نقلًا عن الخليج الجديد

في العاصمة اليمنية الممزقة صنعاء، صارت الجدران المحصنة أمام السفارة السعودية الخاوية مترامية الأطراف واحدة من بؤر التسكع المفضلة لميليشيا الحوثي التي تسيطر على العاصمة منذ سبتمبر/ أيلول الماضي 2014.

وقد غطى أنصار الجماعة المتمردة بوابات الصلب برسوم الجرافيتي. حيث تطفو جمجمة بيضاء أمام رأس ثعبان أسود مفتوح الفم وقد ظهرت أنيابه. وتبدو الرسالة موجهة إلى الجارة الغنية بالنفط، المملكة العربية السعودية، بشكل مباشر، أن تبقى بعيدا.

لكن رسوم الجرافيتي على الجدران لم تفعل شيئا لوقف قوات التحالف التي تقودها السعودية عن استهداف الحوثيين وحلفائهم في اليمن. بشكل شبه يومي خلال الأشهر الستة الماضية، قصف التحالف المناطق التي يسيطر عليها الحوثي في المدن الرئيسية في اليمن. ونتيجة لضعف موقفهم، فإن الكلمات الجريئة للحوثيين والهجمات المعادية للسعودية عبر الحدود، وعمليات القتل الأخيرة التي أصبت العشرات من قوات التحالف في هجوم صاروخي لم تعط الحوثي أي نقاط تعاطف بين صفوف المدنيين. ولا حتى الهجمات العسكرية على منافسيهم، والتى، جنبا إلى جنب مع الغارات التي تقودها السعودية، أدت إلى سقوط ضحايا من المدنيين وثقتها جماعات حقوق الإنسان وقالت إنها ترقى إلى مستوى جرائم الحرب.

في الواقع فإن القاعدة السكانية التي تدعم الحوثيين تتجادل الآن بشأن أي الطرفين أسوأ: الحوثيين أم السعوديين. وفي الوقت نفسه تضاعفت الانشقاقات عن الحركة التي ينقسم قادتها بين المحافظين المتشددين (أو ما يعرفون برجال المنبر) الذين يفضلون استخدام القوة، وبين البراجماتيين الذين يضغطون من أجل التوصل إلى تسوية سياسية.

ونما الحوثيون من مجرد مجموعة متمردة صغيرة في المنطقة النائية شمال صعدة. خلال العام الماضي جمع الشيعة الزيديون من الحوثيين الأسلحة وأخدوا في توسيع مناطق نفوذهم سيرا نحو الجنوب بينما يعقدون تحالفات مع القبائل المحبطة والفصائل السياسية المعادية للإسلاميين من الليبراليين والمحافظين على حد سواء. تمكن الحوثيون من التوصل إلى تهدئة للتطورات مع القوات المسلحة اليمنية التي لا تزال موالية للرئيس المخلوع «علي عبد الله صالح». بعد 32 عاما في السلطة، قضى 6 منها في حروب مع الحوثيين، تمت الإطاحة بـ«صالح» من السلطة في اتفاق إطاري لتقاسم السلطة برعاية الأمم المتحدة في عام 2011 إبان الربيع العربي. ومثله مثل الحوثيين، يعارض «صالح» الحكومة الجديدة التي تتخذ من عدن عاصمة مؤقتة.

بدعم من عدة فصائل قبلية، سيطر الحوثيون على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر/أيلول من عام 2014. وبمجرد وصولهم إلى السلطة، فإن المقاتلين الأشداء الذين طالما روجوا لأنفسهم كقوة أفضل تجهيزا للتغلب على المتطرفين الإسلاميين في اليمن، قد وعدوا بمكافحة الفساد وإجراء إصلاحات جذرية تنهي عقودا طويلة من عدم المساواة بين المناطق والقبائل. كما وعد «عبد الملك الحوثي»، الزعيم الشاب الملتحي للمجموعة، في خطاب مطول أمام الآلاف من مؤيديه بعدد من الإصلاحات الرمزية، بما في ذلك إنشاء حديقة لتحل محل ثكنات الجيش واسعة لنطاق.

دولة أم ميليشيا؟

إلا أن الحوثيين فشلوا في النهاية في تحقيق الانتقال من كونهم رجال ميليشيات إلى رجال دولة. اندفع الحوثيون جنوبا من صنعاء إلى المناطق التي تسيطر عليها الأغلبية السنية المتحالفة مع تنظيم القاعدة. تحت شعار مكافحة الإرهاب، نشر الحوثيون بذور الطائفية ودفعوا رجال القبائل السنية نحو التحالف مع تنظيم القاعدة لكونها الجماعة السنية الوحيدة المنظمة والمسلحة القادرة على مواجهة الحوثيين الشيعة. مع حالة الفوضى المتزايدة في المدن التي حررها التحالف في الجنوب، يعتقد أن المتطرفين الإسلاميين، بما في ذلك تنظيم القاعدة والأفرع التابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» تملأ الآن هذا الفراغ الأمني الجديد.

« لا أحد يخدم الحوثيين مثل القاعدة .. ولا أحد يخدم القاعدة مثل الحوثيين»، وفق ما كتب «حسين وديع» الباحث اليمني الزيدي البارز ملخصا الطريقة التي توظف بها كلا المجموعتين عداءها للأخرى في حشد التأييد الشعبي.

وبدلا من الحديقة التي وعدوا بها، استخدم الحوثيون ثكنات الجيش كسجون لاعتقال المعارضين. كما أوضح أحد المتعاطفين السابقين مع الحوثيين بقوله: «وجد الحوثيون أنفسهم في مواجهة أمواج شاقة في حين أنهم لا يستطيعون السباحة» . بعض المؤيدين تحدثوا بإحباط عن ممارسات أشبه بروايات «جورج أوريل» مثل تثبيت الموالين لهم في المؤسسات الحكومية لمراقبة الموظفين، إضافة إلى غياب الكفاءة في إدارة مؤسسات الدولة. أضف إلى ذلك الحملات الواسعة ضد المعارضين، ناهيك عن عمليات الخطف، والتعذيب، وإسكات وسائل الإعلام.

أعدت الحكومة الحوثية قوائم سوداء شملت العشرات من موظفي الحكومة لمجرد وجود شكوك بأن لديهم صلات مع الإسلاميين. كما قامت بسجن المئات من قيادات الصف الأول والثاني لحزب الإصلاح الإسلامي. ولتأمين الإفراج عن هؤلاء المعتقلين، فقد كتانوا يجبرون على الخروج على شاشة قناة المسيرة الفضائية الحوثية  للتنديد بالهجوم الذي تقوده السعودية، أو يفرض عليهم التوقيع على أوراق تؤكد دعمهم للحوثيين. ومن بين هؤلاء القائد البارز في التجمع اليمني للإصلاح «محمد قحطان» الذي طلب منه أن يتبرأ من الهجوم السعودي على شاشات التليفزيون لكنه رفض وفقا لتأكيدات نجله. القيادي الحوثي البارز «ضيف الله الشامي» قام بتبرير هذه الاعتقالات عبر التأكيد بقوله: «نحن في حالة حرب».

ميليشيات الحوثي هاجموا بعنف المعارضين الآخرين أيضا بالتحديد وسائل الإعلام والمثقفين. وقد قاموا بتفجير مئات المنازل لخصومهم في المدن والقرى اليمينة. هذه الممارسة تحمل بعدا رمزيا  بشكل كبير، فالرجل الغير قادر على حماية منزله وفقا لمعايير قبلية، فإنه يجلب العار لنفسه ولأبناء قبيلته وقريته. وقد فرت كتلة كاملة من السياسيين اليمنيين والتكنوقراط، وزعماء القبائل إلى المملكة العربية السعودية، وجنوب شرق آسيا، وتركيا خوفا من الهجمات الانتقامية.

فشل اقتصادي

وربما كانوا على حق بالفرار، فإن مجرد مشاجرة شخصية مع أحد أعضاء جماعة الحوثي يمكن أن تودي بك إلى السجن. المحامي «صادل المعلمي» المستشار القانوني لوزارة الثقافة والمنتمي للتجمع اليمني للإصلاح تم احتجازه بسبب عمله لدى الوزارة بهدف تسوية دعوة قضائية مقامة ضد أحد الحوثيين. قال «المعلمي» في 7 يوليو/ تموز أن «أبو بارود»، وهو أحد قادة الميليشيات، ورجاله المسلحين قد قاموا باقتحام منزله وتعصيب عينيه واقتياده إلى مكان غير معلوم حيث استجوبوه حول انتماءاته السياسية لمدة سبع ساعات.، قبل أن يتم إيداعه أحد مراكز الشرطة وإطلاق سراحه. تكررت الممارسة مع عشرات الصحفيين والشباب وأساتذة الجامعات وتم اقتحام عشرات المؤسسات الإعلامية وإغلاق مواقع الأخبار اليمنية الأكثر شعبية.

الإدارة الاقتصادية للحوثيين لا تقل سوءا عن إدارتهم لقضايا حقوق الإنسان. يقول منتقدون إن الجماعة كانت وراء تحرير أسعار الوقود الشهر الماضي بهدف توفير المزيد من الأموال لتمويل الحرب تاركة المستهلكين تحت رحمة تقلبات أسعار السوق. ودعت المجموعة منذ فترة طويلة لمقاطعة المنتجات الأمريكية الصنع، بينما تؤكد وسائل الإعلام المحلية أن الحوثيين قد استولوا على المصانع والمستودعات من الامتيازات الغربية مثل كنتاكي فرايد تشيكن وباسكن روبنز، التي يديرها كبار رجال الأعمال مثل عائلة آل الأحمر . وبدلا من إغلاقها، فقد غيروا الموظفين وتولوا هم عملية جمع العائدات. كما فرض الحوثيون ضريبة إضافية على الشركات، مبررين ذلك بأنها ضرائب موجهة للمجهود الحربي. وفي حادث واحد في الشهر الماضي، نظمت السائقات احتجاجات عفوية عبر إضرام النار في إطارات السيارات قرب محطة الوقود بصنعاء للتعبير عن غضبهن من رفض بيع الغاز لهن رغم انتظامهن في طوابير لمدة يومين. واتهمت سيدتان مدير المحطة بتهريب الغاز إلى الحوثيين، والذي أجاب بأن الغاز «يذهب إلى المجهود الحربي».

«لصوص الله»!

وبالنظر إلى المشاكل التي يواجهها الحوثيون، قد لا يكون من المستغرب أن نجاحاتهم في ميدان المعركة قد باتت تتضاءل.

بمساعدة من قوات التحالف التي تقودها المملكة العربية السعودية، فإن الحكومة اليمنية التي كانت تقيم في المنفى قد عادت للتو إلى عدن. كما أنها  قد استعادت الآن السيطرة على خمسة على الأقل من 22 محافظة في اليمن. عند هذه النقطة، لا يزال الحوثيون يسيطرون بشكل كامل على ستة مقاطعات أخرى، بينما تجتاح المعارك البرية والغارات الجوية المكثفة المنطقة الوسطى. دمرت الضربات الجوية والمعارك البرية مدن بأكملها ودفعت الأمة الفقيرة بالفعل إلى حافة المجاعة، وفقا لجماعات الإغاثة الدولية. من جانب آخر تشير تقديرات الأمم المتحدة، إلى مقتل أكثر من 4000 مدني،وإصابة نحو 19 ألفا آخرين، وتشريد أكثر من 1.5 ملايين من البشر سوى 13 مليونا آخرين يعانون خطر المجاعة.

ويقول «أمين جمعة» والذين كان من مؤيدي الحوثيين ذات يوم: «شعبية الحوثيين تضعف،ولكن هذا ليس الوقت المناسب لينقلب عليها» مستشهدا بالمثل العربي «أنا ضد ابن عمي، ولكن أنا وابن عمي ضد الأعداء»، مؤكدا على أن السعوديين هم أعداء حقيقيين.

وفي الوقت نفسه، يواصل التحالف التي تقوده السعودية بناء القوة في المحافظة الشرقية المحورية مأرب والتي تضم البنية التحتية للنفط في اليمن تمهيدا لاستعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

ولكن إلى الآن، فقد عمقت عمليات التحالف الانقسامات القبلية والطائفية داخل اليمن. معظم الجنوبيين يناصرون التحالف الذي تقوده السعودية بعد المعاناة في ظل الحملة العسكرية للحوثيين. الشماليون، من ناحية أخرى، ومعظمهم من الشيعة الزيديين، يحملون عداء عميقا ضد السعودية لشنها حملة لا تفرق بين الأهداف المدنية والعسكرية. وقد أجبرت التفجيرات أحياء بأكملها في صنعاء لطلب اللجوء في ضواحي العاصمة أو في المناطق الريفية.

وقد أدى الصراع إلى انقسامات داخل حركة الحوثي ذاتها، «على البخيتي»، أحد كبار السياسيين الحوثيين السابقين أعلن انشقاقه في سبتمبر/ أيلول عبر سلسلة من منشورات فيسبوك تحت عنوان «لصوص الله». وقد اعترف «على العماد» الرئيس الجديد للجنة الثورية للرقابة التي ألقيت عليها مسؤولية سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان وسوء الإدارة، والأخطاء المنظمة في إدارة الدولة بأخطاء مجموعته في عملية إدارة الدولة ملقيا باللوم والأخطاء على «فصيل من المتشددين». وينتمي «العماد» إلى الفصيل الأكثر برجماتية. وقد غادر العضو السابق «عبده بشير» اللجنة الثورية العليا، وهي هيئة المحاكمة الحوثية، التي تشكلت في فبراير/شباط الماضي متهما المجموعة بإنشاء هيئات غير قابلة للمساءلة واتخاذها ستارا للحكم من ورائها. عضو سابق آخر هو «محمد المجالي» كتب على صفحته على فيس بوك «تقع السلطة في أيدي أناس لا نعرفهم وليس بإمكاننا الوصول إليهم».

المصدر | فورين أفيرز
عرض التعليقات
تحميل المزيد