في الوقت الذي تواجه فيه المملكة العربية السعودية موجة من الأزمات الاقتصادية المتفاقمة جراء انخفاض أسعار النفط منذ منتصف 2014، يعاني القطاع الخاص في البلاد تبعات هذه الأزمات، الأمر الذي دفعه إلى تسريح أعداد كبيرة من الموظفين، وذلك لتخفيض النفقات والأعباء المادية المتراكمة على القطاع.

ويشكل القطاع الخاص 20% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، ورغم أنها نسبة ضئيلة مقارنة بالدول المتقدمة اقتصاديًا، إلا أن السعودية تعول كثيرًا على مساهمة القطاع بشكل كبير في عملية التوظيف، وهذا الأمر يتضح من خلال رؤية «السعودية 2030».

وتأمل السعودية رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، بخاصة مع الاتجاه نحو تقليص دور الإنفاق الحكومي على القطاع، وسط تراجع إيرادات النفط المستمر، إذ تتبنى المملكة استراتيجية لخصخصة بعض الخدمات الحكومية في قطاعات مثل الصحة والبلدية والتعليم والإسكان وغيرها، خلال السنوات القادمة، وهو الأمر الذي سيجعل دور القطاع الخاص محوريًا.

آمال المملكة اصطدمت مؤخرًا بعدة تقارير تشير إلى أن أعداد السعوديين المفصولين من القطاع الخاص، وصلت إلى نحو 130 ألف موظف خلال العام الماضي 2016، وذلك تحت بند التقشف وخفض المصاريف، وهو الأمر الذي سيعرقل خطط المملكة على أكثر من اتجاه، أهمها زيادة مساهمة القطاع الخاص، ثم هدف البلاد في خفض معدل البطالة في الفترة القادمة.

ظاهرة فصل السعوديين

لم تعلن السعودية عن أرقام رسمية بهذا الشأن، إلا أن مصدرًا في التأمينات الاجتماعية رفض ذكر اسمه، أكد لصحيفة العربي الجديد، أن ما لا يقل عن 130 ألف موظف سعودي في القطاع الخاص، أصبحوا بلا عمل خلال العام الماضي 2016.

رغم ضخامة هذه الأرقام، إلا أن المؤشرات توضح أن العام 2017، قد يخلف أرقامًا أكبر من ذلك، إذ فصلت شركة «عبد اللطيف جميل»، وهي من أكبر شركات السيارات في السعودية والخليج، نحو 1200 موظف سعودي، لتلحق بعشرات الشركات التي قررت فصل موظفين سعوديين خلال الأشهر الماضية.

وأثارت هذه الظاهرة مخاوف السعوديين العاملين بالقطاع الخاص، بخاصة بعد الحديث عن استغلال ثغرات قانونية في نظام العمل السعودي، تعطي الشركات حق فصل الموظف دون سابق إنذار أو سبب مشروع، والاكتفاء بدفع تعويض يمثل راتب نصف شهر عن كل سنة عمل فيها الموظف في الشركة.

محمد الحمود الخبير الاقتصادي يرى أن «الأزمة الاقتصادية انعكست بشكل سلبي على العمالة السعودية»، موضحًا في حديث لصحيفة العربي الجديد أن «حالات الفصل الأخيرة طالت السعوديين فقط»، متهمًا «نظام العمل بعدم توفير الحماية الكافية للمواطنين».

وفيما يخص المخاطر التي يُرجّح أن تشهدها السعودية، إثر عمليات التسريح، والتي يصفها المحلل المالي، عبدالحميد العمري، بالتي «لا قدرة للتعامل معها»، فمنها زيادة نسبة البطالة، وارتفاع معدلات الفقر، وربما زيادة معدلات الجريمة أيضًا.

وفي 26 يناير (كانون الثاني) 2016، قال وزير العمل السعودي مفرج الحقباني، إن عدد العاملين السعوديين في القطاع الخاص، ارتفع بنسبة 142% خلال أربع سنوات بنهاية عام 2015، كما أن عدد العاملات بالقطاع تضاعف إلى تسعة أمثال خلال الفترة نفسها، إذ بلغ 477 ألفًا مع نهاية 2015، بعد أن كان لا يتجاوز 50 ألفًا في 2011.

هذه الوتيرة القوية من الارتفاع، باتت مهددة وسط التسريحات الكبيرة التي تستهدف السعوديين دون الوافدين بسبب ارتفاع رواتبهم، مقارنة بالعامل الوافد، وهو ما يدفع الشركات للاستغناء عنهم.

وكانت مؤسسة النقد السعودية، قد ذكرت أن 93% من الموظفين السعوديين مدينون للبنوك، إذ بلغت نسبة القروض الاستهلاكية مع نهاية 2016 نحو 102 مليار دولار، وفي ظل ارتفاع وتيرة تسريح الموظفين فإن مستوى الديون المعدومة والتي وصلت في العام الماضي إلى نحو 1.7 مليار دولار مرشح للارتفاع بنسب قياسية.


ما هو السبب الحقيقي للأزمة؟

نقلت وكالة أنباء رويترز، عن دراسة أجرتها «فيثفول جولد»، أن مشروعات حكومية في السعودية لا تقل قيمتها عن 13.3 مليار دولار تواجه خطر الإلغاء خلال 2017، فيما تشير الأرقام إلى أن قيمة العقود التي تمت ترسيتها العام الماضي بلغت 20 مليار دولار مقارنة مع 35.5 مليار دولار في 2015.

وتوقعت الدراسة أن يشهد 2017 خفضًا في النفقات على المشروعات الحكومية بنحو 50 مليار ريال بسبب الضغوط المالية، كما أن الأعمال قيد التنفيذ تتقلص بينما سُرّح موظفون، بحسب الدراسة.

وكانت السعودية قد ألغت مشاريع تصل قيمتها إلى تريليون ريال سعودي (266.7 مليار دولار)، خلال العام الماضي، فيما تضرر قطاع الإنشاءات بشدة جراء خفض الإنفاق الحكومي في إطار إجراءات تقشف، لمواجهة انخفاض أسعار النفط، فضلًا عن تأخر الحكومة لشهور في تسوية ديونها للمقاولين، المقدرة بمليارات الدولارات.

الكاتب الاقتصادي والمستشار السعودي برجس البرجس، كتب مقالًا بصحيفة سبق السعودية الإلكترونية، بعنوان «تسريح الموظفين وهيئة توليد الوظائف»، قال فيه: «لا شك أن توقُّف المشاريع الحكومية وضعف الإنفاق وأعمال الإصلاح لسوق العمل ستؤثر على القوة الشرائية المحلية؛ وسيفقد السوق المحلي أكثر من ثلث قوته الشرائية، وهذا سيُخرج كثيرًا من الشركات خارج المنافسة والسوق».

وعليه، فيُرجّح أن كثيرًا من الشركات ستشهد حالةً من عدم الاستقرار، وبخاصة الشركات التي لم تستطع تحسين أدائها، بحسب البرجس الذي لفت إلى أن أي تدهور في الشركات، سيؤثر سلبًا على الوظائف، مُتوقعًا تسريح نصف مليون سعودي.

هذا ويُشار إلى أن أعداد الذين يبحثون عن العمل حاليًا، وصلت إلى أكثر من مليون ونصف مواطن سعودي، وعلى افتراض القدرة على إحلال أي مُوظف سعودي سيسرح من عمله، ستظل هناك إشكالية توظيف الداخلية إلى سوق العمل، والذين يقول البرجس إن عددهم سيصل إلى أربعة ملايين شخص خلال 10 سنوات، وهو ما يعني توفير 22 ألف وظيفة شهريًا، خلال السنوات العشر القادمة.

من جانبها اعتبرت
وزارة العمل السعودية، قرارات شركات القطاع الخاص بفصل الموظفين، «إجراءات مخالفة»، وأكد مدير فرع وزارة العمل والتنمية الاجتماعية بمنطقة مكة، ممثل الوزارة عبدالله العليان، أنه «لا يحق لأي شركة فصل الموظف بداعي ما تسميه الأزمة الاقتصادية، فهذه مبررات واهية».

وهناك من هاجم المؤسسات التي عمدت إلى تسريح موظفين سعوديين، كونها مُؤسسات جنت على مدار سنوات طويلة، أرباحًا كبيرة، ساهمت في ثراء أصحابها، و«لا يمكن أن تقنع المجتمع فجأة بأن الظروف الاقتصادية تحتم التخلي عن بعض الوظائف خاصة إذا استمر الأجانب في شغل نفس الوظائف التي يشغلها زملاؤهم السعوديون!»، كما قال الكاتب الصحافي خالد السليمان.

وطالب السليمان خلال مقال له بعنوان «فصل موظف سعودي متميز!»، بحل قضية فصل عدد كبير من الموظفين السعوديين الحاصلين على تقييم مرتفع في أداء عملهم، قائلًا: «إذا كان من غير الممكن إلغاء أو تعديل المادة ٧٧، فعلى الأقل يضاف لها منع فصل أي موظف سعودي في ظل وجود موظف أجنبي يؤدي نفس عمله!».

البطالة تفاقم الأزمة

وكان معدل البطالة بين السعوديين قد وصل إلى 11.5% في النصف الثاني من عام 2015، بحسب نتائج مسح أجرته الهيئة العامة للإحصاء في السعودية، فيما بلغ إجمالي قوة العمل السعودية نحو 5.6 ملايين شخص، يمثل المشتغلون منهم 88.5%، في حين تبلغ نسبة العاطلين 11.5% وعددهم 647 ألف شخص.

وتسعى المملكة لدعم قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إذ من المتوقع أن يساهم ذلك في خفض معدلات البطالة، وفق «روية 2030»، إذ قال محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) أحمد الخليفي، ببداية يناير (كانون الثاني) الجاري إن التسهيلات المقدمة لقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة تجاوزت 30 مليار ريال (ثمانية مليارات دولار) في النصف الأول من 2016.

ويعمل بالمنشآت الصغيرة ما بين خمسة و19 مشتغلًا، فيما يعمل بالمنشآت المتوسطة ما بين 20 و49 مشتغلًا، فيما تهدف رؤية «السعودية 2030»، إلى رفع التمويل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة من 5% حاليًا إلى 20% بحلول 2030.

ويبلغ عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية نحو 1.2 مليون منشأة، فيما وصل عدد العاملين بها نحو 3.55 مليون عامل حتى الربع الثاني من 2016.

وفي محاولة لوضع حلول لأزمة تسريح الموظفين السعوديين والحد من معدلات البطالة، قال عبدالله بن ربيعان الحاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد والمالية، في مقالٍ له، إنه على وزارة العمل أولًا وقف العمل مُؤقتًا بالمادة 77 من نظام العمل، ثم رفع نسبة سعودة الوظائف، بما لا يقل عما بين 15% و20% لكل أنواع العمل باستثناء قطاع المقاولات، إذ يرى أنه يكفي فيه 10% فقط سعوديين.

من بين نقاط الحل أيضًا، أن تقتصر بعض الأنشطة الاقتصادية في السوق على السعوديين فقط، مع زيادة الحصة التي يدفعها صندوق الموارد البشرية من رواتب السعوديين في القطاع الخاص خلال العامين الأولين إلى ما بين 60% و70%، بدلًا من نصف الراتب للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد