تشابُك خيوط العناصر المتورطة داخليا وخارجيا، في الأزمة اليمنية المتفاقمة منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، في يناير (كانون الثاني) 2011، يجعل تحالفات المصالح المحلية والإقليمية بينها قريبة من الانهيار بفعل تبدّل الأهداف.

الصراع اليمني الأخير قائم على التحالف بين صالح وجماعة الحوثي من جهة، والسعودية ومعها الحكومة «الشرعية» ودول عربية من جهة أخرى. بيد أن تغير المواقف والسياسات التي أُنشئت لأجلها هذه التحالفات، مَهّدت الطريق أمام احتمالات تفككها وتزعزعها.

بات الحديث خلال الأيام القليلة الماضية، عن وجود شبه تحالف، أو قُل اتفاقٍ على الأقل، بن الحوثيين والسعودية، لإزاحة صالح من أي مشهد سياسي مقبل، بالتزامن مع وصول وفد من الحوثيين عبر الحدود مع السعودية، للبحث في قضايا وقف إطلاق النار، وإمكانية استئناف مفاوضات إحلال السلام.

احتمالات الاتفاق بين الحوثي والسعودية

يدرك الطرفان (السعودي والحوثي) جيدًا أن صالح لم يغب عن السلطة تمامًا رغم خلعه من الحكم، إذ بات دوره حاضرًا بقوة من خلف الكواليس في المشهد اليمني المتأزم. ومع بداية الثورة اليمنية في أواخر يناير (كانون الثاني) 2011، دعم صالح الحوثيين لمواجهة السعودية، وتحقيق رصيد أكبر في السيطرة على معظم المدن، وهو ما فُسِّر برغبته في الانتقام ممن كان سببا في خلعه عن الحكم، في إشارة إلى المملكة العربية السعودية.

وعليه فإن صالح كان يعي جيدًا استياء السعودية، عقب دعمه الحوثيين، والتي دخلت حينها في صراع إقليمي مع الخصم الأبرز لها في المنطقة، إيران، إذ يسعى الحوثيون إلى استكشاف المستقبل بدونه.

وفقًا لما جاء في تقرير صحافي أجنبي، فإن السعودية ترى أن صالح لا يمكن أن يكون جزءًا من مستقبل اليمن، إذ إنّه من المرجح أن يقدم الحوثيون بعضًا من الضمانات حول تحجيم علاقاتهم مع إيران، والتي يعي السعوديون جيدًا أنها ليست متطورة بما يكفي، في مقابل منحهم دورًا في مستقبل اليمن ما بعد الحرب.

من هذا المنطلق أيضا، يتوافق الحوثيون والسعوديون في رغبتهم في الإطاحة بصالح، إما بإعادة إنتاج مصير بن علي تونس (النفي) أو مصير قذافي ليبيا (الإعدام)، بخاصة بعدما انشق اثنان على الأقل من قادة المؤتمر الشعبي العام، رفيعي المستوى، عن حزب صالح، ويعملان بتشجيع من الرياض على سحب بساط الحزب عنه من أجل أن يكون له دور في مستقبل اليمن.

الحديث عن توافق مرتقب ربما بين الأطراف المتصارعة، سبقه توقع البعض من المتابعين أن تتفكك جبهة الانقلابيين على شرعية عبد ربه منصور هادي وحكومته، نظرًا لطبيعة هذا التحالف الذي تشكل على أساس مصلحي وتكتيكي، واختلاف نظرة كل طرف إلى أغراضه منه.

حيث أراد الحوثيون استخدام صالح والقوى المرتبطة به عسكريًا وقبليًا؛ لتنفيذ مشروعها في إسقاط الدولة واختطاف القرار السياسي، مع بقائه عدوًا إستراتيجيًا وهدفًا مستقبليًا.

لكن الحوثيين لعبوا اللعبة بذكاء أكبر منه، بسبب طبيعة الجماعة العقائدية، وبُعدها الإقليمي، ومشروعها الذي عملت عليه مبكرًا. ورغم التنازلات التي قدمتها جبهة صالح منذ البداية فإن توغل الحوثي واستلابه القرار داخل التحالف، بدأ بإبراز الخلافات إلى السطح بشكل أوضح.

لذلك، فإن تحالف “الحوثيين وصالح” ليس على وشك الهزيمة عسكريا، ولكن تبدو هناك فرصة في التوصل إلى أرضية مشتركة في المحادثات الجارية، وهذه الأرضية سوف تأتي على حساب استبعاده من السياسة اليمنية.

ويمكن ربط هذه المؤشرات بما تناقله وسائل إعلام من أن صالح وجّه رسالة خطية للأمريكيين يطالب فيها بتوفير فرصة لخروجه من البلاد، بعد الكشف عن وجود مفاوضات «سرية» مباشرة، تجري بين جماعته والسعودية، برعاية عُمانية، أثمرت عن تسليم أسير سعودي، وتبادل جثامين، ووقف لإطلاق النار على طرفي الحدود.

طبيعة تحالف الحوثيين مع صالح

لا بد من الإشارة إلى أن الطرفين صارا منذ قرابة عام على الأقل، أقرب لبعضهما في العديد من المواقف، التي يمكن القول أنها انعكاس لتطابق مصالحهما ومخاوفهما وقراءتهما للمشهد السياسي اليمني الجديد؛ ولا سيما بعد إجبار “صالح” على التنحي عن السلطة، وبدء مرحلة سياسية جديدة.

وبالنسبة لـصالح، فلا يوجد شيء في سلوكه السياسي المعروف، يمنعه من إقامة علاقة تحالف أو تفاهم مع أعدائه “الحوثيين”، حيث مارس شخصية براغماتية مفرطة متحللة من أي قيود أخلاقية في إقامة التحالفات السرية مع كل المتناقضات في اليمن في وقت واحد.

تعود فصول العداء بينهما إلى ما قبل اندلاع المواجهات المسلحة بينهما في عام 2004، إذ سعى الأول تحجيم تطلعات قادة الزيدية في الشمال حيث انتشرت في عهده الممارسات السنية الوهابية حتى في المناطق التي تسيطر عليها الزيدية من قبل السكان المحليين الذين درسوا في السعودية.

لكن البداية الدقيقة لها عندما غزا الحوثيون صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014، فإن وحدات الجيش الموالية لصالح، لم تتدخل وربما ساعدت الحوثي للسيطرة على المدينة، وهو ما بدا للكثير أنه إعلان رسمي للتحالف ضد الرئيس اليمني منصور هادي، والذي تدعمه السعودية.

هذا التحالف مكن الحوثيين حينها من الانضمام بقوة مع القبائل الأخرى في الشمال، والنظر إلى السعودية بوصفها دولة تتلاعب بالسياسة اليمنية، في المقابل بات الطرفان مقتنعان أنه بالإمكان الاستغناء عن الآخر بكل سهولة بمجرد انتهاء الحملة التي تقودها السعودية، وهو السيناريو الذي يجري حاليا.

السعودية وصالح

لا بد من الإشارة إلى أنه عام 1978 وصل “صالح” إلى كرسي السلطة بدعم سعودي، بعد اغتيال نظيره إبراهيم الحمدي، بسبب تقاربه مع دولة الجنوب التي كانت حليفة للاتحاد السوفيتي. واتُّهمت الرياض حينها بالوقوف وراء تصفية الحمدي، والإتيان بالحليف صالح، الذي احتفظ بعلاقاته المتينة مع السعودية.

لكن، خلال الثورة الشعبية التي أطاحت بحكمه، وقفت السعودية ضد هذه الثورة، وعملت على تحويلها إلى أزمة سياسية، انتهت بالمبادرة الخليجية التي ضمنت خروجًا آمنًا للرئيس السابق، واحتفظت له بدور سياسي من خلال بقائه على رأس حزب المؤتمر الشعبي.

حتى أنه في العام 2014 حاولت الرياض التوسط لرعاية مصالحة بينه وبين خصومه من حزب الإصلاح واللواء علي محسن الأحمر، إلا أن العلاقات بينهما وصلت إلى العداوة عندما تبنى جماعة الحوثيين التي تعتبرها الرياض خطرا على أمنها القومي.

لذلك، ليست هذه المرة الأولى التي تضطرب فيها العلاقات بين الطرفين، في العام 1990 تأزمت العلاقة حين أظهر صالح تعاطفه مع الرئيس العراقي صدام حسين عند اجتياحه الكويت رغم إدانته للغزو.

على ما يبدو إذًا، فالأصل هو العلاقات القوية بين صالح والسعودية، وإن توترت في بعض الفترات، إلا أنّها لم تكن يومًا كما هي الآن، حيث كلّ منها على طرفي النقيض!

عرض التعليقات
تحميل المزيد