في منتصف مارس المقبل، تُطلق النظام السعودي الحاكم "لجنة شؤون العلاقات العامة السعودية الأمريكية" ستعرف اختصارا بـ"سابراك"، والتي ستكون بمثابة لوبي سعودي داعم لتحسين صورة المملكة التي اهتزت مؤخراً

تسعى المملكة العربية السعودية لمد جسور العلاقة مع الإدارة الأمريكية وتثبيت القواعد الخاصة بالعلاقات معها كحليف إستراتيجي للمملكة، بعد عدد من القضايا الخلافية المشتركة بين الجانبين والتي تسببت في اهتزاز حقيقي لثوابت العلاقات بين الدولتين خلال الفترة الماضية.

خلال السطور التالية، تحاول “ساسة بوست” استكشاف آليات السعودية لاستعادة واشنطن كحليف إستراتيجي لها دومًا، وما هي مآلات العلاقة المستقبلية بينهما في ضوء خريطة الشرق الأوسط الجديد.

«سابراك».. أول لوبي سعودي لتحسين صورة المملكة بواشنطن

SAUDI-US-DIPLOMACY-KERRYفي منتصف مارس المقبل، يُطلق النظام السعودي الحاكم “لجنة شؤون العلاقات العامة السعودية الأمريكية” ستعرف اختصارًا بـ”سابراك”، والتي ستكون بمثابة لوبي سعودي داعم لتحسين صورة المملكة التي اهتزت مؤخرًا بعد سيطرة رأي عام غربي وأمريكي بالأخص يتهم المملكة بالتحريض على الإرهاب.

سلمان الأنصاري، أحد ممن تم تكليفهم بتأسيس هذا اللوبي خلال العام الماضي، تحدث: “نهدف للوصول إلى المواطن الأمريكي وتثقيفه حول كافة القضايا الخاصة بشأن العلاقات السعوديّة الأمريكيّة والشؤون العربية، وصد محاولات تشويه وتنميط أو إساءة لعرض ثقافة المملكة رغم العلاقات القوية التي لطالما جمعتها سياسيًّا بالغرب والإدارة الأمريكية”.

يضيف “الأنصاري” السعودية تريد من أمريكا أن تكون نفس أمريكا الداعمة لأمن واستقرار دول الخليج والمنطقة بناءً على مبدأ أيزنهاور، وما تريده أمريكا من السعودية هو أن تبقى السعودية نفس السعودية الداعمة لاستقرار الاقتصاد العالمي، والقائدة للفكر السياسي المعتدل في المنطقة العربية.

قد تكون “سابراك” هي اللوبي الأول للمملكة داخل واشنطن، الذي يتأسس بشكل تنظيمي ودائم، إلا أنه في الوقت ذاته عرفت المملكة دائمًا سياسة إطلاق المبادرات لمُكافحة الإرهاب ضمن مساعيها لتحسين صورة المملكة أمام الحملات الدولية التي غالبًا ما تتحدث عن ضلوع ما يصفونه بـ”الأيديولوجيا الوهابية” في التحريض على العنف، واتهام المملكة بكونها دولة راعية للفصائل العنيفة.

محاولة السعودية محاربة الصورة المُنتشرة عنها كداعمة للتطرف الديني، تتكرر مع ارتفاع موجات هذه الحوادث، فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، سعى ولي العهد حينذاك الأمير عبد الله، الملك لاحقًا، لتنظيم مؤتمر لمكافحة الإرهاب في الرياض في 2005، ودعا فيه لإقامة مركز لمكافحة الإرهاب يكون مقرّه في الرياض، وتجدد هذا الأمر بعد هجمات باريس الأخيرة، وخلال قمة العشرين في أنطاليا التركية، حيث أعاد الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز طرح مقترح إنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب، وتحت مظلة الأمم المتحدة كيما يحصل على موافقة الدول الكبرى، وأعلن سلمان عن تبرّع المملكة بمبلغ 110 ملايين دولار دعمًا لتمويل المشروع.

هل تبدلت أهمية المملكة لواشنطن بعد أزمة النفط والاتفاق النووي الإيراني؟

Iran's President Hassan Rouhani, left, and Italian Premierتأسس نمط العلاقة بين المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية دومًا على ثنائية حاضرة في أدبيات العلاقة بين الدولتين، إذ تقوم هذه الثنائية على تأمين المصالح النفطية لأمريكا في السعودية، مقابل علاقة تحالف تضمن واشنطن من خلالها أمن السعودية من أي مخاطر إقليمية.

مؤخرًا، شهدت هذه الثوابت التي تقوم عليها العلاقة بين الجانبين عددًا من التقلبات في ضوء السياق السياسي الجديد لمنطقة الشرق الأوسط، وما نتج عنها من تبدل لأولويات أمريكا تجاه السعودية، وهو ما يظهر في امتعاض واشنطن من الاحتكار السعودي في تحديد هوية المعارضة الشرعية، وتحديد حصص الفرقاء السوريين في أي ترتيبات مستقبلية، ناهيك عن غضب الرياض من محدودية التدخل الأمريكي العسكري في الأزمة السورية.

بجانب الملف السوري، فتقارير وكالة الطاقة الدولية التي ترى أن الولايات المتحدة تخطت السعودية وروسيا لتصبح أكبر منتج للنفط في العالم العام الماضي، تُثير التساؤل حول اتجاه واشنطن إلى الاستغناء عن النفط السعودي، وهو ما دفع بعض أعضاء الكونجرس للتعبير عن أن تلك الخطوة تمنح واشنطن حرية أكبر تجاه حلفائها النفطيين، وعلى رأسهم السعودية.

كذلك كان توقيع الاتفاق النووي بين الدول الكبرى بقيادة أمريكية مع إيران، بمثابة تدشين لانفتاح أمريكي، وتقارب لا تخطئه العين بين واشنطن وطهران، بالتزامن مع انتقاد الخارجية الأمريكية لقرار إعدام الشيخ نمر النمر الشيعي الذي رأته «يؤجج التوترات الطائفية».

شكلت هذه الملفات السابقة شرخًا في ثوابت التحالف الإستراتيجي بين البلدين، واختبارًا لمدى قدرة النظام السعودي على التكيف مع الوضع الجديد، وقدرته على إعادة نسج علاقات مع حليفه الإستراتيجي بشكل متوافق لسياق المرحلة الجديدة التي تعيشها البلاد، وهو ما يبدو أن المملكة بدأت في إدراكه بعدد من الخطوات والآليات التنفيذية التي سعى لها الجيل الجديد من حُكام المملكة.

«محمد بن سلمان».. الأمير الشاب يقدم نفسه حليفًا لأمريكا

FRANCE-SAUDI-DIPLOMACYفي السياق السياسي القائم على محاولة كسب شرعية الغرب، سعى الأمير “محمد بن سلمان” وزير الدفاع ونائب ولي العهد لتسويق نفسه وتمتين علاقته مع الإدارة الأمريكية، بعد النفوذ الكبير الذي حظي به مؤخرًا داخل البيت السعودي.

سعي بن سلمان مؤخرًا للتواصل مع الإدارة الأمريكية بمقابلات تعريفية ضيقة مع عدد من الشخصيات الإعلامية الأمريكية المقربة، التي أوفدتها الإدارة الأمريكية لجدة لمقابلته كما حدث مع الصحافي الأمريكي توماس فريدمان، جنبًا لكونه العقل المنفذ لتشكيل هذا اللوبي ضمن مساعيه لتسويق أفكاره للمملكة.

توماس فريدمان، أحد أهم كتاب نيويورك تايمز، كتب عن تفاصيل لقائه مع ولي العهد السعودي في مكتبه خلال زيارته للسعودية، وتحدث عن الجهود التي يبذلها من أجل رقي المملكة، مؤكدًا على سعي “بن سلمان” إلى محاربة الفساد الحكومي الذي يعد أحد أبرز التحديات، فيما كتبت واشنطن بوست، بواسطة ديفيد أجناشيوس مقالًا عنوانه «ملك السعودية القادم» نقل فيه عن مسئول أمريكي قوله إن محمد بن سلمان «لديه رؤية مؤثرة بشكل كبير».

تشعر الدوائر الأمريكية ببعض الغموض تجاه “بن سلمانK” ترجعه الدوائر البحثية المقربة في واشنطن لعدم معرفتها الكاملة بـ”بن سلمان” على عكس ولي العهد “محمد بن نايف” الذي تعرفه واشنطن جيدًا، فالرجل درس في إحدى جامعات ولاية أوريجون، وتدرب كذلك في مكتب التحقيقات الفيدرالية FBI. وخلال سنوات خدمة والده كوزير للداخلية، خدم محمد كنائب له، واقترب من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأمريكية نتيجة إشرافه على ملفات شديدة الحساسية كمواجهة تنظيم القاعدة داخل السعودية، وتبنيه لبرامج إعادة تأهيل وإصلاح المتورطين في العنف. وقد أشرف محمد بن نايف مباشرة على التنسيق الأمني والاستخباراتي مع نظرائه الأمريكيين، وهو ما دعا جورج تينيت، المدير الأسبق للسي أي أيه للقول إنه «الأهم من بين الأشخاص الذين تحدثت إليهم. فهو شاب نسبيًّا، وقد وضعنا فيه قدرًا كبيرًا من الثقة وأوليناه احترامًا عظيمًا». ومدح كذلك ليون بانيتا، المدير السابق للمخابرات الأمريكية، وأشاد بقدرات محمد بن نايف قائلًا عنه: «إنه الأذكى والأكثر خبرة في أبناء جيله».

من وجهة نظر “أنور عشقي” المستشار السابق للمملكة العربية السعودية، إن الأمير “محمد بن سلمان” هو الوجه الشاب للمملكة العربية السعودية، الذي نجح في فرض اسمه من خلال إستراتيجيته الواضحة والمُحددة لحماية المملكة من كافة أعدائها الذين يحاولون النيل منها، مضيفًا أنه يتمتع كذلك بالاستقامة في سلوكه، ومشهود عنه حُسن خلقه.

يأتي ضمن أبرز مشاريع “بن سلمان” التي سعى من خلاله لتحسين صورة المملكة، وتوطيد نفوذه داخل جدران البيت الأبيض مشروع “التحالف الإسلامي العسكري” الذي ينضوي تحت قيادته 34 دولة، ومثل تصدر الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد مشهد الزعامة في إعلان هذا القرار الملكي، وتوليه مسألة المفاوضات والمُباحثات بين أعضاء التحالف، تأكيدات عن سعيه الحثيث لكسب ود الغرب، وتوطيد نفوذه لدى واشنطن وبخاصة في مجال مكافحة الإرهاب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد