ست سنوات مضت، وما زالت الدعاوى ترفع بشأن فضيحة ضخمة لشركة القصيبي، إحدى شركات الخليج الكبرى.

بسبب أزمات ديون وائتمان انهارت واحدة من أكبر الشركات العائلية في الشرق الأوسط، لكن القصة حظيت بتغطية إعلامية دولية ضعيفة. يُعتقد أن أكثر من 100 بنك في جميع أنحاء العالم خسروا عدة مليارات من الدولارات منذ أن أفلست شركة أحمد حمد القصيبي وإخوانه AHAB عام 2009؛ ليتدفَّق سيل من الدعاوى والدعاوى المضادة في المملكة العربية السعودية، البحرين، أمريكا، بريطانيا، سويسرا وحتى جزر الكايمان. أحد المستثمرين المحنكين سئل عما إذا كان سبق له الاحتكاك بأزمة أكثر صعوبة من هذه، رد باقتضاب، «نعم، على المريخ».

شركة القصيبي ودائنوها لم يتمكنوا من التوافق لفترة طويلة، نزاع وُصف بأنه «حرب مُجمدة». ست سنوات مضت بالفعل، لكن بعض الأطراف يرون أن النزاع لن ينتهي؛ بينما آخرون يعتقدون أن ثمة أدلة على تحسن الوضع قليلًا. إذا كانوا على حق، فإن هذا التحسن يأتي في وقت مناسب للسعوديين الحريصين على جذب رؤوس الأموال للمساعدة في تمويل مشاريع بنيتهم التحتية. هذه الدعاوى والدعاوى المضادة، والتي ما تزال منظورة أمام القضاء، توضح بعضًا من المتاعب التي تواجهها الشركات ورؤوس الأموال في المملكة، والتي من شأنها إيقاف أي مستثمر عاقل.

شركة القصيبي التي أسستها عام 1940 عائلة القصيبي، بدأت مشوارها من صيد اللؤلؤ والزراعة، ثم تشعبت نشاطاتها لتشمل الخدمات المالية، وتعبئة المشروبات الغازية، وتجارة إطارات السيارات، وأكثر من ذلك. مع نمو نشاطها التجاري، كان عدد أفراد الأسرة ينمو أيضًا، كل منهم له حصته. إحدى بنات القصيبي المؤسس تزوجت من معن الصانع، ملياردير سعودي من أصل كويتي، وهو رئيس مجموعة سعد، الشركة الاستثمارية البارزة، كما كان سابقًا أحد المساهمين الكبار في بنك HSBC العالمي.

بعد مصاهرة الأسرة، أصبح السيد الصانع مسؤولًا عن أنشطة الخدمات المالية لشركات القصيبي. اقترض الصانع قدرًا هائلًا من الأموال بين عامي 2000 و 2009، إحدى شركات الخدمات المالية تلك اقترضت ما يتجاوز 120 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم بالنسبة لشركة إقليمية في عالم تبادل العملات الأجنبية. معظم هذه القروض تم تمديدها دون ضمانات حقيقية، بل فقط بضمان اسم المدين وسمعته، سعد الصانع.

بداية المتاعب

بدأت مجموعة الخدمات المالية للقصيبي بالتفكك، بعدما ضجرت البنوك وتوقفت عن إقراضهم أموال جديدة. TIBC وهو بنك بحريني مملوك لمجموعة القصيبي، أعلن إفلاسه في مايو عام 2009. في النزاعات القانونية التي تلت ذلك، كانت أقوال شركة القصيبي مذهلة ومثيرة للجدل، لقد ادعوا أنهم ضحايا عملية احتيال قيمتها 9 مليارات دولار، دبرها السيد الصانع، الذي طبقًا لزعمهم كان يملك سيطرة كاملة على كل المجموعة المالية التي أفلست.

زعمت شركة القصيبي أن السيد الصانع استغل اسم الأسرة واعتبارها، وأنه بقبضته الحديدية على المجموعة المالية أجبرها على الانخراط في قروض غير قانونية بمبالغ هائلة، كلها باسم أو بضمان القصيبي، وباستخدام وثائق مزورة، ليضخ العائدات لشركاته الخاصة، بما في ذلك عدة شركات في جزر الكايمان. من المليارات العديدة التي تدفقت على مجموعة القصيبي المالية بين عامي 2000 و2009، تدعي العائلة أن ربحها منها كان فقط 146 مليون دولار.

إحدى المحاكم في جزر الكايمان خلصت عام 2011 إلى أن ثمة أدلة دامغة على وجود مدفوعات ضخمة غير مفسرة لمجموعة السيد سعد الصانع. وأن هناك احتيالًا واضحًا ومثبتًا، وأن السيد الصانع كتب لنفسه ولشركاته شيكات بما لا يقل عن ملياري دولار.

إحدى النزاعات الكبيرة التي تنتظر أن تنظر في محكمة، ادعاء بأن بنك TIBC كان بنكًا وهميًّا، بعملاء وهميين وقروض وهمية. كانت وظيفة البنك أن يصبح جهاز تحويل أموال لشركات السيد الصانع. تدعي عائلة القصيبي أنها لم تعلم قط بوجود بنك TIBC. كما تزعم العائلة أن القروض كانت تطلب باستخدام خطابات اعتماد مبنية على صادرات وهمية، وأن المجموعة المالية للقصيبي كانت محدودة، واستغلها الصانع لتمويل شركاته.

قضية مهمة أخرى تنتظر آراء خبراء مستقلين؛ ادعاء بوجود 89 توقيعًا مزورًا لعائلة القصيبي على وثائق مختلفة، لكن السيد الصانع يؤكد أن التوقيعات كلها حقيقة.

السيد الصانع يُعتقد أنه يقيم حاليًا في السعودية، خاضعًا لحظر سفر. اعتاد الصانع وبشكل قاطع ومتكرر على نفي ارتكابه لأي أعمال غير قانونية؛ كما أنه يصر على أنه إضافة لامتلاكه مليارات من أصول الأسرة، فإنه يدين لهم بالمال أيضًا. يشير محامو القصيبي أن المحاكم في دبي وأبو ظبي والبحرين لم تجد أدلة على وجود تزوير في وثائق القروض.

ادعاءات الأسرة بعدم علمها أي شيء عن القروض تم إبطالها بعد ظهور ملفات تثبت أن أحد شركائهم كان على علم ببعض التحويلات بين عامي 2000 و 2002. مما أدى لرفض محكمة بريطانية هذا الادعاء.

ردت العائلة بأن هذه التحويلات تمت قبل اقتراض الجزء الأكبر من الأموال، وما زالت تصر على أنها لم تكن على علم بمعظم الديون. أحد ممثلي عائلة القصيبي يقول: «تُظهر الأساليب المتبعة من قبل السيد الصانع للحصول على المال باسم عائلة القصيبي، مثل تزوير المستندات، أن أفعاله كانت غير قانونية ومصممة بحيث لا يكتشفها الشركاء أو الممولون أو المنظمون. لماذا ستوقع الأسرة على قروض ستدمر بشكل يكاد يكون مؤكدًا إمبراطورية مالية استغرق بناؤها أجيالًا؟».

ما زال من المستبعد صدور تقرير قانوني نهائي في النزاع. كان رد السيد الصانع على العديد من الادعاءات والشكاوي مجرد الطعن في قرارات المحاكم، بما في ذلك محاكم سعودية. حصلت شركة القصيبي على حكم ضده بتعويض قدره 2.5 مليار دولار في قضية جزر الكايمان بعدما فشل في الدفاع عن نفسه في القضية. قرار المحكمة واجه تحديًا أمام «جرانت ثورنتون»، الشركة المسؤولة عن إدارة بعض أعمال الصانع، إذ لم يتم الاعتراف بالقرار من قبل المحاكم الأجنبية.

كان رد الصانع على الحكم أنه ليس سوى حكم مؤقت، وأن أهلية المحكمة لنظر الدعوى ما زالت متنازعًا عليها، وأنها لم تدرس القضية بشكل مفصل. كما يشير محامو الصانع أن عائلة القصيبي لم تنجح في أي قضايا أخرى.

نزاع آخر كان شكوى جنائية مقدمة في البحرين من عائلة القصيبي، لكن تم إيقافها بعدما قررت النيابة العامة عدم متابعة نظر القضية. ردًّا على أسئلة مجلة «ذا إيكونوميست»، أجاب محامي السيد الصانع أنه غير مستعد لتقديم دفاعه الرسمي عن نفسه في وسائل الإعلام قبل أن يتم سماعه والبت فيه من قبل محكمة مختصة.

أسئلة عديدة بلا إجابات

أمور كثيرة ما زالت غير واضحة بالنسبة للمحققين الحكوميين أو شركات التحقيق الخاصة أو المحاسبين والمحامين الذين يدرسون القضية. الخلاف الأبرز يكمن في طبيعة دور السيد الصانع وتأثيره. ليس من الواضح لماذا وافق العديد من خبراء المال الأجانب على أن يكونوا رؤساء فخريين لشركات القصيبي، كما ليس من الواضح لماذا أعملت العائلة رقابة قليلة جدًا على شركاتها.

ثمة أسئلة غامضة تحيط بدائني القصيبي أيضًا. لماذا تقرض العشرات من البنوك الأجنبية ذات الخبرة مبالغ هائلة لمجموعة لا تعرف عنها الكثير؟ حتى لو ظنوا أن السيد الصانع كان يتصرف بتفويض كامل من العائلة، هل كان اعتبار العائلة يستحق منحها هكذا قروض ضخمة غير مؤمّنة؟ ادعت العائلة أن أيًّا من البنوك لم يتواصل معهم بخصوص كميات غير عادية من الديون أو يستفسر عنهم بخصوص طرق إنفاق هذه الأموال. مهما كانت حقيقة المزاعم والمزاعم المضادة، فإن المؤكد أن الدائنين يتساءلون الآن إذا كان من الحكمة الاعتماد بقوة على السمعة الجيدة للقصيبي والصانع عند اتخاذ قرارات بخصوص ديون كبيرة.

البنوك التي تقاضي القصيبي تطالب بـ 5.9 مليار دولار. ثلث الديون مقدم من بنوك مقرها السعودية أو مملوكة من قبل سعوديين. والباقي عن طريق بنوك من أماكن أخرى في الخليج أو أبعد من ذلك. بما في ذلك بنك BNP Paribas و Standard Chartered. مبلغ غير معلوم من الدين واقع في أيدي استثمارات غير مصرفية، إذ تم شراؤه من خلال السوق الثانوية.

في محاولة لحل هذه القضايا، التقت عائلة القصيبي الدائنين الأجانب في الصيف الماضي، وعرضوا عليهم دفع 20 سنتًا عن كل دولار، 10 على الفور و10 بعد 5 سنوات، بالإضافة إلى ما لا يقل عن نصف مبالغ التعويضات التي يحصلون عليها من السيد الصانع. كبير مفاوضي عائلة القصيبي هو سيمون تشارلتون، الرئيس التنفيذي بالوكالة لمجموعة شركات القصيبي، والذي عمل سابقًا محاسبًا جنائيًّا مع شركة ديلويت.

80% من البنوك – وجميعها تقريبًا غير سعودية- أعلنت أنها سوف تدعم الجهود الرامية للتوصل إلى توافق شامل، وإن كان هذا لا يشمل تأييد العرض الحالي المقدم من عائلة القصيبي. كما قدمت البنوك مؤخرًا اقتراحًا مضادًا لم يتم الكشف عن تفاصيله. يقول تشارلتون أنه متفائل بالتوصل لاتفاق هذا العام. لكن الدائنين ما يزالون يشعرون أن الطريق شاق وطويل. الإطار القانوني السعودي للتعاملات المالية ما زال بدائيًّا في ما يخص حقوق الدائنين، وغير واضح في كثير من الجوانب. هذا على الرغم من بعض الإصلاحات المتواضعة الأخيرة. حتى إذا كان التوصل لاتفاق ما ممكنًا، فلا أحد يستطيع أن يكون متأكدًا كيف سيتم تنفيذه طبقًا للقانون السعودي، كما يقول أحد مستشاري البنوك.

ليس من الواضح أيضًا ما هي الأصول المتاحة ليتم تعويض الدائنين بها. «عائلة القصيبي تمتلك أسهمًا في مجالات العقارات والمنتجات الصناعية والوجبات السريعة ومجالات أخرى كثيرة. لكن ليس من المطلوب تقديم تقرير مفصل عن ملكياتهم»، هذا ما قاله أحد الدائنين، والذي يشبه عملية التعويض كلها بـحرب في مخزن، يراهن المشاركون فيها بشكل أعمى على محتويات الخزانات.

يحسب للحكومة السعودية أنها رفضت أن تخضع لهم. بموجب القانون السعودي، كل البنوك يجب أن تعامل كما الدائنين غير المؤمن عليهم. اثنان من البنوك السعودية كسبا دعاوى قضائية ضد القصيبي، لكن المحاكم في الواقع أوقفت تنفيذها ما دامت المحادثات مستمرة مع الدائنين الآخرين.

يقول أحد المشاركين أن قاضيًا سعوديًّا أعلن أنه سيكاتب البنوك السعودية ليحثهم على الانضمام إلى أي اتفاقية يتم التوصل إليها مع الدائنين الأجانب. لكن البنوك قد تستمر في المقاومة، ما دامت الحكومة لا تضغط عليهم ليفعلوا، وهي في الواقع لا تضغط. يقول أحد الدائنين الأوروبيين: «المسؤولون يرون النزاع مشكلة بين شركات خاصة، على الرغم من أنه على ما يبدو لا يمكن حله دون ضغط من جهات عليا، وهذا الضغط هو الحلقة المفقودة في العملية برمتها».

من غير المرجح أن يوافق المسؤولون السعوديون على صفقة لا تشمل البنوك المحلية. أولئك الأكثر تفاؤلًا يعتقدون أن الحكومة أصبحت أكثر رغبة في حثهم على الاتفاق لأنها تريد جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لقطع اعتماد البلاد على النفط، ولتطوير البنية التحتية المحلية. إحدى العلامات الأخرى على الرغبة الرسمية في جعل البلاد أكثر جذبًا للاستثمار هو الافتتاح المرتقب في نهاية العام الجاري لسوق البورصة في البلاد، وهو الأكبر في المنطقة من حيث الاستثمار المباشر من الأجانب.

أفضل ما يمكن أن يتمناه الدائنون الأجانب، حتى لو بدأت البنوك السعودية في التعاون اليوم، هو اتفاق مع مجموعة القصيبي على ما هو أقل كثيرًا من توقعاتهم، في 2016. سيصبح الأمر أكثر تعقيدًا عند إشراك الاستثمارات غير البنكية التي اشترت الديون بعد الإفلاس.

إذا ثبت أن المستوى المطلوب من التعاون سواء من الدائنين أو الحكومة غير قابل للتحقق، سيصبح مستقبل هذه الملحمة أطول كثيرًا من ماضيها. المملكة العربية السعودية لديها بالفعل نظام لبيع وتوزيع الأصول في الحالات التي لا يمكن التوصل فيها لاتفاقات خاصة. لكن هذا النظام أيضًا لم يتم اختباره على هذا الحجم من الديون والنزاع. يقول محامٍ: “ربما علينا الانتظار لعشر سنوات أخرى أو أكثر، لا نستطيع حتى أن نتوقع حجم الأموال التي ستسترد”.

حل المأزق هو اختبار مهم لمدى حرص السلطات السعودية على اعتماد آلية للتعامل مع إخفاقات الشركات لتطمئن المستثمرين الغربيين. للأسف، الضغط الخارجي ليس قويًّا بما يكفي. البنوك الأجنبية لم تتوقف عن إقراض السعودية، ما زالت القروض تمنح بناء على سمعة الاسم، وإن كانت بمبالغ أقل. «لم يتعلم السعوديون الدرس» كما يقول دائن.

علاوة على ذلك، على الرغم من القيود التي أمرت بها المحكمة على استخدام بعض الأصول المملوكة لعائلة القصيبي – العائلة خسرت شركة تعبئة بيبسي العام الماضي كنتيجة لهذا- فلا الأسرة ولا السيد الصانع يعانون من ضغط لانسحاق إمبراطوريتهم. مما يقلل حافزهم للسعي للحصول على تسوية. هو سبب آخر ليحذر أي مستثمر يسعى لإقراض المملكة أو الاستثمار فيها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد