بعد أن حسم البرلمان الباكستاني مشاركة بلاده في عملية “عاصفة الحزم” التي تقودها السعودية ضمن تحالف عربي مشترك أواخر الشهر الماضي، ضد معاقل الحوثيين في اليمن، وأعلنت التزامها الحياد، بدأت تثار جملة من التساؤولات حول الأسباب الكامنة وراء هذا القرار، وتداعياته على دول الجوار.

ورفض باكستان جاء بعد مشاروات سياسية امتدت لبضعة أيام، وارتفاع أصوات داخل الأوساط الباكستانية بتحييد البلاد عن الدخول في معترك الأزمة اليمنية المتفاقمة، حفاظًا على بقاء المصالح المشتركة بين إيران والسعودية.

فلماذا رفضت باكستان إرسال قوات برية في اليمن؟ وهل تخشى باكستان في حال انضمت للعملية البرية اندلاع حرب طائفية؟ لا سيما وأنها دولة سنية، على الرغم من وجود أقلية شيعية لها نفوذ سياسي داخلي وخارجي؟ وما أبرز مصالحها المشتركة مع السعودية وإيران؟ وما موقع أفغانستان من الصراعات الدائرة؟

أولًا: ما أسباب رفض باكستان إرسال قوات إلى اليمن ضمن عملية «عاصفة الحزم»؟

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف خلال زيارته لنظيره الباكستاني سرتاج عزيز

في البداية ترى باكستان أن “عاصفة الحزم” خرجت عن مسارها الطبيعي، وجماعة “الحوثي” في اليمن، لا يملكون أسلحة متطورة يقاتلون بها دول الخليج العربي، كما ادعت السعودية، لذلك جاء حسم البرلمان الباكستاني بعدم المشاركة، ومن أهم أسباب الرفض:

1- الانضمام إلى التحالف الذي تقوده السعودية قد يؤجج الصراع الطائفي في الداخل؛ حيث يمثل الشيعة نحو خمس السكان، كما أن الهجمات على الشيعة تتزايد مما يزعزع بشكل أكبر استقرار باكستان المسلحة نوويًّا، والتي يبلغ عدد سكانها 180 مليون نسمة.

2- تدخل باكستان قد يؤدي إلى إثارة غضب إيران الشيعية التي تتقاسم معها حدودًا طويلة مليئة بالثغرات في منطقة تعاني من تمرد انفصالي، حيث تشترك باكستان في حدودها الرئيسية الأخرى مع عدوها اللدود الهند وأفغانستان.

3- الاقتناع بالرسالة الإيرانية التي حملها معه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى إسلام آباد في ظل عملية “عاصفة الحزم”، والتي تقول إن المواجهة العسكرية في اليمن ستحمل مشاكل خطيرة إلى المنطقة بأجمعها، ولن يكون أي بلد بمنأى عنها.

4- يدرك الباكستانيون جيدًا أن المناوشات الحدودية مع إيران يمكن أن تتخذ مسارًا تصاعديًّا خطيرًا ينبئ بمواجهات شرسة لا تصب في مصلحتهم، خصوصًا في ظل الفورة السياسية الإيرانية وتقبّل الغرب لها.

5- ترى باكستان أن الأراضي السعودية لا تتعرض لخطر إيراني، وبالتالي لا موجب لباكستان للتدخل عسكريًّا وفق التزام مسبق بحماية هذه الأراضي من أي اعتداء، فضلًا عن أن اليمن بعيد نسبيًّا عن باكستان، بينما إيران أقرب.

6- لا تريد باكستان تفويت فرصة نادرة للحصول على الغاز من إيران، كما أنها لا ترغب حتمًا في إغضاب المارد الصيني حول هذا الموضوع، لا سيما وأن الاتفاق الصيني- الباكستاني بات حاضرًا لبناء بكين خط أنابيب لنقل الغاز يكون بديلًا أو مكملًا للأنبوب الحالي بين إسلام آباد وطهران.

7- وأبرز ما يراه المراقبون أن خروج باكستان من حلبة الصراع الدائر في اليمن، يعني أنها قدمت للسعودية بابًا للخروج المشرّف مما أسماه البعض “المستنقع اليمني”، لأن الرياض غير قادرة، وباعتراف الجميع، على الحسم العسكري في اليمن.

ثانيًا: ما طبيعة الوجود الشيعي في باكستان وأفغانستان، وعلاقته بالصراعات الجارية؟

عناصر من حركة طالبان في أفغانستان

الوجود الشيعي

يشار إلى أن نسبة المسلمين في باكستان تبلغ 97%، والباقي من الهندوس والمسيحيين والبوذيين وقليل من السيخ والشيوعية، وأغلب المسلمين من أهل السنّة ونسبتهم 74% من أتباع المذهب الحنفي.

ويشكل الشيعة في هذا البلد نسبة الربع تقريبًا من العدد الكلي للسكان، وينتشرون في كل مناطق البلاد مثل لاهور ومولتان وجهنك وغيرها، وبالتالي لهم أثر كبير في المجالات السياسية والاقتصادية والفكرية وإن كانوا أقلية.

أما أفغانستان، فيعتنق 10-19% من السكان المذهب الشيعي وأغلبهم من الاثني عشرية الذين ينتمون إلى قبيلة “هزارة”، ولا بد من الإشارة إلى أنها منطقة صراع بين السعودية وإيران، فالأولى دعمت المجاهدين “حركة طالبان” الأفغان في حربهم مع الاحتلال السوفيتي، وطالبان باتت لاحقًا خصمًا لإيران بالمعنيين الطائفي والسياسي.

وبعد الحرب على أفغانستان والتي بدأت عام 2001م، باتت الجارتان الإيرانية والسعودية لاعبين رئيسيين يصعب تجاوز أي منهما لبناء الاستقرار في هذا البلد، خاصة وأن الانسحاب الأمريكي زاد حدة التنافس بين إيران والسعودية.

أولًا: باكستان

العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز في استقبال نظيره الباكستاني محمد نواز شريف

ومما لاشك فيه، أن كل من باكستان وأفغانستان تأثرتا تأثرًا مباشرًا بالصراعات الجارية بالمنطقة العربية لا سيما القريبة منهما، والتي كان آخرها اليمن، حيث تعد إيران وباكستان لاعبين سياسيين مهمَّين في آسيا، وللدولتين حدود مشتركة؛ فضلًا عن تأثيرهما وتأثُّرهما الكبيرين بتطوُّرات الساحة الإقليمية والدولية، وتبدو العلاقة بين الدولتين مرتكزة على مصالح كثيرة.

وشهدت العلاقات بين البلدين توترًا غير مسبوق مع مجيء حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان في التسعينيات من القرن العشرين، وهي الحركة التي أعلنت عداءها للشيعة وإيران، ورأت إيران أنها حكومة معادية.

إلى أن تشابكت المصالح السياسية والاقتصادية بين البلدين، بدرجة شجعت البلدين على تجاوز التوتر الحدودي بتوقيع اتفاق عام 2014م، لذلك فإن الطرفين يُبديان حرصًا عاليًا على تجنُّب أيّ تصعيد حدودي، وهو ما يفسر رفض باكستان المشاركة في عملية “عاصفة الحزم”.

حتى إن باكستان تبدي استعدادًا لتبادل المعلومات مع إيران، وعقد اجتماعات منظمة لإقرار الأمن على الحدود، إلى جانب متانة العلاقات التجارية والاقتصادية بينهما، فالأولى تعتبر سوقًا مهمَّة لاستهلاك غاز إيران؛ التي تمتلك ثاني أكبر مخزون من الغاز في العالم.

أما بالنسبة للسعوديين، كانت باكستان دائمًا حليفًا حيويًّا، تقدم أسلحتها العسكرية والنووية كوسيلة لتوفير الحماية للمملكة، وفي المقابل، قدمت السعودية مساعدات مالية كبيرة للجيش الباكستاني.

وباكستان التي تملك جيشًا يعتبر من أكبر الجيوش في العالم هي الدولة المسلمة الوحيدة التي تملك أسلحة نووية؛ مما جعلها مميزة في نظر السعودية، وهذا ما يفسر التقارب السعودي الباكستاني مؤخرًا، فيما يتعلق بالتعاون في المجال النووي بينهما.

ثانيًا: أفغانستان

رئيس الوزراء الأفغاني السابق ورئيس الحزب الإسلامي «قلب الدين حكمتيار»

لدى الأفغان لغة مشتركة مع إيران وتعتمد عليها لتحقيق التنمية الاقتصادية، حيث ما يقرب من 2 مليون لاجئ أفغاني يقيم في إيران، ويعتقد العديد من الأفغان أن التقارب بين الولايات المتحدة وإيران سوف يعيد الدور الإيراني التقليدي في المنطقة، وسوف يعفيهم من قبضة باكستان باعتبارها الطريق والمنفذ التجاري الوحيد.

ولم تشهد العلاقة بين الشعبين الأفغاني والسعودي أي ضعف ولا خلل عبر التاريخ، خاصة وأنها اشتدت وبلغت قمتها أيام الجهاد الأفغاني ضد قوات احتلال الاتحاد السوفيتي السابق، حيث وقفت السعودية بكل قوة إلى جانب المجاهدين الأفغان حتى تم دحر الاستعمار وتحرير البلاد من الاحتلال السوفيتي.

ويعتقد الزعماء السياسيون والدينيون في أن الحركات الراديكالية السُنية، مثل طالبان، تُشكّل عقبة طبيعية في نشر مذهب الشيعة الثوري في المنطقة، لذلك كانت المملكة من بين الدول التي اعترفت رسميًّا بنظام طالبان في عام 1996م، وتقديم مزيد من الدعم لها.

وثمة من يرى أن مستقبل الاستقرار في أفغانستان يعتمد على قرار حكومة الوحدة الوطنية، وبالتالي فإن المشاركة في “الغزو” البري لليمن من شأنه تفكيك حكومة أفغانستان ورد فعل عنيف من إيران.

وفي المقابل فإن رفضها لأن تصبح جزءًا من التحالف السُني الأوسع سيكلف كابول عملية السلام والعزلة السياسية من التحالف الذي تقوده السعودية، حيث إنها تنأى بنفسها عن الدخول في الصراع الطائفي الدائر في اليمن، وفقًا لتجارب سابقة معها.

بالنسبة لإيران، فإن العلاقات مع أفغانستان تحكمها تحديات كثيرة، أهمها تهريب المخدرات، والهجرة غير الشرعية، وغياب الأمن عن المناطق الحدودية، ومهاجمة النقاط الأمنية الحدودية، وهي أكبر عبء أمني على إيران.

وكما أن حركة طالبان لها امتداد قوي في أفغانستان، وتنظر لإيران على أنها معادية، كما نظرة باكستان، إذ تخشى إيران من توسع نفوذ طالبان داخل أفغانستان، خاصة على الحدود بينهما، والتي تشهد توترًا منذ سنوات طويلة.

ومع دخول عملية “عاصفة الحزم” ضد الحوثيين في اليمن، دعمت أفغانستان بقوة العملية، وأبدت استعدادها لإرسال قوات إلى السعودية لمواجهة التدخل الإيراني، حيث أعلن الرئيس الأفغاني «أشرف غاني» عن دعمه للعمليات العسكرية التي يقودها التحالف العربي المشترك.

هذا الدعم جاء أيضًا على لسان رئيس الوزراء الأفغاني السابق ورئيس الحزب الإسلامي «قلب الدين حكمتيار»، وهو ثاني أكبر جماعة مقاومة قاومت القوات الأجنبية في أفغانستان.

ويتهم الحزب إيران بأنها السبب وراء الاضطراب الحالي في اليمن، لا سيما وأنها تدخلت من قبل في أفغانستان والعراق ولبنان والآن بدأت تتدخل في اليمن، لذلك دخول أفغانستان دائرة الأزمة اليمنية، وتشكيل تحالف سُني أوسع للتدخل العسكري ضد الحوثيين في اليمن، قد يثير العنف الطائفي في باكستان وأفغانستان، وهو ما تخشاه إيران.

ثالثًا: ما تداعيات الصراع الطائفي في المنطقة على العلاقة بين السعودية وإيران؟

عناصر مسلّحة تابعة للجبهة الإسلاميّة في سوريا

فتحت الأزمة السورية المتواصلة من خمس سنوات ملفات الصراع الطائفي بين المتخاصمين: السعودية، وإيران، وتمويل كل واحدة منهما طرفًا على حساب الآخر، الأمر الذي أشعل حربًا طائفية داخل سوريا والعراق وأفغانستان وباكستان، وامتدت تداعياتها إلى طرفي الصراع، ودول أخرى.

وبالتالي، امتدت الحرب بالوكالة في سوريا بين إيران والتحالف السُني بقيادة المملكة العربية السعودية إلى العراق، والظهور السريع لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) هو نتيجة مباشرة لهذا الصراع الطائفي.

“فيلق الحرس الثوري الإسلامي” الإيراني يجنّد اللاجئين الأفغان الشيعة للقتال في سوريا ويعدهم برواتب شهرية تبلغ 500 دولار بالإضافة إلى أوراق إقامة إيرانية، وهو ما أثار غضب السعودية، التي تدعم أحزابًا معارضة للنظام السوري.

وظاهرة المقاتلين الأفغان الشيعة الذين يحاربون إلى جانب بشار الأسد لا تعتبر تطورًا جديدًا، بل إن انخراطهم المتزايد في الحرب يستدعي تمحيصًا أدق نظرًا إلى تداعياته المحتملة على سوريا ومستقبل طموحات إيران الإقليمية والطائفية.

وينحدر المقاتلون الشيعة الأفغان في سوريا من ثلاثة أصول رئيسية، أولها هي الوحدة التي كانت موجودة بالفعل في سوريا قبل اندلاع الحرب، والتي يسكن عددٌ من أفرادها بالقرب من مرقد السيدة زينب- مزار شيعي بارز في جنوب دمشق.

أما الوحدة الثانية من المقاتلين الشيعة الأفغان فتنحدر من إيران؛ وهم بالأصل لاجئون، فيما الثالثة هي جماعات اللاجئين في بلدان من غير إيران وسوريا.

وأكد مراقبون أفغان أن إيران تجند اللاجئين الأفغان، وتستغل حاجة الأفغان الفقراء وتغريهم برواتب تصل إلى 500 دولار مع الإقامة الدائمة فيها حال ذهابهم إلى سوريا للقتال بجانب جيش بشار.

في المقابل، ترفض إيران الاتهامات الأفغانية لها بتجنيد مواطنيها وإرسالهم إلى سوريا، إذ أصدرت السفارة الإيرانية لدى كابول بيانًا نفت فيه تجنيد الأفغان في سوريا، وشددت على أن إيران تندد بالتدخل الأجنبي في سوريا.

ووفقًا لتقارير الداخلية الإيرانية، وإحصائيات مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين، نقلًا عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن ما يقارب مليونين و400 ألف لاجئ أفغاني يقيمون على الأراضي الإيرانية.

ويركز النظام الإيراني على تجنيد “الشيعة الهزارة” في معسكرات الحرس الثوري في شمال طهران ومعسكرات فيلق بدر العراقي “الشيعي” في الأحواز، مقابل منح بعضهم الجنسية السورية وتوطينهم بشكل رسمي بسوريا.

ويذكر أن الشيعة الأفغان يعيش أكثرهم بدون إقامة قانونية داخل إيران، وتعد إيران أكبر دولة بالمنطقة يتواجد فيها الشيعة اللاجئون الأفغان، حيث يعمل الشيعة داخل إيران بصورة غير شرعية في المحلات التجارية وشركات البناء بمبالغ مالية زهيدة بسبب وجودهم غير الشرعي.

وولد هذا التجنيد خشية من إشعال حرب طائفية في المستقبل داخل أفغانستان، إذا أرادت إيران نقل المقاتلين الأفغان من سوريا إلى أفغانستان، لوجود مَن يدافع عن السياسات الإيرانية بينهم ومَن يعارضها، بالإضافة إلى تأثير المراجع الشيعية الأفغانية المقيمة في إيران عليهم.

أما أفغانستان التي تنظر حركة طالبان السنية لها ما يجري للسنة في سوريا بأنه اضطهاد لهم، فإنها أرسلت مقاتلين ذوي خبرة في القتال العسكري إلى سوريا ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وللدفاع عن السنة.

حتى إنه أقيم لهم مقرات عسكرية داخل سوريا بإشراف المقاتلين من أصول شرق أوسطية الذين قاتلوا في السابق في أفغانستان، والذين انتقلوا في السنوات الأخيرة إلى سوريا، لرصد طبيعة ما يجري.

وحصلت الخلية قبل عامين، حسب موقع “البي بي سي” على موافقة الفصائل المسلحة داخل وخارج حركة طالبان- باكستان، المعروفة محليًّا باسم “تحريك طالبان- باكستان”، وهي مظلة للجماعات المسلحة التي تقاتل القوات الباكستانية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد