صاروخ انفجر في الهواء فور انطلاقه، وآخر عاد للأرض وانفجر في قلب العاصمة، ليست تلك هى الصواريخ المُهاجمة لكن الاعتراضية. في 25 مارس (آذار) 2018 أطلق الحوثيون من اليمن سبعة صواريخ على الأراضي السعودية، وجاء البيان السعودي بأن المنظومة الدفاعية اعترضت الصواريخ بنجاح، لكن لم تقدم المملكة أي دليل على هذا النجاح. وحين اُضطرت المملكة لنشر مقطع فيديو يُصور تلك الاعتراضات ظهر في الفيديو الصاروخان سالفا الذكر.

سياسة

منذ سنتين
بعد وصول صواريخ الحوثيين لـ«قصر اليمامة»: إلى أي حد يهدد سكان الجبل مُلك آل سعود

ليست تلك هى المرة الأولى التي يتكرر فيها هذا السيناريو، هجوم صاروخي ثم بيان رسمي بالتصدي ثم اكتشاف أن المنظومة الدفاعية لم تنجح في التصدي، حدث سابقًا في هجومين مختلفين في نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) عام 2017. تحليل عميق أجراه معهد «ميدلبوري للدراسات الدولية» لمقاطع الفيديو السعودية وبيانتها الرسمية، يكشف زيف أسطورة التصدي الدائم للصواريخ الحوثية.

جيفري لويس وزملاؤه رسموا خريطة تتضمن مكان انطلاق الصاروخ الاعتراضي ومكان حطامه، وموقع سقوط الصاروخ المهاجم ومكان الحطام الناتج عنه، الخريطة كشفت ببساطة أن كل الصواريخ الحوثية أصابت أهدافها أو سقطت بالقرب منها. كما كشفت أن الصواريخ الاعتراضية غالبًا ما انفصلت رأسها الحربية عن جسم الصاروخ، ليسقط كل جزء في مكان مُحدثًا دمارًا إضافيًا بجانب الدمار الذي يُحدثه الصاروخ الحوثي المُهاجم. كما أن لويس، مدير برنامج منع انتشار الأسلحة في شرق آسيا بمركز «جيمس مارتن»، وزملاؤه يذهبون لأبعد من ذلك فيقولون أن لديهم شكوكًا حول أن تكون السعودية قد حاولت بالفعل التصدي للصواريخ الحوثيّة.

Embed from Getty Images
لكن من المعروف بالضرورة أن الدول لا تقبل أن تُنتهك أجواؤها من قبل طائرة دولة أخرى إلا بإذن، بالتالي لا يمكن القول إن السعودية تُرحب بأن تكون هدفًا تدريبيًا يقيس به الجنود الحوثيون قدرتهم على التصويب ويختبرون عليها صواريخهم الحديثة، إذن لا بد أن السعودية أرادت التصدي، ولا بد أنها حاولت أيضًا، لكن السؤال: هل استخدمت السعودية المنظومة الدفاعية الجوية القادرة على التصدي لتلك الهجمات؟

«منظومة دفاعية ساحرة».. في البدء كانت «البروباجندا» الأمريكية

في حرب الخليج عام 1991 أعلنت الإدارة الأمريكية أن منظومتهم الدفاعية الساحرة قد تصدت لقرابة 50 صاروخ من طراز سكود، نجاح مثالي لم تحققه منظومة سابقًا. تداول الخليجيون الخبر بفرحٍ وعلموا أنهم في أمان ما دامت المنظومة الأمريكية على أراضيهم. ثم لاحقًا، وبصخبٍ أقل من صخب الإعلان الأول، قال الجيش الأمريكي أنه من المحتمل أن المنظومة قد تصدت فقط لـ50% من الصواريخ، أما الباقون فسقطوا لأسباب متعلقة بهم، وأن كفاءة المنظومة ليست عاليةً كما يراها العامة.

بضعة شهور وعاد الجيش الأمريكي ليقول أنّه يثق في 25% فقط من الصواريخ المُسقطة، وأن الـ25% الباقية قد تكون المنظومة هى التي أسقطتهم، أو لا تكون. أحد علماء هيئة الأبحاث في الكونجرس الأمريكي قال لاحقًا إنّه إذا طبّق الجيش الأمريكي المعايير الصحيحة فغالبًا سوف يكتشف أن المنظومة أسقطت أقل من 25% من الصواريخ، وألمح لشائعةٍ متواترة تقول أن المنظومة الأمريكية أسقطت صاروخًا واحدًا فقط، وكان الصاروخ فاسدًا. فيما خلص تقرير مجلس منفصل في الكونجرس الأمريكي إلى أن «هناك أدلة قليلة على أن باتريوت ضربت عدة صواريخ سكود أطلقها العراق في حرب الخليج، وهناك بعض الشك في أن تكون هذه الاشتباكات قد حدثت بالفعل».

هذا التقرير طالب بتشكيل لجنة مستقلة تطلع على كل المعلومات السرية الخاصة بالمنظومة لتوضح كفاءتها الحقيقية، لكن اللجنة لم تتكون، أو تكونت لكنها تقريرها لم يخرج للعلن أبدًا، فضغوط شركات السلاح أقوى من الكونجرس الأمريكي. المنظومة مدار كل تلك الأحاديث السابقة هى منظومة «باتريوت».

«باتريوت».. أو كيف تصبح رائدًا في الفشل؟

بدأت السعودية منذ الثمانينات في بناء دفاعاتها الجوية، بدأتها بإصدارين من نظام «هوك» متوسط المدى. لكن أدركت عجزه بعد أن اشترت منه 10 منظومات كاملة، فاضطرت إلى الترقية لنظام باتريوت الأحدث طويل المدى المعروف بـ «باك-2». لكن  في 2014 دفعت المملكة 1.7 مليار دولار لشركة رايثون لتترقى إلى نظام «باك- 3» القادر نظريًا على تدمير عدد أكبر من الصواريخ في الوقت نفسه، والتصدي للعديد من الصواريخ السريعة وطويلة المدى.

لكن بالرغم من إنفاق مليارات الدولارات على الشراء والصيانة، لا تزال السعودية فريسة سهلة لهجمات الحوثيين. فبالرغم من أن الباتريوت تستطيع تدمير صاروخ عابر للقارات، لكنها تعجز أمام صاروخٍ مُطلق من مكان قريب. إذ إن الصاروخ العابر للقارات حين يصل إلى مكان منظومة الباتريوت يكون قد بدأ في الانخفاض استعدادًا لإصابة الهدف فيمكن للباتريوت قنصه، لكن الباتريوت لا تستطيع التعامل مع الصواريخ أثناء وجودها على ارتفاعٍ عال.

كذلك لأن الباتريوت الأمريكية تستخدم نظام «الإطلاق الساخن»، أي أن محرك الصاروخ يبدأ في العمل أثناء وجوده على الأرض ثم ينطلق، مما يُضيع ثواني ثمينة في مواجهة أي هدف متحرك. في المقابل تجد المنظومات الروسية تستخدم نظام «الإطلاق البارد»، أي ينطلق الصاروخ من الأرض ثم يبدأ محركه في العمل أثناء طيرانه. لهذا لم تستطع الولايات المتحدة ذاتها إسقاط صاروخ «هفان سونج» الذي أطلقته كوريا الشمالية فوق اليابان عام 2017، لأنه كان على ارتفاع 770 كيلومترًا، فاستطاع تجاوزها بسهولة.

لكن إذا كانت المنظومة لا تعمل، والأمريكيون أنفسهم يقولون إنها لا تعمل، فلماذا يصر السعوديون على امتلاكها، ويحزنون لفراقها؟

«باتريوت» والإحساس الزائف بالأمان!

ربما لا تبالي المملكة بالكفاءة الفعلية، المهم الكفاءة الإعلامية. منظومة باتريوت تحظى بتغطية إعلامية وتسويق ضخم يجعل من وجودها رادعًا في ذاته، ويجعل من الصعب أن يُجازف عدو بتجربة قدرتها على الردع. فرغم أن باتريوت فشلت عام 2017 في الدفاع عن السعودية إلا أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب ، خرج ليقول «لقد تمكن نظامنا من إخراج الصواريخ من الجو، نحن جيدون للغاية ولا أحد يستطيع أن يفعل ما نفعله، والآن نحن نبيع هذه الصواريخ في كل أنحاء العالم». كما أن الأهم أن يقتنع الداخل السعودي، مواطنون ومحللون، أن مملكتهم لا تدخر مالًا ولا جهدًا في حمايتهم، والباتريوت تمنح ذلك.

لذا لم تظهر المملكة تأثرًا كبيرًا برحيل الباتريوت الأمريكية، ربما إدراكًا منها بحقيقة قدرات المنظومة الدفاعية، لكن الأهم كي لا يتأثر الرأي العام الداخلي، أو يتم التسويق بأن المملكة باتت بلا حماية. فبعد إعلان الولايات المتحدة سحب أربع بطاريات صواريخ باتريوت مع طواقمها المؤلفة من 300 جندي، أعلنت المملكة أنها ستحل أنظمتها الخاصة للحماية محلها. كما انتزعت من الجانب الأمريكي تصريحات متفرقة تقول بأن سحب الباتريوت ليس لخلافٍ بين البلدين بسبب حرب النفط، لكن لأن التهديد الإيراني للسعودية تراجع، بالتالي لم يعد هناك حاجة لوجود أكتر من المنظومتين القائمتين في قاعدة الأمير خالد الجوية.

Embed from Getty Images
لكن ترامب دائمًا ما يقول كل شئ. فقبل يوم واحد من إعلان الولايات المتحدة سحب بطارياتها من السعودية قال ترامب «هناك دول غنية نحميها مقابل لا شيء، وإذا كنا نقدم الحماية لها فعليهم احترامنا»، ساعات قليلة أكدت أن الاحترام الذي افتقده ترامب هو إغراق السعودية للعالم بالنفط في حربها مع موسكو؛ ما أدى لإفلاس العديد من منتجي النفط الأمريكيين. خاصةً بعد أن وجه ترامب لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، تهديدًا مباشرة في مكالمة هاتفية أُجريت في أبريل (نيسان) 2020، أخبره فيها بأنه إذا لم تتوقف حرب النفط مع موسكو فورًا فإن القوات الأمريكية والباتريوت سيغادرون.

كذلك أضرت تلك الحرب بالنفط الصخري الأمريكي؛ ما يجعل من غير المنطقي أن تحمي الولايات المتحدة بجنودها منشآت النفط السعودية التي تسبب خسارة أمريكية. العقاب الأمريكي سوف يشمل أيضًا سربين من المقاتلات الأمريكية، بجانب تقليص الوجود البحري الأمريكي في الخليج.

هذا التغيّر في العلاقة الأمريكية السعودية لا يُبشر بأن الأمر سيكون عقابًا تأديبيًا لحظيًا، بل سيكون نهجًا جديدًا للعلاقة بين الطرفين. فعلاقة الأمن مقابل النفط باتت مُنهكةً للجانب الأمريكي، خاصة مع الضغط الشعبي المتزايد المطالب بانسحاب أمريكا من الشرق الأوسط، والتوقف عن التورط في مشاكل إقليمية عديدة بجنود أمريكيين يفقدون أرواحهم في حروب لا يؤمن الشعب الأمريكي بجدواها. كما أن الممارسات السعودية الأخيرة، كقتل الصحافي المعارض جمال خاشقجي، جعلت الانطباع العالمي عن السعودية سيئًا، فلم تعد تفهم الشعوب لماذا على أبنائهم أن يحموا دولةً مثلها؟

أمطار حامضية قادمة.. ماذا بعد رحيل «باترويت»؟

يمكن القول إن سَحْب الباتريوت، ما هو إلا أول قطرة في أمطار حامضية مؤذية سوف تُعكر صفو العلاقة بين الحليفين، كأن يلّوح ترامب بعقوبات اقتصادية أو يفرض حظر لتوريد السلاح للجانب السعودي. الطريف أن المأساة السعودية يمكن أن تتفاقم أكثر حال غاب ترامب عن الساحة، كأن يظفر المرشح الديمقراطي جو بايدن بالرئاسة. لأنه في تلك اللحظة سوف تصبح السعودية مضطرةً لدفع ثمن العديد من تجاوزاتها الإقليمية والإنسانية.

ما يفرض على المملكة ضرورة البحث عن بديل قوي للمنظومة الأمريكية، خاصةً والدفاعات الجوية السعودية شديدة الترّهل قليلة الكفاءة، ترسانة ضخمة من الأسلحة لكن بلا كفاءات بشرية قادرة على ترويضها. الحل السريع ربما يكمن في «تدويل» حماية السعودية، فيمكن للمملكة أن تلعب على وتر أن النفط يُهم العالم أجميع، لا أمريكا وحدها، لذا فعلى العالم أن يشارك في حمايته.

وبالفعل أعلنت اليونان في فبراير (شباط) 2020 أنها سوف تنشر منظومات باتريوت تابعة لها في السعودية، ضمن برنامج مشترك مع فرنسا وإيطاليا. وسوف تُرسل أثينا مع منظوماتها 130 جنديًا لتشغيلها، وبالطبع تتحمل السعودية كل التكاليف المادية لنقل وتدشين المنظومة، وإقامة طاقمها. يمكن القول إن اختيار اليونان تحديدًا تم لعلاقتها القوية مع إسرائيل، وعدائها المعروف مع تركيا، ما يعني أن السعودية تحتمي بإسرائيل بشكل غير مباشر.

وتجدر الإشارة إلى أن سياسة اليونان منذ عقود تقتضي بألا لا تنتشر في الخارج، لذا فوجودها في السعودية سيكون أول تواجد لها في المنطقة منذ عقود، لكن إذا رسمنا الخط على امتداده يمكن فهم لماذا اليونان؟ لأن اليونان قد تكون أيضًا وسيطًا آمنًا لحصول السعودية على الأسلحة الأمريكية، ما يحفظ العلاقات الثنائية من مزيد من التدهور إذا اشترت السعودية منظومةً روسية أو صينية. خاصة وأن السعودية قد عررضت عام 2017 أنها تتوق لامتلاك المنظومة الروسية «إس -400»، لكن الضغوط الأمريكية جعلتها تتراجع ومنحتها أمريكا منظومة «ثاد» التابعة لها.

كما يجب أن تقتنص الرياض الفرصة لتراجع نفسها وتتساءل حول مفهوم القوة، فبينما تنفق السعودية على جيشها قرابة 60 مليار دولار للتسليح، تدفع كذلك أموال لدولة أخرى كي تحميها، فيجب على السعودية أن تختار إما الدفع للحماية الخارجية أو الاعتماد على السلاح الداخلي.

كذلك تُعتبر تلك الجفوة فرصة كي تُدرك الرياض مركزيتها بالنسبة للولايات المتحدة، صحيح أن الاعتماد على النفط الخليجي انخفض لقرابة 50% بسبب الاكتشافات المحلية الأمريكية، لكن واشنطن لا تستطيع أن تترك دولةً مركزية مثل السعودية فريسةً لدولة إقليمية أخرى. كما أن وجود ترامب وإدارته المليئة بالصقور المتطرفة التي ترى في إيران كابوسًا لا مثيل له، يمثل ورقة ضغط لصالح الرياض عليها أن تستغلها بأسرع ما يمكن، قبل أن تأتي الانتخابات الأمريكية القادمة بما لا تشتهي براميل الخليج النفطية.

العالم والاقتصاد

منذ 6 شهور
هل تنقذ تدخلات ترامب صناعة النفط الصخري الأمريكي؟

المصادر

تحميل المزيد