ترجمة: الخليج الجديد

التدخل السعودي في اليمن ليس مستغربا نظرا للسياسات السابقة ووجهات النظر الحالية  في الرياض المتعلقة بأمن الخليج العربي.

ويعاني اليمن دائما من الفوضى والحروب الأهلية المختلفة. وحتى في أفضل الأوقات، تفتقر مناطق واسعة من البلاد إلى سيطرة الحكومة، وعدد قليل، إن وجد، في المنطقة يشهد بها كدولة قومية فاعلة. وأيا كان ما قاله زعماء دول الخليج العربية علنا، فإن الغالبية نظرت إلى اليمن كمجموعة فضفاضة من مناطق الحكم الذاتي أو حتى مستقلة، يجمعها فقط الخطوط المرسومة على الخريطة. وطالما بقيت مشاكل اليمن محصورة في تلك الخطوط، فيمكن للمملكة وحلفائها الانخراط مع القيادة اليمنية، وخاصة حكومات الرئيس «علي عبد الله صالح» والرئيس المؤقت «عبد ربه منصور هادي» لمناقشة الحلول، ولكن هذا هو الحال لم يعد كذلك.

العودة إلى الماضي

ويمثل التدخل الحالي في اليمن العودة إلى النماذج السياسية والأمنية الاستراتيجية الماضية. بل هو إعادة تأكيد من قبل المملكة العربية السعودية، وإلى حد أقل شركائها في الخليج، أن التوازن بين مراكز القوة السياسية والعسكرية المتعددة في اليمن هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها تحقيق قدر من الاستقرار وأن غزوا آخر للمناطق السنية من قبل العناصر الزيدية على شاكلة ما حدث في 1994 لن يترك دون أن يقاوم. إنه تأكيد على أن المفهوم الغربي للدولة القومية المركزية، الأقل ديمقراطية،لا يتفق ببساطة مع الحقائق على أرض الواقع في اليمن. كما أنه يمثل اعترافا من دول الخليج أن مشاكل اليمن لا يمكن حلها لكن يمكن احتواؤها فقط، وهذا التدخل من قبل الدول خارج منطقة الخليج العربي لا يمكن السكوت عليه.

منذ عام 1932، والمملكة العربية السعودية تعارض الوحدة اليمنية، معززة حقيقة اليمن المتعدد. وقد دعمت المملكة الحكم الذاتي للقبائل المحلية وقاومت محاولات التوحد السياسي، لا سيما تحت راية القومية العربية العلمانية. فتحت حكم الأئمة «يحيى» (1904 – 1948)، و«أحمد» (1948 – 1962) احتفظ الرياض بالنفوذ بين القبائل اليمنية، وحت في فترة غزو اليمن في الثلاثينيات لتأكيد هذا النفوذ في المناطق الحدودية. من عام 1962حتى 1972، أي خلال الحرب الأهلية في اليمن وتداعياتها المباشرة، أثبتت المملكة أن قوة خارجية، في هذه الحالة مصر تحت حكم «جمال عبدالناصر»، لن يُسمح لها بتوطيد السلطة على حدودها الجنوبية الغربية. وبالنسبة للحلفاء اليمنيين لجمهورية «عبدالناصر»، كشف السعوديون أن السبيل الوحيد للخروج من الفوضى السياسية والعسكرية مر عبر الرياض.

بعد عام 1972، انخرطت المملكة في تقويض النفوذ السوفياتي والكتلة الشيوعية في كل من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الشعوب الديمقراطية في اليمن. كانت الاستراتيجية لمنع أي توحيد للقوى السياسية والعسكرية في اليمنين ما قد يهدد المملكة. تمت مواصلة هذا النهج بإصرار، ما أسفر عن مجموعة من السياسات الانتهازية التي أطالت حكم الأئمة وعبدالناصر والسوفييت وغيرهم.

وفي وقت مبكر من فترة التسعينيات خلال القرن الماضي، واصلت المملكة العربية السعودية معارضة الوحدة اليمنية باعتبارها تهديدا محتملا للمملكة. وبشكل أكثر تحديدا، لقد غضب القادة السعوديون من دعم الرئيس «صالح» لـ«صدام حسين». وفهم مسؤولون سعوديون كبار أيضا هذه الاختلافات الجوهرية القائمة بين المجتمعات في شمال اليمن الزيدية وهؤلاء في اليمن الشرقي والساحلي. وعندما اندلعت الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب في عام 1994، قامت الرياض بدعم الجنوب ونائب الرئيس السابق «علي سالم البيض» ضد الزيديين في الشمال بقيادة الرئيس «صالح» والمتعاطفين الجنوبيين مثل «هادي». وفتح انتصار الجيش الشمالي الباب أمام وجود تنظيم القاعدة في شرق وجنوب اليمن كحليف في المقاومة السنية ضد الهيمنة الشمالية. وللمرة الثانية يأتي السعوديون داعمين التوازن القائم، والذي يعكس الواقع القبلي والطائفي، في حين قامت الولايات المتحدة بملاحقة فكرة أن الدولة القومية الموحدة التي يديرها «صالح» يمكن أن تصبح حصنا للاستقرار والديمقراطية.

لماذا تحولت السعودية من موقفها المضاد لـ«صالح» إلى دعم «صالح»، والآن تعارض «صالح» وحلفاءه الحوثيين؟

في مطلع التسعينيات؛ أسس «حسين بدر الدين الحوثي» و«مجد الدين المؤيدي»، و«صالح الفالح» ما يعرف بـ«حزب الحق»، أو «حزب البعث الزيدي». وفي كثير من النواحي، كان «حزب الحق» استجابة زيدية لظهور الأحزاب السياسية المتنافسة في اليمن الموحد حديثا. ودعم «صالح» بدوره تشكيل الحزب، معتبرا إياه ثقل موازن لحزب التجمع اليمني للإصلاح واتحاد قبائل حاشد التي يتزعمها «عبد الله بن حسين الأحمر» والتأثير السعودي. ومن المفارقات، أنه على مدى السنوات العشر المقبلة فإن كلا من الرياض ونظام «صالح» يعتمد على «المؤيدي»، ممثل القيادة الزيدية التقليدية، نظرا لما يمتلكه من قدرة على تخفيف حدة التشدد المتزايد في عائلة الحوثي.

وبحلول عام 2000، أشار النفوذ السياسي المتراجع للمؤيدي إلى تراجع الزعماء الدينيين التقليديين الزيديين والتعصب المتنامي للنزعة الإحيائية. وفي نهاية المطاف مهدت وفاته الطريق لصعود القيادة المتشددة الحوثية، بلا قيود، من خلال حركة الشباب المؤمن وبعد ذلك أنصار الله. ومن الفرص التي لاحت للرياض أن هيمنة الحوثيين أثارت شبح كيان حزب الله اللبناني، فاتحة قنوات للنفوذ الإيراني في الجوار المباشر. أما بالنسبة لـ«صالح»، فقد رأت المعارضة أن بزوغ نجم الحوثيين فرصة لاستعادة الدعم السعودي واستخدام النفوذ السعودي داخليا.

وفي عام 2004، بدأت حكومة «صالح» حملة على الحوثيين. وفي يونيو/حزيران 2004، اعتقلت قوات «صالح» الأمنية 800 من الحوثيين في مسجد «صالح» بصنعاء، وأصدر الأمن مذكرة اعتقال بحق «حسين بدر الدين الحوثي». وأدى ذلك إلى إشعال فتيل الثورة. وفي سبتمبر من ذلك العام، قتلت قوات الأمن «حسين»، لكنها فشلت رغم الجهود المضنية المبذولة في قمع التمرد. وأدت العلاقات الحقيقية والمتصورة بين حركة الحوثي الزيدية وإيران إلى زيادة الدعم السعودي لحكومة «صالح» والكيانات الأخرى مثل حزب التجمع اليمني للإصلاح السني  وبني الأحمر. وخلصت الرياض إلى أنه بالمقارنة مع إحياء الشيعة والتدخل الإيراني، فقد كان الدعم لحكومة «صالح» هو الأفضل.

الربيع العربي

لقد أسقطت ثورات 2011 – 2012 «صالح». وكان مسؤولون سعوديون في حالة من الرعب وهم يراقبون الوضع، وكان هذه المرحلة التي بادرت فيها السعودية بتبني فكرة التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض. وأيدت الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى بقوة ما يسمى بـ«خطة المصالحة» لإنشاء دولة فيدرالية خالية من نفوذ «صالح» الذي احتفظ بالحكومة المركزية في ظل نائب الرئيس السابق «هادي». ويستند الدعم السعودي للخطة على فكرة نتيجة الفيدرالية التي تزخر بمناطق الحكم الذاتي، وهذا يمثل عودة إلى الموقف السعودي التقليدي. وعلى الرغم من مشاركتها في هذه المفاوضات 2012 – 2014، فإن وجهة نظر السعوديين لخطة المصالحة تعكس دائما درجة عالية من الشك حول فرص نجاحها.

لقد وُلدت جهود المصالحة ميتة بشكل ما، ولكن الأمر استغرق عامين من الولايات المتحدة لتبدأ في التعامل مع حقيقة أن مصالح الفصائل المتعددة كانت ببساطة متنوعة جدا لأي اتفاق متماسك. وما زاد الأمور تعقيدا، هو أن «صالح» كان لا يزال قوة سياسية في اليمن، على الرغم من إصابته بجروح بالغة في محاولة اغتيال عام 2011. وفي رأيه، لقد خانته الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية و«هادي». ولذلك فقد تحالف مع الحوثيين، واستخدم نفوذه في الجيش لأول مرة للسماح بالتوسع الحوثي في ​​صنعاء، ومن ثم دعم التوسع الحوثي الزيدي في المناطق السنية التقليدية. وسواء أكان ذلك مجرد انتقام أو مسرحية أخرى من أجل السلطة، فإن تحالف «صالح» مع الحوثيين الزيديين كشف عن الوضع السياسي للرياض. وكان «صالح» حاليا في الدور التقليدي بصفته العدو، والحوثيون كانوا وكلاء إيران الذين عليهم أن يتوقفوا. وبعد أن فقدت وساطة الولايات المتحدة مصداقيتها، كان الباب مفتوحا أمام الرياض لأخذ زمام المبادرة والعودة إلى السياسات التقليدية المتعلقة باليمن.

إدارة الصراع

السعودية ودول الخليج العربية قلقة من سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران (وخاصة المفاوضات النووية الجارية) والعراق وسوريا والبحرين علاوة على تقويض مصداقية الولايات المتحدة كلاعب رائد في اليمن. تردد إدارة «أوباما» بالاعتراف بمستوى التدخل الإيراني أدى إلى اتخاذ قرار في الرياض بمتابعة السياسات والمصالح الخاصة، والضغط على واشنطن للحصول على دعم. ونجحت المملكة في تحريك الولايات المتحدة وحلفائها العرب نحو سياسة جديدة، أكثر عدوانية في اليمن، وتتم العودة إلى الأساسيات السياسة، ما يضمن أنه لا قوة خارجية، خاصة إيران، تجد فرصة لإقامة قاعدة نفوذ هناك.

وتدعم المملكة الحكم الذاتي والإقليمي والقبلي حتى الاستقلال في الجنوب باعتباره الأمل الوحيد لخلق بعض الاستقرار. ويعرف الرياض أن «صالح» يستخدم نفوذه مع الجيش لتسهيل مكاسب الحوثيين، ولكن يعرف القادة السعوديون أيضا أنه يمكن أن ينقلب على حلفائه الحوثيين. وتجاوزت حركة الحوثي الزيدية الخط الأحمر السعودي عندما حصلت على الدعم الإيراني، وهي تدفع الثمن الآن. ولكن لا يزال من الممكن التوصل إلى حل وسط واستعادة علاقات ما قبل عام 2000 مع الرياض. وبعد كل شيء، فقد كان الدعم السعودي للقبائل الزيدية هو الذي وضع المصريين في مأزق وحرج خلال الستينيات من القرن المنصرم، ما جلب مشروعات الرعاية الصحية الرئيسية وغيرها من المشاريع إلى محافظة صعدة في السبعينيات، وساعدت في التسعينيات في الحفاظ على السلام من خلال تسهيل علاقة عمل مع زعماء الزيدية التقليديين مثل «المؤيدي»، والذي قلل التشدد بين القبائل الزيدية الشمالية.

ويقدم المشهد المشتت لليمن إمكانية قوية للمملكة العربية السعودية تحقيق الأفضلية منذ وقت طويل فيما يتعلق بالتوازن بين الجماعات المتنافسة التي تعكس الاختلافات القبلية والسياسية والطائفية.

ويبقى أن نرى ما إذا كان «سلمان» سيظهر المثابرة التي أظهرها الملك «فيصل» من 1962-1972، ولكن نظرا للأهمية الحاسمة التي توليها المملكة إلى اليمن، فإن التهديد الإيراني المتصور والحسم الذي مارسه «سلمان» حتى الآن، فينبغي على المراقبين أن يتوقعوا استمرار الجهود السعودية حتى يعلن اليمنيون عن توصلهم لحل وسط. وسوف تكون الإدارة السعودية للصراع في اليمن عبارة عن عملية سلسة طويلة الأمد تنطوي على مجموعة من السياسيين والعسكريين والاستراتيجيات الاقتصادية. الحملات العسكرية ووقف إطلاق النار والتصريحات الكبيرة والقادة الحاليون بحاجة إلى يكون لهم وزن ضد السياق التاريخي للسياسة السعودية وواقع اليمنين المتعدد.

المصدر | روبي باريت – ميدل إيست آي
عرض التعليقات
تحميل المزيد