لم يعد الصراع بين السعودية وإيران، كدولتين تؤثران في الساحة العربية والدولية وليد اليوم، فلطالما شهدت العلاقات بينهما توترًا كبيرًا، خاصة بعد قطع الأولى علاقتها الدبلوماسية مع الثانية عام 1988م.

لكن، مع جملة المتغيرات التي تعصف بالمنطقة، والصراعات الدائرة في سوريا واليمن والعراق، وحتى لبنان، زادت حدة التنافس و”الحرب الباردة” بين الطرفين، وأخذت كل واحدة تستعرض قوتها على الأخرى.

سقوط اليمن في يد الحوثيين، وتوجيه أصابع الاتهام إلى إيران، كداعم رئيس لهم، وفشل السعودية في توجيه سياساتها في اليمن، كونها تلفظ التدخل الإيراني والحوثي، ولم تعد قادرة على السيطرة عليه، أعاد للأذهان خارطة الصراع بين الغريمين في المنطقة.

“ساسة بوست” تستعرض أبرز نقاط الخلاف ببن السعودية وإيران في المنطقة، وانقلاب الحوثيين الأخير وعلاقته بالمنافسة بينهما، فضلاً عن تأثير انخفاض أسعار النفط الأخيرة من قبل السعودية على إيران، والأزمات المتلاحقة في بلاد سوريا والعراق ولبنان، كمحددات للصراع الجاري بينهما.

انقلاب الحوثيين في اليمن وصراع التنافس الإيراني السعودي

خلال سيطرة الحوثيين على مقر الرئيس اليمني

فتحت سيطرة الحوثيين على القصر الرئاسي في اليمن الباب أمام العديد من الأسئلة، في ظل جعل الأراضي اليمينة ساحة صراع وتنافس بين السعودية وإيران، لا سيما حينما وجهت أصابع الاتهام إلى إيران بأن ما قامت به رد فعل أولي على تمادي السعودية في انخفاض أسعار النفط.

وثمة من يرى أن سقوط اليمن، جاء بعد موجة من الخلافات والتهديدات بين السعودية وإيران حول انعكاسات انخفاض أسعار النفط، وتعنت السعودية ضد إيران، خاصة وأن الرئيس الإيراني حسن روحاني قد أكد في رسالة له قبل أسبوع أن الدول التي تقف وراء انخفاض أسعار النفط العالمية ستندم على قرارها.

رئيس إيران قال إن الدول المسئولة عن انخفاض أسعار النفط ستندم، بسبب تأثر الحزانة الإيرانية بانخفاض الأسعار، وذلك تسبب في ضغط اقتصادي على صانع القرار في طهران الذي أصبح محجمًا بقدرات مالية محدودة.

 

ويرى مراقبون أن الرياض شرعت في نقل الصراع الإقليمي مع طهران إلى أسواق النفط العالمية، بحيث أجرت السعودية في الفترة الماضية تخفيضات على أسعار نفطها العربي الخفيف في الأسـواق الآسيوية، ما اضـطر إيـران معـه إلى إجراء تخفيضات مماثلة على نفطها الخفيف القريب في جودته من النفط السعودي للمحافظة على حصّتها السوقية.

إضافة إلى أن مهمة الرياض في اليمن كانت من خلال دفع المال لجماعات وأشخاص يدينون بالولاء لها، وهي تنتهج هذا الأسلوب منذ عقود، وتترك الأمر للتناحر وللاغتيالات والحروب. وفي المقابل، لا تخطط، ولا ترسم استراتيجيات، ولا تؤثر في العمق، ولا تبحث ملفات، ولا تناقش سياسات.

فيما اعتمدت إيران في سياستها مع اليمن التواصل مع الجميع من دون استثناء، وعلى تقديم صورة الناصح المهتم الذي يلفت انتباه الجميع لأخطار أكبر – أخطار قومية- على عكس السعودية، التي تعمل على إضعاف الحلفاء، وتحويلهم إلى تابعين.

انخفاض أسعار النفط وتأثيره على العلاقة بين البلدين

إحدى مصافي النفط في السعودية “أرشيف”

كشف انخفاض أسعار النفط العالمية عن علاقة متوترة بين البلدين، في ظل عقوبات اقتصادية مفروضة على إيران بفعل برنامجها النووي، حيث لم يعد لدى النظام الإيراني قدرة على التحايل عليها وتحييدها أو التقليل من تأثيرها، فقد بدأت تتآكل خلال الآونة الأخيرة مع الانخفاض المثير في أسعار النفط.

ليس هذا فحسب، بل إن تفنن الغرب في وضع آليات ناجعة للرقابة والمتابعة والتحقق من تنفيذ تلك العقوبات على أرض الواقع، أسفر أيضًا عن تفاقم سخط الشعب الإيراني على نظامه على وقع التدهور الاقتصادي والمعيشي.

أمام الوضع الراهن، تؤكد السعودية بين لحظة وأخرى أنه من المستحيل قيامها أو “أوبك” بأي إجراء قد ينجم عنه خفض حصتها في السوق وزيادة حصص الآخرين، في وقت تصعب فيه السيطرة على الأسعار، فنخسر السوق، ونخسر الأسعار معًا.

لذلك، تؤكد المملكة مرارًا أن قرارها غير مدفوع بتوجهات سياسية، فإن طهران أعلنت تأجيل زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى الرياض، احتجاجًا على إحجام السعودية عن خفض إنتاجها من النفط، معتبرة أن الموقف السعودي أضر باقتصاد إيران، وأثر سلبًا على مساعي تحسين العلاقات الثنائية.

ويرى مراقبون، أن السياسة التي تتبعها السعودية اتجاه إيران تقوم على النفعية البراغماتية، فكلما كانت العلاقات السياسية مع الآخر متوافقة أدى ذلك إلى تنامي العلاقات الاقتصادية، والعكس صحيح.

لذلك فمن الطبيعي أن تمارس المملكة أية ضغوط اقتصادية تضعف القوى الإيرانية وتعطل تنفيذ خططها وبرامجها التوسعية، ولا سيما أن الملف النووي الإيراني ما يزال يلفه الغموض وما سينتهي إليه.

ويربط محللون سعوديون المواقف السياسية لبلادهم مع مصالحها الاقتصادية، مستشهدين بسيناريوهات مماثلة مثل ما حدث عام ١٩٧٣، حين قرر الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز وقف تصدير النفط إلى الغرب بسبب الدعم الأمريكي لإسرائيل في حرب أكتوبر/ تشرين الأول من ذلك العام.

حتى إن السعودية لديها قراءة واضحة حول مستقبل أسعار الطاقة حسب محللين، حيث جاء قرار عدم خفض الإنتاج، وجاءت مسألة تأثر الاقتصاد الإيراني والروسي نتيجة وليست هدفًا، علاوة على ضبط أسعار النفط المستقبلية، حيث تحقق الرياض مكسبًا إضافيًّا.

هذا المكسب تترجمه الرياض واقعًا اليوم، وهو ضرب الاقتصاد الإيراني الذي يعيش أسوأ حالاته؛ مما ينعكس سلبًا على المشاريع السياسية الإيرانية في المنطقة العربية وتدخلاتها المتكررة في الشأن الداخلي لدول المنطقة.

 

أبرز قضايا الصراع المختلف عليها بين الدولتين

الملك السعودي عبد الله بن آل سعود والقائد الأعلى للثورة الإيرانية على خامنئي

في السنوات الأخيرة الماضية، اندلع ما يسمى بـ”ثورات الربيع العربي” في دول عدة، لتشكل سوريا واليمن نقطة صراع جديدة في العلاقات السعودية الإيرانية، إضافة إلى العراق، ولبنان، وسوريا، حيث برز التنافس بينهما؛ مما أفرز توترًا وصدامًا.

سوريا، ولبنان، والعراق، هي أبرز محطات الصراع بين الدولتين، إضافة إلى فلسطين وأفغانستان، ومصر، والبحرين، ومنظمة الأوبك، وغيرها من الملفات.

  1. القضية الفلسطينية: ظهر التنافس على هذا الصعيد جليًا بعد أن ظهر الانقسام الفلسطيني واضحًا بين الاتجاه الرسمي الفلسطيني المتمثل في منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية والذي تدعمه المملكة العربية السعودية، والاتجاه الآخر الذي تمثله حركتا حماس والجهاد الإسلامي المدعومتان إيرانيًّا، إلا أن حماس بدأت بالتحرك باتجاه السعودية وقطر من خلال رعايتهما اتفاقي المصالحة في مكة والدوحة.
  2. البحرين: نقطة التوتر الدائم بين الرياض وطهران والتي ازدادت سخونة بعد تحرك المعارضة الشيعية في البحرين ودخول قوات درع الجزيرة وعمادها الرئيسي السعودية إليها في مارس/آذار 2011.
  3. اليمن: تتهم السعودية طهران بتمويل وتسليح ودعم التمرد الحوثي في محافظة صعدة شمالي اليمن، والذي امتد للاستيلاء على صنعاء وأخيرًا السيطرة على القصر الرئاسي واختطاف الرئيس هادي وممارسة ضغوط عليه، ويرتكز هذا الاتهام على كون الحوثيين من الزيديين الشيعة.
  4. أفغانستان: كانت وما تزال ساحة تنافس وصراع بين البلدين؛ فالسعودية دعمت المقاتلين الأفغان في حربهم مع الاحتلال السوفيتي، وطالبان باتت لاحقًا خصمًا لإيران بالمعنيين الطائفي والسياسي، وبعد الحرب على أفغانستان، باتت الجارتان الإيرانية والسعودية لاعبين رئيسين يصعب تجاوز أي منهما لبناء الاستقرار في هذا البلد، ومن المؤكد أن الانسحاب الأمريكي المرتقب هذا العام من أفغانستان سيزيد التنافس بين إيران والسعودية هناك.
  5. مصر: مع بدايات الربيع العربي كان للرياض دور رئيس في منع أي تقارب بين طهران والقاهرة؛ فإيران رأت في ثورة 25 يناير/كانون الثاني ووصول الإخوان المسلمين إلى الحكم هناك صحوة إسلامية وامتدادًا لثورتها الإسلامية.
  6. النفط وأوبك ومضيق هرمز: طرق نقل النفط كانت ساحة بارزة من ساحات هذه الحرب الباردة، وتهديد إيران المتكرر بإغلاق مضيق هرمز قابله دائمًا تلويح سعودي باستخدام سلاح النفط أو بزيادة إنتاجه للتغطية على ما قد ينقص من نفط إيران في الأسواق العالمية، بسبب تشديد العقوبات الغربية والدولية على إيران وصولاً إلى فرض حظر نفطي شامل عليها بسبب برنامجها النووي.

أما عن أكثر الدول التي باتت ساحة صراع بين الدولتين، فهي:

 

الجيش اللبناني خلال أحداث “عرسال” الأخيرة “أرشيف”

أولاً: سوريا:

ارتفع الجدال بين السعودية وإيران حول طبيعة الصراع الدائر حتى اللحظة في سوريا، فالأولى ترى أنها باتت أرضًا محتلة، بعدما دخلتها قوات أجنبية ممثلة في “ميليشيات” حزب الله وغيرها، مدعومة بقوات الحرس الثوري الإيراني ساهمت في قتل السوريين وبدعم غير محدود بالسلاح الروسي.

بيد أن نظيرتها إيران، تؤكد بين الفينة والأخرى أنها تقف بقوة إلى جانب نظام الرئيس السوري بشار الأسد ولن تسمح بأي تغيير يفرض من الخارج، أو حتى بفرض وصفة أجنبية على الشعب السوري.

ويرى مراقبون أن عقدة الأزمة السورية أصحبت من أكبر العقد التي تعترض طريق أي جهد لتحسين العلاقات الإيرانية السعودية، وما جاء على لسان الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني عن عزمه تحسين العلاقات لا يبدو موضوعيًّا، حيث ستكون أي علاقة حالية ومستقبلية بين الجارين العملاقين مرتهنة بالوضع السوري.

وبالتالي، فإن السعودية تعد من أهم الداعمين لمقاتلي المعارضة السورية، وطرف غير مباشر في الحرب الدائرة في سوريا عبر تزويد المقاتلين المناهضين لنظام الرئيس بشار الأسد بالسلاح والمال رسميًّا.

وما يفسر جدلية الصراع بين الطرفين، أن النظامين معًا يستمدان شرعيتهما من الدين، لكنهما يمثلان مذهبين إسلاميين متنافسين، المذهب الوهابي الذي هو دين الدولة الرسمي في السعودية، وهو مذهب سني متشدد، أما في إيران فيستند النظام الحاكم على المذهب الشيعي.

وترى الأوساط السعودية أن الصراع الراهن في سوريا هو امتداد للصراع والتنافس السعودي-الإيراني الذي بدأ بعد سقوط نظام الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين في عام 2003، ولعل إخراج سوريا من دائرة النفوذ الإيراني يبدو بالنسبة إلى السعودية ثمنًا ضروريًّا لمواجهة تأثيرات نجاح إيران في بناء نفوذ كبير لها داخل العراق.

لذلك، فإن الحرب الدائرة في سوريا هي انعكاس لصراع القوتين الإقليميتين على السلطة والنفوذ، إلا أنه يعتقد أيضًا بأن الصراع بين الدولتين ذو طابع اقتصادي أيضًا، فالسعودية تملك أكبر احتياطي من النفط في العالم، وإيران لها ثالث احتياطي نفطي في العالم.

ثانيًا: لبنان:

وضع لبنان يختلف جذريًّا، فلإيران دور حيوي عبر حزب الله، وهو في صلب التركيبة اللبنانية الداخلية أسوة بالقوى السياسية والطائفية الأخرى، وهي في موقف دفاعي في لبنان بعدما أصبح الحزب في نظر بعض الداخل اللبناني والدول الإقليمية عنصر تعطيل سياسي وأمني.

لكن السعودية تعمل في الاتجاه المعاكس لإيران، فهي تدعم الجيش اللبناني، وتعزز وجوده لإضعاف مخطط حزب الله بالهيمنة على لبنان، وتحويله إلى إمارة إيرانية، من شأنها مواجهة التنظيمات السنية “الإرهابية” التي جاءت من سوريا تركض وراء “حزب الله”.

وقد برهنت أحداث عرسال اللبنانية الأخيرة على أهمية وجود جيش قوي يوقف تدخلات “حزب الله”، الذي سعى للاشتباك مع الجماعات السورية المتسللة تحت علم الجيش اللبناني. كما برهنت التحديات العسكرية على مستوى الدولة، مما أثار غضب إيران، التي ترفض التدخل السعودي في لبنان.

ثالثًا: العراق:

العراق هي الأخرى، مكنها الصراع الجاري داخل أراضيها، بأن تكون مكانًا لتصفية حسابات دول أخرى مثل السعودية وإيران، وبالتالي انتقل الصراع من سوريا إلى أراضيها، وهو ما يقضي على الآمال في الوصول إلى حالة من التقارب بين الدولتين.

وترى إيران أن السعودية تقف وراء التقدم الذي أحرزه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام – المعروف بـ”داعش” في العراق، متهمة الرياض بتمويل جهاديين، مما يدفعها إلى التأكيد على عدم تحسن في العلاقات بينهما قريبًا.

وتقف إيران في العراق موقفًا مغايرًا لموقعها في سوريا ولبنان، فهي ليست في موقف دفاعي مكلف كما حالها في سوريا، بل في صلب القرار والتركيبة العراقية لكنها، ورغم ذلك، مضطرة إلى التعامل مع العراق على أنه واحد من الملفات الموضوعة على جدول أعمالها مع واشنطن.

ويصعب رسم ملامح واضحة للسياسة السعودية في العراق بسبب الطابع المتحفظ القائم على التكتم الذي تتسم به تلك السياسة، حيث إن السعودية لا تكن الكثير من الود للحكومة العراقية التي تهيمن عليها الأحزاب الشيعية على الرغم من تحسن العلاقات نسبيًّا مع رحيل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، على عكس إيران التي صارت تملك نفوذًا كبيرًا في العراق.

 

 

المصادر

تحميل المزيد