في توقيت شديد الحساسية ذهب ولي ولي العهد السعودي ووزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان في زيارة إلى روسيا يوم السابع عشر من مايو الجاري، على هامش المنتدى الاقتصادي الدولي ببطرسبورغ، وتكتمت السعودية على تفاصيل الزيارة التي لم يعلن عنها إلا قبل مغادرة “بن سلمان” السعودية بساعات، حيث صدر بيان عن الديوان الملكي السعودي أفاد بأن الزيارة تأتي استجابة لدعوة من الحكومة الروسية لبحث العلاقات بين البلدين.

بينما كان الجانب الروسي أكثر إيضاحًا فصرح “يوري أوشاكوف” مساعد الرئيس الروسي أن اللقاء الذي سيجمع وزير الدفاع محمد بن سلمان مع الرئيس فلاديمير بوتين سيتم فيه مناقشة الأوضاع في اليمن وسوريا، والطرق الممكنة لمكافحة تنظيم “داعش”، وغير ذلك من المواضيع الشرق أوسطية.

وتأتي الزيارة في وقت يسود فيه التوتر بين البلدين؛ بسبب تعارضهما في عدة قضايا مثل الأزمة السورية، والعلاقة مع إيران، والصراع الجاري في اليمن، وتعد ثاني أرفع زيارة بعد زيارة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز في عام 2003 حينما كان يشغل آنذاك منصب ولي العهد.

محاولة فك الخيوط المتشابكة للعلاقة بين البلدين، ومعرفة مدى احتمالية التقارب، هذا ما سيتم التعرض له في هذا التقرير.

بداية مضطربة

عبد العزيز آل سعود

لفهم طبيعة العلاقة السعودية الروسية نعود إلى تاريخ نشأتها وتحديدًا في التاسع عشر من فبراير عام 1926، عندما كان الاتحاد السوفيتي أول من اعترف بالسعودية والتي كان يطلق عليها في ذلك التوقيت “مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاتها” كدولة مستقلة أسسها الملك عبد العزيز آل سعود، والذي وقع اتفاقية كوينسي في فبراير 1945 مع الرئيس تيودور روزفلت، وعلى أساسها وضعت المبادئ الأولية للعلاقة بين البلدين، وكان أول تعاون على أرض الواقع عندما وصلت أول حمولة روسية من الكيروسين إلى السعودية.

فيصل بن عبد العزيز

وتعددت بعد ذلك الزيارات بين البلدين كان أهمها زيارة الأمير فيصل بن عبد العزيز عام 1932 بهدف التقدم بطلب مساعدات اقتصادية للملكة، لكن الزعيم السوفيتي جوزف ستالين كان يركز اهتمامه على محاربة الجوع المنتشر في أرجاء دولته الوليدة وتحوليها إلى قوة صناعية لا يستهان بها، مما دفعه إلى عدم الموافقة على هذا الطلب، بل ولم ير في علاقته بالسعودية أمرًا يستحق الاهتمام فقام باستدعاء السفير السوفيتي في السعودية عام 1938.

صراعات عن بعد

كان الملك عبد العزيز يحمل مشاعر كراهية للشيوعيين، فتحولت الرياض إلى خصم شرس للشيوعية بعملها الدائم على التأثير الفكري في جمهوريات الاتحاد السوفيتي المسلمة، ولكن المواجهة في الثمانينات لم تعد تقتصر على الجانب الفكري، حيث اشتعلت الحرب بين الروس والأفغان وانحازت السعودية إلى أفغانستان عن طريق تمويل مسلحيها بمبالغ وصلت إلى 40 مليار دولار.

ظلت العلاقات الدبلوماسية منقطعة بين روسيا والسعودية حتى عادت في عام 1990، ولكن ذلك لم يؤثر على سعي السعودية إلى التأثير في الجمهوريات السوفيتية المسلمة، وانطلقت المواجهة الثانية بشكل غير مباشر بين موسكو والرياض عندما قامت الحرب الروسية الشيشانية الأولى (1994-1996) فتدفق المقاتلون العرب الأفغان بقيادة أشهر القادة السعوديين مثل خطاب وأبي الوليد، ووجد تنظيم القاعدة المناخ المناسب لممارسة نشاطه بتوجيهات من أسامة بن لادن، وانعكس الوجود السعودي في الحرب على إطلاق الأجهزة الأمنية الروسية وصف “وهابي” على كل متطرف إسلامي.

تحرير الطائرة الروسية

الخلاف بين البلدين لم يتوقف عند الحرب الروسية الشيشانية، حيث وقعت في السادس عشر من مايو عام 2001 حادثة اختطاف لطائرة ركاب روسية أثناء توجهها من إسطنبول إلى موسكو نفذها شيشانيون، قاموا بتغيير مسار الطائرة إلى المدينة المنورة وهناك تدخلت القوات الخاصة السعودية بعملية لتحرير الطائرة، قُتل على أثرها أحد الخاطفين وراكب تركي ومضيفة روسية، وتقدمت النيابة العامة الروسية بطلب رسمي إلى السلطات السعودية لتسليم الخاطفين، وهو ما تم رفضه والرد عليه بأنهم سيتم محاكمتهم وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، مما ساهم في تأزم العلاقات السعودية الروسية.

ولكن القيادة الروسية أدركت أثناء القيام بعملية إعادة بناء الشيشان بعد انتهاء الحرب الشيشانية الثانية إنه من دون تفعيل العلاقات الروسية مع الدول الإسلامية وبالتحديد مع السعودية، فلا مجال للحديث عن إنهاء النزاع الروسي الشيشاني، مما دفعها لإعلان سياسة للتقارب الروسي الإسلامي بدأت بإعادة العلاقات مع السعودية.

سعود الفيصل

ومنذ ذلك الوقت تكررت زيارات المسئولين بين البلدين، حيث قام وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل بزيارة موسكو في الثامن عشر من أبريل عام 2002 للتباحث مع الجانب الروسي في سبل تحقيق مبادرة بيروت- السعودية بشأن الشرق الأوسط، وتبعه في الثالث من سبتمبر عام 2003 الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز والذي كان يشغل آنذاك منصب ولي العهد في زيارة عرض فيها على الحكومة الروسية توظيف 200 مليار دولار في الاقتصاد الروسي مقابل تقليص التعاون مع طهران، وفقًا لما نشرته صحيفة “كوميرسانت” الروسية.

البترول يصنع السياسة

بعد زيارة الملك عبد الله لروسيا نشطت العلاقات الاقتصادية بين السعودية وروسيا، وتم تشكيل مجلس الأعمال الروسي- السعودي، وتلى ذلك توقيع عقد إنشاء شركة “لوك أويل” النفطية الروسية عام 2004 مع السلطات السعودية، وأُعطيت حق التنقيب عن الغاز في صحراء الربع الخالي لمدة أربعين سنة، وكانت الشركة الروسية تنوي توظيف ثلاثة مليارات دولار في استخراج الغاز.

لم يكن هناك بديل أمام الإعلام الروسي سوى تخفيف الهجمات على السعودية، مما دعا وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” إلى التأكيد في تصريح صحفي لجريدة “فريميا نوفوستي” الروسية على أن بلاده ترفض محاولة إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والعرب، مشيدًا بدور السعودية في مكافحته.

استقبال الملك عبد الله للرئيس بوتين

كانت تلك التصريحات تمهيدًا لزيارة الرئيس الروسي بوتين إلى الرياض في عام 2007، والتي تم التوقيع فيها على العديد من الاتفاقيات الثنائية في مجال الاتصالات الجوية، بالإضافة إلى معاهدة تفادي دفع الضريبة المزدوجة على المداخيل ورؤوس الأموال، وعدة اتفاقيات أخرى في مجال الثقافة وتبادل المعلومات. وقام الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز بمنح بوتين قلادة الملك عبد العزيز والمخصصة لكبار الزعماء ورؤساء الدول.

امتد بعد ذلك التعاون إلى شراء الأسلحة حيث توقعت وكالة “إنترفاكس” للأنباء في عام 2009 أن تصبح السعودية أحد كبار مشتري الأسلحة الروسية، وفقًا لتصريح مصدر للوكالة الروسية للأنباء عن وجود صفقة متوقعة لتزويد الرياض بـ150 مروحية مختلفة الأنواع، وأكثر من 150 دبابة من نوع “تي- 90 إس”، بالإضافة إلى 250 آلية مشاة قتالية “بي إم بي-3” بما تزيد تكلفته على 4 مليارات دولار، من أجل إيقاف توريد الأسلحة الروسية إلى إيران.

في سوريا لمن الحسم؟

منذ بداية الحرب الأهلية في سوريا دعمت السعودية القوات الساعية إلى الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، وفي عكس الاتجاه سارت روسيا وإيران بمساعدته على البقاء في السلطة، ونظرًا للحدود الضيقة على المساحة التي تستطيع الولايات المتحدة التحرك فيها لدعم الائتلاف المناهض للأسد في سوريا، قامت السعودية بدور حجر الزاوية في منع هزيمة هذا الائتلاف، مما دفع روسيا إلى تبني وجهة النظر القائلة بأن السعودية مهدت الأجواء لإنشاء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

بوتين وبشار

من جانبها ترى الرياض في الوقت الحالي أن سقوط نظام الأسد واقع لا محالة، لذلك سيكون من الأفضل أن تعمل مع روسيا لإتاحة مساحة تنتقل فيها السلطة إلى المعارضة المعتدلة في سوريا، مؤكدة على أن استمرار الدعم الروسي للأسد، سيعمل على إضعاف جماعات المعارضة المعتدلة؛ مما سيؤدي إلى وصول التنظيمات المسلحة المتشددة مثل “داعش” و”جبهة النصرة” الموالية لتنظيم القاعدة إلى السلطة عندما يسقط نظام الأسد.

ماذا سيكون مصير إيران؟

بوتين وروحاني

يمكن أن نتعرف على أثر زيارة الأمير محمد بن سلمان في الجانب الإيراني من خلال التقرير الذي نشرته صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية، والذي رأت فيه أن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى روسيا ستمد جذور العلاقات من جديد بين البلدين رغم الخلافات الروسية السعودية حول إيران، حيث سيساهم ذوبان الجليد في العلاقات الأمريكية الإيرانية، في تشكيل علاقات مشتركة بين الرياض وموسكو، خاصة أن دول الخليج تشعر بالقلق من توجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى توقيع اتفاقية مع إيران حول ملفها النووي، سيكون لها أثر في تخفيف العقوبات عن طهران، مما سيدفع وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان إلى التأكيد للرئيس الروسي بوتين على أن الجهود الروسية لتنمية العلاقات مع إيران ستتبدد، وأن مصالح روسيا في التعاون مع السعودية.

وزير الدفاع السعودي يستمع لأحد الجنود

وبالفعل تشعر إيران بالقلق على المصير الذي ستواجهه إن نجحت الزيارة في توطيد العلاقات السعودية الروسية، حيث كان عنوان الافتتاحية لوكالة “فارس” الإيرانية هو “السعودية تستنجد بروسيا لإنقاذها من السكود اليمني”، وجاء فيها التأكيد على أن الهدف الرئيسي لزيارة وزير الدفاع السعودي لموسكو هو اهتمام الرياض بالحصول على المنظومة الروسية الدفاعية الصاروخية “إسكندر”، بعد فشل منظومة الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة على أراضي السعودية في التصدي لصواريخ الحوثيين التي استهدفت المناطق الحدودية السعودية مع اليمن.

الأسباب الظاهرة للتقارب

ذهب عدد من الخبراء السياسيين إلى تأييد احتمالية نجاح التقارب السعودي الروسي في الزيارة التي يقوم بها وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان، ودللوا على ذلك بعدة أسباب في مقدمتها إدراك الرياض لأهمية الدور الروسي في حل القضية السورية، وتأكد السعودية من أن أمريكا ليست جادة في مواجهة الإرهاب والجماعات الإرهابية وتحديدًا تنظيم “داعش”، رغم دورها في الحرب العالمية على التنظيم، ومن أسباب التقارب أيضًا اتجاه السعودية إلى بحث الاعتماد على مصادر دولية متعددة، بعد أن هددت أمريكا بالانسحاب من المنطقة.

يوسي نيشر

وعلى الجانب الإسرائيلي، يؤكد يوسي نيشر المحلل السياسي بالإذاعة العبرية أن روسيا ليس بإمكانها تجاهل التطورات الميدانية في سوريا لصالح “داعش” و”جبهة النصرة”، على حساب حلفيها بشار الأسد، ولذلك ليس من المستبعد أن تأتي زيارة وزير الدفاع السعودي لروسيا في إطار الصفقات الإقليمية والدولية التي ستشكل المرحلة الجديدة للشرق الأوسط.


المصادر

تحميل المزيد