حلّ الوزير الأول الجزائري، عبد المالك سلال، ضيفًا على المملكة العربية السعودية. وتوجت الزيارة التي دامت يومين كاملين بتوقيع اتفاقيات ثنائية في المجال الاقتصادي، والاستثماري. ووصف سلال الزيارة بالناجحة والمفيدة جدًّا، بعد أن عرفت العلاقات الجزائرية السعودية تذبذبًا في جانبها السّياسي، منذ انطلاق شرارة الثورات العربية؛ بسبب تباين الموقفين في دعم رياح التغيير التي هبت على المنطقة العربية.

وخصّت وسائل الإعلام المحلية والدولية اهتمامًا خاصًا بهذه الزيارة، التي تعتبر بداية لإذابة الجليد، بخاصة وأنها اختتمت بإعلان تأجيل النقاش في الخلافات السياسية، وفتح صفحة جديدة في التعاون الثنائي في قطاعات الفلاحة، والخدمات، والطاقة، وهو ما قد يمهد لتغير في الخارطة العربية سياسيًّا، بين نظامين مستقرين إلى حد ما.

وسبق أن أبدت السعودية امتعاضًا من الجزائر، بخصوص عدم مشاركتها في التحالف العسكري العربي، الذي قرر دخول الحرب في اليمن. وبسبب العزلة التي تعتمدها الجزائر تجاه القضايا العربية، كحجة دائمة في عدم التدخل في شؤون الآخرين، وانحياز الجزائر الواضح إلى بشار الأسد في النزاع الدائر في سوريا، في حين تعمل السعودية على إدانة حزب الله، أهم حلفاء الأسد، ووضعه على قائمة الجماعات «الإرهابية»، ودعم قوى المعارضة لإطاحة النظام السوري.

https://youtu.be/CbWeWGMK-sI

شهر العسل بين الرياض والجزائر

ووصف الوزير الأول، عبد المالك سلال، العلاقات الجزائرية السعودية بالممتازة والجيدة، وقال إن زيارته هذه تأتي في إطار «ترقية وتطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين». وفي حوار له مع قناة الإخبارية السعودية، ركز سلال على الفرص الاستثمارية في الجزائر، وتشجيع حكومته للاستثمار الأجنبي في بلاده، وتهيئة مناخ المال والأعمال، معترفًا أنه من الخطأ الاعتماد فقط على عائدات المحروقات التي تمثل 93% من مداخيل البلاد.

وفي نفس الحوار دعا سلال السعوديين للتركيز على الاستثمار في الجزائر، باعتبارها بوابة لأفريقيا، التي سمّاها بـ«مستقبل السوق العالمية»، كما قدم أرقامًا حول الأراضي الفلاحية الشاسعة بالمناطق الداخلية، والصحراوية، والتي باشرت بها شركات أمريكية وأوروبية الاستثمار في وقت قريب. وضرب سلال الذي رافقه وفد حكومي واقتصادي مهم، مثالًا بإنشاء أكبر ميناء في البحر الأبيض المتوسط والمخصص للسوق الأفريقية، هذا الميناء يربط البحر المتوسط بوسط أفريقيا، عند إتمام الطريق السيار للوحدة الأفريقية «الجزائر تجاه العاصمة النيجيرية أبوجا».

ورحب الوزير الأول بشركة أرامكو السعودية، بالتعاون مع سوناطراك في عمليات التنقيب حول النفط والغاز بالجزائر، حيث تعرف الشركة السعودية خلافات مع الجانب المصري إثر نشوب خلاف حكومي للعلن بين مصر، والسعودية تجاه عدد من الملفات الدولية، خاصةً ما تعلق بتعاون نظام السيسي مع إيران.

وفي تصريح ملفت للانتباه من الوزير الجزائري، قال سلال إن «الشعب الجزائري برمته سوف يهب كرجل واحد للدفاع عن البقاع المقدسة بالمملكة العربية السعودية في حال تعرضها لأي تهديد إرهابي»، وهي بمثابة رسالة إيجابية من الحكومة الجزائرية إلى السعودية بخصوص ما أثير في الآونة الأخيرة من موقع «ميدل إيست آي»، حول طلب السعودية وقطر من الجزائر المشاركة بجنود على الحدود السعودية اليمنية، وهي الدعوة التي رفضتها الجزائر، وسارعت حينها السعودية على لسان المتحدث العسكري باسم التحالف العربي أحمد العسيري بنفي هذه الأخبار.

الأزمة المالية تقارب البلدين

وتدفع الأوضاع المالية الصعبة للبلدين المعروفين بالنفط إلى التعاون الاقتصادي أكثر، فالمملكة العربية السعودية تعيش أوضاعًا صعبة لقيادتها الحرب الدائرة على حدودها في اليمن، خاصةً وأن دولًا كبيرة امتنعت عن المشاركة في هذه الحرب، مثل باكستان، والجزائر، ومصر، بالإضافة إلى المتاعب المرتقبة في قانون جاستا الأمريكي، والتي جعلت المملكة تدفع ثمن المتاعب بنفسها، وتلقى الصدمة تلو الأخرى بالمنطقة.

والجزائر هي الأخرى بدأت في اتباع سياسة التقشف المالي منذ العامين الماضيين، ويأتي التقشف بعد الانهيار الكبير في أسعار النفط، وهي التي تعتمد في مداخيلها بشكل مباشر على أسعار المحروقات عالميًّا، ونجحت الجزائر نسبيًّا في بلورة اتفاق بين أعضاء منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط، في آخر اجتماع لها شهر تشرين الأول، إلا أن الأسعار استقرت في حدود لا تسمح بالخروج من الأزمة المالية التي تعيشها منذ مدة.

وارتفع التبادل التجاري بين السعودية والجزائر من 95 مليون دولار عام 2006، إلى نصف مليار دولار نهاية عام 2015، وهو مؤشر لا يعكس حجم البلدين والاستثمارات والعلاقات التاريخية والدينية التي تربط البلدين منذ نشأة الدولة الوطنية، ويعترف المسؤولين أن الخلافات السياسية هي التي بقيت حجر عثرة أمام التقارب الاقتصادي الذي يعود بالفائدة على الشعبين السعودي، والجزائري.

إيران والمغرب حجر عثرة أمام أي تقارب ثنائي

وبالمقابل، تحسنت العلاقات الجزائرية الإيرانية على أكثر من مستوى في الأعوام الأخيرة، خاصةً تجاه الملفين السوري واليمني، كما أن وزير خارجية إيران كان يستقبله في كل مرة رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة، في حين رفضت الرئاسة استقبال وزير خارجية السعودية في زيارته الأخيرة للجزائر، واكتفى بالوزير الأول ووزير الخارجية رمطان لعمامرة، وهي إشارة دأب على التعامل بها النظام الجزائري حيال كل ضيف غير متفق مع سياسة بلده.

 

وتنظر الحكومة الجزائرية إلى الممالك الخليجية، وخاصة السعودية بعين الريبة، بخاصة في مواقف هذه الدول تجاه الثورات العربية التي تعتبرها الجزائر «مؤامرة غربية، وتخطيط أمريكي لزعزعة المنطقة، وتجسيد نظرية الفوضى الخلاقة»، هذا بالإضافة إلى دعم السعودية للملف الصحراوي، ودعم الجارة المغرب، التي تنافي حسبها مواقف وقرارات الأمم المتحدة، وهو ما يزيد العلاقات توترًا، ويمهد لتقارب إقليمي خارج المنطقة العربية كإيران، وروسيا، وفرنسا.

وعلق وزير الخارجية رمطان لعمامرة بخصوص تحركات الجزائر تجاه الملفات الإقليمية الساخنة بـ«نحن لا نتحدث كثيرًا، بل نعمل كثيرًا»، إثر انتقاد بعض وسائل الإعلام، موقف الجزائر الدائم من عدم الدخول في النزاعات.

واحتفت وسائل الإعلام المحلية للبلدين بزيارة سلال إلى السعودية، ووصف موقع كل شيء عن الجزائر الزيارة بانطلاق شهر العسل بين البلدين، في حين ركزت يومية الخبر على استقبال الوزير الأول الجزائري من قبل الملك سلمان بن عبد العزيز، كما وصفت جريدة عكاظ السعودية الزيارة بالتقارب المهم على صعيد القوتين الإقليميتين بالمشرق والمغرب العربيين، ونقلت تصريحًا لوزير النفط المغربي يرجع فيه سبب ضعف التعاون الاقتصادي إلى قوانين الاستثمار في الجزائر، وقاعدة 51/49 التي تعيق الطموح السعودي بالسوق الجزائرية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد