طوال أسبوعين شنت فيهما المملكة العربية السعودية حملتها الجوية لقصف مناطق تمركز الحوثيين باليمن، استطاعت – بالكاد – أن تبطئ من المد الشيعي في اليمن، والذي يبدو مستعدا لقتال طويل.

يبدو أن التصميم السعودي مرتبط بهدف أعمق من مجرد التغلب على مسألة انعدام الأمن على حدودها أو الخوف من استغلال إيران روابطها المسبقة مع المتمردين، إذ أن القادة السعوديين اتخذوا أيضًا دور الحارس لكل من جيرانها الجنوبيين بل والجزيرة العربية على اتساعها.

وقد قال الملك سلمان في اجتماع مع القادة السياسيين للأمة وقوات التحالف: “قد تبدو قدرتنا على التدخل أنها نعمة، لكنها تضع أيضًا مسؤولية على عاتقنا”

كان الأمر أكثر من مجرد دعوة – للتصدي للمد الشيعي – وجهها العاهل السعودي ووزير الدفاع السابق المعتلي العرش في يناير الماضي حيث عكست وجهة النظر السعودية الراسخة تجاه اليمن، والتي تشكلت عبر عقود من التدخل والتمرد والسياسة القبلية والدسائس. كما كشفت عن رغبة السلطات السعودية في تأكيد سيادتهم العسكرية، مدفوعين بموافقة حاسمة من المؤسسات الدينية السنية النافذة، التي منحت العائلة المالكة شرعية الحكم في أكثر الأراضي الإسلامية قداسة.

ويرى الخبراء أن العواقب المتوقعة للتدخل السعودي في اليمن – متضمنة مخاطر تعميق التوتر الإقليمى مع إيران – يظللها التوجه للحفاظ على اليمن خافضة الجناح للسعودية. أو إن الحتمية التاريخية التي تدفع السعودية للحفاظ على اليمن تحت جناحها، تطغى أهميتها على أي عواقب متوقعة جراء التدخل السعودي في اليمن، بما في ذلك مخاطر تعميق التوتر الإقليمي مع إيران.

يضيف “علي الأحمد” – مدير معهد واشنطن لشؤون الخليج والناقد لسياسات السعودية – أن السعودية ترى نفسها الأخت الكبرى لليمن، وتشكل هذه القناعة القلب المحرك لقرار الهجوم، أكثر من رغبتهم في مناطحة إيران ومن رغبتهم في إعادة حليفهم للرئاسة. ولو لم يعلن القادة السعوديون عن بدء قصف اليمن لأصابهم القلق. إذ لم يمر وقت منذ تأسيس الدولة السعودية الحديثة – منذ أكثر من ثمانين عاما – كانت فيه المملكة أقل تحكما في شؤون اليمن من الوقت الحاضر.

يجد الناظر إلى الخريطة اليمنية اليوم شبها كبيرا بينها وبين الثوب المرقع، إذ تحولت إلى مناطق تسيطر عليها تنظيمات تعادي السعودية الموالية للغرب، ومعادية بعضها البعض في الحين ذاته. ما بين قطاع قوي النفوذ من تنظيم القاعدة، و مجموعات تدعي الولاء لتنظيم الدولة الإسلامية، والمتمردون الشيعة – المعروفون بالحوثيين – وقد سيطر الفصيل الأخير على صنعاء العاصمة، ويسعون لفرض سيطرتهم على ثاني أكبر مدينة، عدن.

الهدف الرئيس المبرر للهجوم الذي تقوده السعودية، هو إعادة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، الذي هرب للسعودية من مقر إقامته في عدن بعد محاوطة المتمردين له الأسبوع الماضي. ولكن السعوديين – وحلفاءهم العرب من السنة – أوضحوا بجلاء أن أهدافهم الطويلة الأمد على رأس خطتهم الحالية كذلك.

وقد عزز هذا الهجوم، قرار جامعة الدول العربية باتخاذ إجراء عسكري فاصل وسريع استجابة للأزمات الإقليمية الملحة. كان التحرك رسالة مفحمة للقوى الشيعية بإيران، وعلامة أيضًا على تعاضد إقليمي قوي ضد تهديدات كالقاعدة والدولة الإسلامية.

وليس بخفي أن تحركات القوى العسكرية العربية في أزمات المنطقة ليست سابقةً أولى، فقد شاركت الإمارات العربية المتحدة والأردن، في الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، واستهدفت الطائرات الحربية المصرية أهدافًا يظن أنها لخلايا تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا في فبراير الماضي.

ولم تسلك المملكة السعودية مسلكًا مختلفًا، فقد كانت ظهيرا أساسيا في تمويل المتمردين السوريين، هادفة إلى الإطاحة بحكومة بشار الأسد المدعوم من إيران.    

يقول الخبراء إن اليمن – على الرغم من ذلك – تمثل رقعة جديدة ومختلفة، يمكنها أن تكون أرض اختبار للقتال السعودي المستمر الموجه لأعدائها والذي يتجاوز المواجهة الحالية الحاسمة مع الحوثيين، ويستهدف القاعدة وغيرها. وربما يتفوق على استراتيجية البنتاجون العسكرية في توجيه الطائرات بدون طيار بالاعتماد على القوات البرية وقوة نيران أضخم.

اقترح أحمد العسيري – المتحدث باسم التحالف العسكري العربي – أن يتسع نطاق الحراك العسكري ليشمل القاعدة إضافة الى الحوثيين معتبرا إياهما وجهين لعملة واحدة قائلًا: “إن واحدا من أهداف الهجوم العسكري هو القضاء على كل المجموعات الإرهابية”.

ولقد ظهر جليًا من قبل قوة الدور العسكري الإقليمي للسعودية، على يد سلف سلمان – الملك عبد الله – الذي لبى نداء الجارة البحرين في عام 2011 بإرسال قواته لمساعدة الملكية السنية الصغيرة، في مواجهة المظاهرات التي قادها الشيعة البحرينيين. ولكن الساحة اليمنية الأكبر من نظيرتها البحرينية تضع هذا الدور على المحك.

دبابات عملية درع الجزيرة السعودية تعبر الحدود البحرينية 2011

في الستينات، دعمت القوات السعودية السلالة الشيعية الحاكمة في شمال اليمن، إبان خلعهم من الحكم بانقلاب دعمته حكومة القومية العربية في مصر ممثلة في جمال عبدالناصر. والمفارقة الواضحة تتبدى في قتال السعودية – حينها – نيابة عن العشائر الشيعية التي تدعم بعضا منها الآن حكومة الحوثيين.

جمال عبد الناصر والإمام أحمد من شمال اليمن، والملك فيصل يرتدى الجلباب الأبيض

استطاع التمويل السعودي للمساجد والمجموعات داخل اليمن أن ينشر ويعزز نمط التدين الإسلامي المتشدد – المعروف بالوهابية – الذي تروج له المملكة. وأصبحت الأخيرة بمثابة مصادر لجمع المعلومات وتجنيد المقاتلين المحليين ضد المتمردين الحوثيين. والذين اقتصرت مناطق نفوذهم على المناطق الشمالية قبل المكاسب المذهلة التي حققوها خلال العام الماضي.

كما سعت أموال السعودية لاكتساب ولاء شيوخ العشائر السنية والشيعية في اليمن، وعلى الجانب السعودي من الحدود، تحديدا في ذلك الخط الذي ما زال غير واضح المعالم في كثير من المناطق بين البلدين. ثم أصبحت السعودية مخولة للمزيد من التدخل في اليمن عن طريق مشاريع التنمية التي تقودها العائلات الثرية من التجار ذوي الأصول اليمنية.

في عام 2007، انتشرت على نطاق واسع مقولة الملك عبد الله: “إن أمن اليمن وأمن السعودية لا ينفصلان”

بعد عامين فقط، حاول رجل سعودى المولد – مطلوب للعدالة – تدرب مع خلايا القاعدة باليمن، أن يقتل نائب وزير الداخلية “محمد بن نايف” – آنذاك – في هجوم انتحاري. وأسفرت المحاولة عن إصابة الأمير محمد بجروح طفيفة وكانت بمثابة الناقوس الذي دعاه أن يتوعد بتكثيف حملاته على الميليشيات المسلحة خاصة المرتبطة بالقاعدة في اليمن. وكان هذا قبل أن تعيد موجات الربيع العربي تعديل المعادلات السياسية في اليمن.

الأمير محمد بن نايف عبد العزيز آل سعود

في عام 2011، أمدت السعودية الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بحبل نجاته، حين سمحت له باللجوء إلى أراضيها وعلاج الحروق الخطيرة التي أصيب بها إثر تفجير في قصره الرئاسي الذي حاصره فيه المتظاهرون الذين ألهمهم الربيع العربي بقدرتهم على التغيير.

يرى هاشم أهل برا مراسل الجزيرة الإنجليزية والمتخصص في تغطية الشأن اليمني أن القتال الحالي يعني دخول لاعب جديد للرقعة وإضافة مستوى آخر من التعقيد، فحتى لو استطاعت السعودية أن تعيد الرئيس المنفي هادى للحكم، ستكون النتيجة الحتمية لتلك الحرب على الأرجح مزيدا من الفصائل المتنوعة التي تتنافس على السلطة وتحاول الحد من السطوة التقليدية النافذة للسعودية في اليمن.

و يضيف: اليمن لن تعود أبًدا إلى ما كانت عليه

عرض التعليقات
تحميل المزيد