تحديث

لم تمض بضع ساعات على رحيل العاهل السعودي الملك «عبد الله بن عبد العزيز»، وقبل أن تبدأ مراسم الدفن والتشييع حتى سارع العاهل السعودي الجديد الملك «سلمان بن عبدالعزيز» إلى إصدار عدة مراسيم ملكية يبدو أنها ستثير جدلًا واسعًا الساعات القادمة..
أول هذه القرارات هو تسمية الأمير «محمد بن نايف» “وزير الداخلية” كولي لولي العهد الحالي الأمير مقرن بن عبدالعزيز، وتسمية الأمير «محمد بن سلمان بن عبدالعزيز» “نجل الملك الحالي” كوزير للدفاع ورئيس للديوان الملكي والإطاحة «بخـالد التويجري» رئيس الديوان الأسبق، في خطوات وصفت بأنها رغبة من الجناح السديري في إحكام قبضته على السلطة بتوجيه ضربة موجعة لجناح الأمير «متعب» نجل الملك الراحل ورئيس الديوان المعفي من منصبه «خالد التويجري».

 

أعلن الديوان الملكي السعودي في الواحدة من صباح اليوم الجمعة وفاة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبدالعزيز، على أن يبايع ولي العهد الحالي الأمير سلمان بن عبد العزيز ملكًا للبلاد مساء اليوم.

ونص بيان الديوان الملكي على مبايعة الأمير مقرن بن عبد العزيز وليا لولي العهد وبناءً على البند ( ثانيًا ) من الأمر الملكي رقم أ / 86 وتاريخ 26 / 5 / 1435هـ ، الذي نص على أن يبايع صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبدالعزيز آل سعود وليًا للعهد في حال خلو ولاية العهد، حيث  دعا الملك  الجديد «سلمان بن عبدالعزيز » ملك المملكة العربية السعودية  لمبايعة صاحب السمو الملكي الأمير «مقرن بن عبدالعزيز» وليًا للعهد.

1- الملك الجديد «سلمان بن عبدالعزيز»

 

ولي العهد السابق والذي تم الإعلان عن مبايعته ملكًا في أعقاب وفاة الملك عبدالله، يبلغ من العمر حوالي 79 عامًا، وينتمي إلى كتلة السديرين الواسعة النفوذ وهم أبناء (سبعة أبناء) وأحفاد الملك عبد العزيز من زوجته حصة بنت أحمد السديري، وإليهم ينتمي الملك فهد العاهل السعودي الأسبق (توفي سنة 2005)  إضافة إلى وليي العهد الراحلين الأمير سلطان (توفي سنة 2011) والأمير نايف (توفي سنة 2012)، وسوى سلمان الملك يتبقى من السديرين السبعة كل من الأمير عبد الرحمن بن عبدالعزيز “مستبعد من حسابات السلطة”، إضافة إلى الأمير أحمد بن عبدالعزيز وزير الداخلية الأسبق، الذي جرى تهميشه من قبل الملك عبد الله في إطار خطته لتمكين ابنه الأمير متعب بن عبدالعزيز.

تشير التقارير إلى أن الأمير سلمان مصاب بالخرف “الزهايمر” ويبدو غير قادر على القيام بمهام منصبه، ووفقًا للباحث بمعهد واشنطن سايمون هندرسون فإن سلمان يفقد تركيزه بعد دقائق من الحوار مع محدثه، لكنه يبقى بحالة بدنية جيدة ويرغب في الاحتفاظ بمنصبه، كما ترى العديد من مراكز القوى في العائلة أن وصول سلمان إلى السلطة قبل نجاح الملك عبدالله في الإطاحة به – لسوء حالته الصحية – لصالح الأمير مقرن ولي ولي العهد يعد إنجازًا كبيرًا، إذ يعيد الفرصة إلى الجناح السديري لإعادة ترتيب أوضاعه للإجهاز على السلطة من جديد بعد أن ساهمت محاولات الملك الراحل في تقليص نفوذهم.

2- الأمير أحمد بن عبد العزيز وزير الداخلية الأسبق

وزير الداخلية الأسبق (72 عام)، وصاحب نفوذ قوي داخل العائلة المالكة وبين القبائل في المملكة، جرى استبعاده من منصبه كوزير للداخلية في 5 نوفمبر من عام 2012، لصالح ابن أخيه محمد بن نايف، نجل الأمير نايف ولي العهد الأسبق، حيث تداولت أنباء في وقت ما أن اتفاقًا جرى بين الملك عبدالله وولي عهده الأمير نايف على حلف يقتسمان بموجبه السلطة وأبناءهما على أن يتم تهميش باقي أجنحة العائلة وأهمهم أبناء ولي العهد الأسبق، (بندر) استبعد العام الماضي من رئاسة الاستخبارات، و(خالد) و(سلمان) اللذان توليا منصب نائب وزير الدفاع تباعًا قبل أن يتم استبعادهما.

يعد الأمير أحمد هو التالي في ترتيب العمر بعد الأمير سلمان وبالتالي يعد هو الأولى نظريًا بولاية العهد من أخيه غير الشقيق الأمير مقرن “ولي العهد الحالي” لأسباب تتعلق بالسن والنسب، كما يتمتع بشعبية تفوق كثيرًا شعبية ولي العهد داخل العائلة المالكة وبين القبائل، كما سبق أن صرح أمراء أعضاء في هيئة البيعة (أبرزهم سعود بن سيف النصر بن سعود) حفيد الملك سعود عن تأييدهم للأمير أحمد لخلافة الملك الحالي (سلمان) في تجاوز ضمني للأمير مقرن، وترجح مصادر أن جناحًا داخل العائلة المالكة ربما يلجأ لإعلان تأييده للأمير أحمد لخلافة سلمان بدلًا من مقرن.

يبقى أحد السيناريوهات أن يتم الضغط على الملك سلمان لاستبعاد مقرن من ولاية العهد (لأي سبب ربما يكون بالتنازل) لصالح أخيه الأكبر (أحمد) خاصة وأن مقرن لا يتمتع بنفوذ قوي داخل العائلة بعد رحيل الملك عبدالله باستثناء من الأمير متعب بن عبدالله (نجل الملك الراحل) قائد الحرس الوطني، ورئيس الديوان الملكي – المرجح أن يتم استبعاده – خالد التويجري.

3- الأمير مقرن بن عبدالعزيز

ينظر المحللون بعين الريبة إلى وضع ولي العهد الحالي الأمير مقرن بن عبدالله في ظل عدم تمتعه برضا الأمراء النافذين في السلطة الجديدة في المملكة، ويتوقع أن يكون الأمير مقرن محل جدل خلال الفترة القادمة، ويبقى مصير الأمير أحمد بن عبدالعزيز معلقًا،إما بخلافة مقرن حال جرى استبعاده لأي سبب، أو أن تكون هناك تفاهمات ما قد جرت بين السديرين لإبعاده لصالح الأمير الشاب محمد بن نايف.

ولي العهد الحالي، والذي استحدث له الملك الراحل منصب ولي ولي العهد في مارس الماضي لأول مرة في تاريخ المملكة (يتم اختيار ولي لولي العهد)، وهو رئيس سابق للاستخبارات السعودية تم استبعاده سابقًا قبل أن يعيده الملك إلى منصب النائب الثاني لرئيس الوزراء وولي ولي العهد محتجًا بالحفاظ على تماسك العائلة بتعيين أصغر أبناء الملك عبدالعزيز بعد وفاة وليي العهد السابقين (سلطان ونايف).

ويصنف مقرن أنه ضمن الجناح الموالي للملك عبدالله مما لا يجعله مقبولًا بشكل كبير لدي السديرين، إضافة إلى تدني نسبه بالنسبة إليهم، ويعتبر مقرن بالنسبة للكثيرين مجرد قنطرة كان يهدف من خلالها الملك الراحل إلى تمرير السلطة إلى ابنه، بعد استبعاد الأمير سلمان (الملك الحالي) لأسباب صحية لتؤول السلطة لمقرن في مقابل أن يقوم مقرن بتعيين متعب ابن عبدالله كولي للعهد، ويرجح بشكل كبير أن تسهم وفاة الملك عبدالله في تقليص نفوذ الأمير مقرن وربما استبعاده لاحقًا.

قال المغرد السعودي مجتهد أن خبر إعلان الأمير سلمان بن عبدالعزيز ملكًا للملكة العربية السعودية، والأمير مقرن بن عبدالعزيز وليا للعهد تم بثه إلى الإعلام عبر مجموعة الأزمات التي تدير الديوان الملكي السعودي.

وأضاف مجتهد في تغريدة بثها فجر اليوم عقب الإعلان عن وفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز في الواحدة صباحا أن العديد من الآراء المتداولة داخل العائلة السعودية تتحدث عن عدم الإقرار ببيعة مقرن الذي اختير في المنصب المستحدث ولي ولي العهد السابق الأمير سلمان.

4- خالد التويجري

تم استبعاد التويجري من منصبه كرئيس للديوان بموجب المرسوم الملكي الصادر من العاهل السعودي الجديد صباح اليوم، وتعيين محمد بن سلمان (نجل الملك الحالي) خلفًا له

رئيس الديوان الملكي السعودي المقرب من العاهل السعودي الراحل، توسع نفوذه بشكل أغضب العديد من أمراء العائلة المالكة حتى بات يوصف بأنه (ملك الظل)، واتهمه بعض الأمراء بالسعي لـتأسيس (دولة تويجرية)، بدأ عمله السياسي كسكرتير للملك عبدالله منذ كان وليا للعهد قبل أن يعينه رئيسًا للديوان الملكي بدرجة وزير بعد أن تمت مبايعته ملكًا، أوكلت إليه مهمة الإشراف على الحرس الملكي وتطويره، كما تم تعيينه كأمين لهيئة البيعة، التي اتهمه أمراء بأن هو من اقترح على الملك إنشاءها لتعزيز نفوذه، خاصة بعد تصريحات متواترة لأمراء سعوديين عن غياب دور هيئة البيعة في اختيار ولي العهد والملك الحالي (الأمير سلمان) وولي ولي العهد (الأمير مقرن)، ومن قبلها ولي العهد الراحل الأمير نايف.


“الأمير طلال بن عبدالعزيز يتحدث عن تهميش هيئة البيعة”

يعتبر مراقبون التويجري العقل المدبر للملك الراحل وكاتم أسراره، ويعتبر التويجري مهندس التغييرات التي أجراها عبدالله لتمكين جناحه وابنه في السلطة على حساب أخوته السديريين، لذا يعتبر التويجري خصمًا للعديد من الأمراء النافذين في المملكة، سوى الأميرين مقرن بن عبدالعزيز ومتعب بن عبدالله والذي يشكل التويجري معهما مثلث السلطة في خطة الملك الراحل.

5- الأمير متعب بن عبدالله

قائد الحرس الوطني ونجل الملك الراحل، تم تعيينه كنائب رئيس للحرس الوطني في عهد الملك فهد قبل أن يعين رئيسًا للحرس مع وصول والده إلى السلطة، أما القفزة الكبرى فكانت في عام 2013 حين تقرر تحويل الحرس الوطني إلى وزارة كاملة لتكون بذلك المرة الأولى التي لا يكون فيها رئيس الحرس الوطني وليا للعهد، وتوسع نفوذ الحرس الوطني وقدراته ومهامه في عهد متعب حتى صار أشبه بكونه وزارة جديدة للدفاع.

حاول الأمير متعب توطيد نفوذه لدى الغرب وخصوصًا الولايات المتحدة لتعزيز حظوظه في الوصول للسلطة، توالت زيارات متعب للولايات المتحدة وأوروبا، كتبت في حقه عدد من المقالات الترويجية في الصحف الأمريكية آخرها مقال للكاتب روب سبحاني في جريدة واشنطن تايمز يطالب فيه إدارة الرئيس أوباما بتعزيز صلاتها بمتعب بوصفه الأكثر حظًا في حكم المملكة.

6-الأمير محمد بن نايف

وزير الداخلية الحالي واسع النفوذ والمعروف بصلاته القوية في الولايات المتحدة، يعتبر الكثيرون أن بن نايف هو رمانة الميزان في صراع السلطة بالمملكة لكونه يتمتع بصلات جيدة مع جميع الأطراف، فبصفته أبرز رموز جيل الأحفاد السديريين فإن فرصته في الوصول إلى السلطة كبيرة حال تمكن السديريون، ولكنه سيكون في حاجة لتجاوز عقبة عمه الأمير أحمد بن عبدالعزيز أولًا، وهو ما جعله يبدي قدرًا من المرونة مع خطط الملك عبدالله والأمير متعب، إلا أن المراقبين يؤكدون أن طموح محمد بن نايف لا يقل أن طموح متعب، وأن الصراع البارد بين أبناء العم سرعان ما سيظهر إلى السطح مع دخول المنافسة بينهما موضع الجد.

كيف يرى الغرب الخلاف على السلطة في المملكة؟

طبقًا لتقرير إنتليجانس أون لاين، فإن إدارة أوباما سعت جاهدة لتنصيب الأمير سلمان ملكًا وهو ما نجحت فيه بالفعل، ويبدو محمد بن نايف هو الحل المفضل لدى الولايات المتحدة لخلافة سلمان، حيث يتمتع بعلاقات قوية مع الاستخبارات المركزية الأمريكية، ويدير بتوجيهاتها الملفات في سوريا واليمن.

يذكر الباحث بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط، “سايمون هاندرسون”، أن رؤية محمد بن نايف الأمنية تتفق مع الرؤية الأميركية في ملف الإرهاب، وإن كان يختلف رؤية سلفه (بندر بن سلطان) في التعامل مع الإسلاميين عمومًا معترضًا على نهج السعودية في دعم المقاتلين الإسلاميين بهدف إسقاط نظام الأسد، خوفًا من تكرار تجربة أفغانستان بعد أن تولت السعودية وقتها تصدير الجهاديين لمحاربة السوفييت، وهو ما أفرز في النهاية تنظيم القاعدة، ويبدو أن مخاوف بن نايف قد صدقت مع صعود نجم داعش، وداخليًا يحظى بن نايف بشعبية كبيرة بين أبناء السعودية، فيعتبره البعض الأكثر شعبية من بين أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز بن سعود.

على الجانب الآخر يبدو أن متعب قد حسم دعم باريس لصالحه، وعندما زار وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو دريان، المملكة العربية السعودية في 4 يناير، دُعِي لرؤية متعب في المستشفى، وتدار العلاقة بين متعب وفرنسا عبر المستشار شديد التحفظ جورج فرانسيولي، رئيس شركة Eurocorp Consultants  للتصدير والتي تقع في البحرين، وتأمل فرنسا في تعزيز نفوذها في المملكة – وخصوصًا في العقود الاقتصادية – حال وصل متعب إلى السلطة، في حين لا يتمتع متعب بنفس العلاقة القوية مع واشنطن.

على الجانب العربي، يبدو أن متعب قد حسم تأييد الإمارات لصالحه في ظل توتر العلاقة بين بن نايف وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد الذي سبق أن وصف والده الأمير نايف بأوصاف مسيئة ووجه إهانات إلى المملكة، فوفقًا لتسريبات ويكليكس في مارس الماضي فإن الشيخ محمد بن زايد وصف الأمير نايف بـ “القرد”، حيث قال لمدير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، ريتشارد هاس، في عام 2003 وهما يتحدثان عن الأمير نايف: “إن أخلاقياته وتصرفاته اقنعتني بنظرية داروين التي تقول بأن الانسان يتطور من الأسفل إلى الأعلى”.

ووفقًا للمحللين فإن محمد بن زايد لا يرغب في أن يكون الأمير محمد بن نايف منافسًا محتملًا على السلطة في السعودية بعد تسببه في إبعاد حليفه الأمير بندر بن سلطان من دائرة التأثير في القرار السعودي، خاصة فيما يتعلق بملفات مشتركة أهمها الملف السوري.

 

المصادر

تحميل المزيد