتطبيقها على جميع المواطنين، مشيرين أنه إذا فرضت فرنسا قانونًا لمنع ارتداء النقاب والتزم الجميع به، فعلى الجميع أيضًا أن يلتزموا بقوانين المملكة داخلها، ليكونوا في كامل الاحتشام، وهذه هي الحرية، من وجهة نظرهم.

السعودية هي الأكثر تضييقًا على المرأة في الوطن العربي

تعتبر المملكة العربية السعودية هي الدولة الأكثر تمييزًا ضد المرأة في الوقت الحالي؛ حيث إنه حتى الآن، لا تستطيع المرأة قيادة السيارة وحدها بدون مِحرِم معها! فالمملكة أيضًا دائمًا ما تحتل المراتب الأخيرة عند تقييم وضع حقوق الإنسان فيها بشكل عام.

وطبقًا للمؤشرات الصادرة خلال عام 2016؛ حصلت المملكة على المركز 61 عالميًا في المؤشر العالمي للاستعباد، وذلك بوجود حوالي 92 ألف مستعبد فيها، كما أنها حصلت على مراكز متأخرة أيضًا في المؤشرات الحقوقية الأخرى، مثل مؤشر حرية الصحافة الذي حصلت فيه على المركز 165 عالميًا من أصل 180 دولة فقط، فضلًا عن وجودها في المركز 141 عالميًا من أصل 144 دولة في العالم فيما يخص مؤشر المساواة بين الرجل والمرأة، ولا يخفى على أحد الانتهاكات والمضايقات العديدة التي يتعرض لها النساء في المملكة العربية السعودية من قبل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هناك.

هل يقوم محمد بن سلمان بدور المُخلِّص للمرأة من قيودها في المملكة العربية السعودية؟

يبدو أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، من مؤيدي حقوق المرأة في المملكة، ويبدو أنه سيكون مُخلِّصًا لهنْ من القيود المفروضة عليهنْ من قِبل المجتمع والدولة. وفي الحقيقة لا أحد يعلم إن كان ابن سلمان مؤمنًا حقًا بحقوق المرأة، أم أنها كانت مجرد دعاية وبروباجندا استخدمها حينما كان وليًّا لولي العهد؛ حتى ينال الاستحسان حينما يُنصَّب كولي العهد الجديد، وهو المنصب الذي حصل عليه مؤخرًا.

وكان ابن سلمان قد أكد في أكثر من مناسبة أن المرأة في المملكة يغيب عنها الكثير والكثير من الحقوق؛ وكان قد أجاب  في مؤتمر صحافي، بعد إقرار مجلس الوزراء لرؤية السعودية 2030، عن سؤال يتعلق بالمرأة، بأن المرأة عملها مهم جدًا وهي نصف المجتمع وفعالة ومنتجة في وطننا، وموضوع قيادتها للسيارة ليس قيادة دينية بقدر ما هي قيادة لها علاقة بالمجتمع نفسه يقبلها أو لا يقبلها.

وأضاف ولي ولي العهد حينها، أن المجتمع غير مقتنع بقيادة المرأة ويعتقد أن لها تبعات سلبية جدًا إذا سُمح بها، مؤكدًا أن هذه المسألة لها علاقة بشكل كامل برغبة المجتمع السعودي؛ مشيرًا إلى أنه لا يستطيع فرض شيء عليه، كما أن المستقبل تحدث فيه متغيرات ونتمنى أن تكون متغيرات إيجابية، بحسبه.

كما أنه في أحد الحوارات التي أجراها مع صحيفة (ذا إيكونوميست) البريطانية، أشار إلى أن وضع المرأة الآن تحسن كثيرًا عما سبق؛ حيث إنها اليوم ليست هي نفسها كما كانت عليه قبل 50 عامً؛ فالنساء الآن يتمتعن بتمثيل جيد في البرلمان، والنساء يصوتن ويرشحن أنفسهن للانتخابات.

تصريحات ابن سلمان عن حقوق المرأة لاقت إشادة إيفانكا ترامب، ابنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أكدت أن وضع حقوق المرأة في المملكة العربية السعودية في تقدم، وتحسن، واصفة إياه بالوضع المشجِّع، حتى وإن كانت المرأة لا تستطيع قيادة السيارة في المملكة بعد، بحسب قولها، وفي الواقع تظل الأيام هي القادرة على إجابة سؤال: كيف سيكون مستقبل المرأة في المملكة، وهل ستكون ملفًا هامًا على طاولة ابن سلمان أم لا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد