في منتصف شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وأثناء الاجتماع الثاني لمجلس التنسيق السعودي المصري، صرح ولي ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، في بداية الاجتماع، بأن توجيهات العاهل السعودي، قد صدرت بأن تزيد الاستثمارات السعودية في مصر إلى 30 مليار ريال، وأن تُسهم السعودية في توفير احتياجات مصر من البترول لمدة خمس سنوات.

الاتفاق السعودي المصري

وبناء على ذلك، في أثناء زيارته الثانية لمصر في السابع من أبريل (نيسان) الماضي، قام العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بتوقيع اتفاقية لتمويل احتياجات مصر البترولية لمدة خمس سنوات، بقيمة تبلغ نحو 23 مليار دولار وبفائدة 2% وفترة سماح للسداد ثلاث سنوات على الأقل، على أن يتم السداد على 15 عاما. وذلك بواقع شحنات شهرية تصل إلى 700 ألف طن من المنتجات البترولية المكررة، على أن يدفع الصندوق السعودي للتنمية مقابل المواد البترولية لشركة أرامكو بشكل فوري ويستعيد تلك المبالغ من مصر على أقساط.

وجاء هذا الاتفاق في إطار الدعم السعودي المستمر للنظام المصري، منذ بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013. وتنفيذًا لهذا الاتفاق، بدأت الهيئة العامة للبترول، في استلام أولى الشحنات في شهر مايو (آيار) الماضي، وكانت عبارة عن 700 ألف طن من المنتجات البترولية، تحتوي على 400 ألف طن سولار، و200 ألف طن بنزين، و100 ألف طن مازوت. وكان يتم ضخهم بشكل مباشر في السوق المصري.

واستمرت الشحنات في التدفق حتى شهر سبتمبر (أيلول)، ولكن الشحنه التي كان مقررًا لها أن تصل في أكتوبر (تشرين الأول) الجاري تأخرت، مما اضطر الهيئة المصرية العامة للبترول، إلى زيادة مناقصاتها سريعًا، رغم النقص الحاد في الدولار، وارتفاع حجم المتأخرات المستحقة لشركات إنتاج النفط.

وتعقيبًا على تأخر الشحنة، قال متحدث باسم وزارة البترول المصري لوكالة رويترز منذ ثلاثة أيام، إنه ليس لديه معلومات تشير إلى تعليق المساعدات.

أرامكو توقف إمدادات النفط لمصر

وفي مفاجئة مباغتة، قال مسؤول حكومي مصري، اليوم الإثنين، لوكالة أنباء رويترز، إن شركة أرامكو السعودية، أبلغت الهيئة العامة للبترول المصرية، شفهيًا، في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، بالتوقف عن إمدادها بالمواد البترولية.

وأضاف المسؤول: «أرامكو أبلغت الهيئة العامة للبترول مع بداية الشهر الجاري، بعدم قدرتها على إمداد مصر بشحنات المواد البترولية».

ويشكل التوقف السعودي عن إمداد مصر بالنفط ضربة قاسية للاقتصاد المصري، حيث كانت توفر المساعدات البترولية مئات الملايين من الدولارات شهريًا، في وقت هو الأصعب، حيث يوجد نقص حاد في العملة الصعبة، وهو ما اضطر الحكومة المصرية، إلى ترشيد استخدام الدولار، لصالح شراء السلع الأساسية كالقمح، بالإضافة إلى التفاوض على ترتيبات ائتمانية طويلة الأجل مع منتجي البترول للحفاظ على تدفق الإمدادات المطلوبة.

ومنذ أيام قال تجار لرويترز، إن الهيئة العامة للبترول عاودت الدخول إلى السوق الفورية في الأسابيع الماضية لتغطية الفجوة، معلنة عن أكبر مناقصة لها في أشهر، تشمل طلب شراء نحو 560 ألف طن سولار تصل في أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، مما يعني حدوث قفزة في حجم الطلب المصري من خلال المناقصات تتجاوز شهر سبتمبر (أيلول) الماضي بحوالي 360 ألف طن.

ووفقًا للاتفاق المصري السعودي الذي من المحتمل ألا يكتمل بعد التوقف السعودي عن إمداد مصر بالمساعدات البترولية، فإن الجانب السعودي كان يتحمل عن مصر بموجب هذا الاتفاق أكثر من 383 مليون دولار شهريًا، وهو كبير يفاقم مشكلة الدولار في مصر.

وعليه ستضطر الحكومة المصرية في ظل تفاقم الأزمة الحادة للعملة الصعبة في الفترة الحالية، أن توفر هذا المبلغ بشكل شهري من أجل تأمين احتياجاتها من النفط، وإلا دخلت البلاد في نفق أزمة بترول تهدد بحدوث توقف للنشاط الاقتصادي، فضلا عن تهديد السلم الاجتماعي.

وربما يكشف القرار السعودي المفاجئ عن بداية عودة القمر محاقًا بين العلاقات المصرية السعودية، والتي شهدت توترًا نسبيًا خلال الفترة الماضية حتى وصلت إلى أشدها منذ بضعة أيام، حينما صوتت مصر لصالح مشروع القرار الروسي بشأن الوضع في سوريا.

وإثر ذلك فقد وصف المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة، عبدالله المُعلمي، تصويت مندوب مصر لصالح مشروع القرار الروسي، بـ«المؤلم».

وأضاف المُعلمي: «كان مؤلما أن يكون الموقف السنغالي والماليزي أقرب إلى الموقف التوافقي العربي من موقف المندوب العربي (المصري).. ولكن أعتقد أن السؤال يُوجه إلى مندوب مصر».

انظر أيضًا: علامات فتور العلاقات المصرية السعودية

ويأتي ذلك في الوقت الذي تجري فيه السعودية، العديد من الإصلاحات الهيكلية، والتي أفرزت إجراءات تقشفية من أجل تقليص عجز الموازنة العامة، عن طريق تخفيض الاتفاق الحكومي، وفرض المزيد من الرسوم والضرائب، وتخفيض الأجور والبدلات للموظفين الحكوميين، وتخفيض دعم المحروقات، ومراجعة آلاف المشاريع التي تصل قيمتها إلى 260 مليار ريال من أجل إلغاء ما يقرب من ثلثها، والتخطيط لبيع حصة في شركة النفط العملاقة أرامكو. ويعني إلغاء الاتفاق مع مصر أن توفر الخزانة العامة السعودية أكثر من 80 مليار ريال سعودي على مدار خمس سنوات مقبلة.

المزيد من المشاكل

أما على المستوى المصري، فمن المتوقع أن يفاقم القرار السعودي، بوقف المساعدات البترولية، من المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد المصري في ظل تراجع مصادر تدفقات النقد الأجنبي بشكل لم يسبق له مثيل. وهو ما دفع الحكومة المصرية إلى محاولة الحصول على حزمة من القروض من المؤسسات المالية الدولية وبعض الدول، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي.

ويؤثر القرار السعودي بشدة في زيادة الأعباء المالية على الحكومة المصرية، ففي الوقت الذي تقوم فيه باتخاذ العديد من الإجراءات التي يطلبها صندوق النقد الدولي لتمرير قرض 12 مليار دولار يتم دفعها على ثلاث سنوات بمعدل 4 مليارات دولار سنويًا، ومن ضمن هذه الإجراءات فرض ضريبة القيمة المضافة، ورفع الدعم عن الكثير من السلع، وإجراء تعويم محتمل للجنيه المصري، وطرح حصص من الشركات العامة والأصول الحكومية للبيع للمستثمرين.

ومع اتخاذ كافة هذه الإجراءات، بما لها من تأثيرات خطيرة أبرزها الارتفاع المفرط في معدل التضخم، وذلك من أجل الحصول على 4 مليارات دولار سنويًا لمدة ثلاث أعوام؛ نجد أن القرار السعودي بوقف الإمدادات النفطية عن مصر ربما يجهض الفائدة العائدة على الاقتصاد المصري من جراء الحصول على قرض صندوق النقد الدولي، لأنه وفقًا للاتفاق المصري السعودي، فإنه كان على المملكة السعودية أن تمنح مصر حوالي 4.5 مليار دولار سنويًا في صورة إمدادات نفطية، أي أكثر من القسط السنوي لصندوق النقد الدولي. واليوم قد توقف الدعم النفطي السعودي بعد خمسة أشهر فقط من تنفيذ الاتفاق، ليضع الحكومة المصرية في مأزق من جديد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد