يمر الاقتصاد السعودي، بسنوات صعبة منذ منتصف 2014 بعد هبوط أسعار النفط؛ وهو الأمر الذي دفع المملكة لتطبيق إجراءات تقشفية واسعة، تمثلت في خفض للإنفاق الحكومي، بالإضافة إلى وقف كثير من مشروعات البنية التحتية، في الوقت التي تسجل فيه إيرادات المملكة تراجعًا حادًا.

وأهم مظاهر التقشف التي لجأت إليها المملكة، هي: الضرائب والرسوم، بالإضافة إلى خفض أجور الكثير من القطاعات عن طريق إلغاء بنود الكثير من البدلات، هذه السياسات كانت نتائجها مباشرة على التضخم في البلاد.

وشهد التضخم في البلاد صعودًا ملحوظًا مع مطلع العام الماضي، إذ سجل نحو 4.3% في يناير (كانون الثاني) 2016، فيما استمر فوق 4% حتى نهاية يونيو (حزيران) 2016، إلا أن منحنى المعدل سجل هبوطًا متسارعًا بداية من يوليو (تموز) 2016، إلى أن سجل نسبة سالبة في يناير (كانون الثاني) 2017، وهي النسبة الأقل منذ فبراير 2009، بحسب البيانات المتوفرة لدى مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي).

ووفقا للبيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، سجل معدل التضخم في فبراير (شباط) 2017 نسبة 0.1- في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، بينما ارتفع بنسبة 0.3 في المائة مقارنة بشهر يناير (كانون الثاني) من نفس العام، إذ سجل نحو 0.4- في المائة وذلك للشهر الثاني على التوالي.

في البداية وبما أن التضخم ينخفض، يظن البعض أن هذا الأمر ايجابيًا، إذ إن الأسعار تنخفض، ولكن في الواقع فإن «التضخم السلبي» دليل على حالة من الركود الاقتصادي، الذي يصيب البلاد، إذ إن مستويات الأسعار انخفضت بسبب انخفاض مستويات الطلب والقوة الشرائية.

وهنا يجب أن نوضح الفرق بين التضخم بصورة عامة و«التضخم السلبي»، ويعرف التضخم بأنه الارتفاع المستمر للأسعار، إذ إن هذا الارتفاع يعكس انخفاض قيمة النقود الحقيقية، وليس حجمها المتداول بين الناس، كما يمكن تعريفه أيضًا بأنه ضعف القوة الشرائية للعملة، فالفرد يتسلم نفس الراتب، لكنه يشتري به كمية أقل من السلع والخدمات كل مرة.

أما فيما يخص «التضخم السلبي»، الذي يعني انخفاض الأسعار، وليس فقط أن أسعار السلع والخدمات قد ارتفع بوتيرة أقل، هو أحد أخطر الظواهر الاقتصادية التي تصيب اقتصاديات الدول في العالم الحديث، فهو مرض اقتصادي يبطئ نمو الاقتصاد، ويؤدي إلى انكماشه، كما يرفع من نسب البطالة وقد يدفع الاقتصاد إلى كساد طويل له آثار سياسية واجتماعية وخيمة، أقلها انخفاض الاستهلاك والاستثمار.

وتشن البنوك المركزية في دول العالم المتقدم حربًا واسعة على نسب التضخم المتدنية وذلك لهذه الآثار السلبية، وعلى رأس هذا البنوك هو المركزي الياباني والأوروبي، إذ تستهدف الدولة عادة مستوى تضخم بسيط -بحدود 2% سنويا- لضمان الابتعاد عن دائرة خطر التضخم السلبي، وكذلك لتحفيز الاستثمار والاستهلاك.

كيف وصلت السعودية إلى التضخم السلبي؟

يرى المحللون أن وصول السعودية إلى مرحلة التضخم السلبي جاءت نتيجة ، لثلاثة عوامل رئيسة، على رأسها، انخفاض الإنفاق الحكومي الاستثماري، بسبب هبوط أسعار النفط، إذ ألغت السعودية تنفيذ مشاريع بقيمة تصل إلى تريليون ريال (266.6 مليار دولار)، وذلك في العام الماضي، وهو ما أثر على نمو اقتصاد البلاد بشكل واضح.

ويأتي العامل الثاني متمثلًا في انخفاض القوة الشرائية للسعوديين بسبب تقليص البدلات وضعف نمو سوق العمل، إذ أصدر الملك سلمان عدة أوامر ملكية طبقت بداية من أكتوبر (تشرين الأول) 2016، تقضي بخفض رواتب ومزايا الوزراء وأعضاء مجلس الشورى وخفض مكافآت الموظفين في القطاع الحكومي، وذلك ضمن الجهود الرامية لضبط الإنفاق بعد تراجع عائدات النفط.

ويشكل انخفاض أسعار السلع المستوردة، خاصة الغذائية، العامل الثالث الذي قاد المملكة إلى تسجيل تضخم سلبي للشهر الثاني على التوالي، إذ بسبب انخفاض أسعارها من المصدر أو بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار مؤخرًا أمام كثير من عملات العالم.

السعودي أحمد الدعيج، محلل أسواق المال ومستشار ومدرب معتمد بشركة «FZC»، قال: إن الركود أصاب المملكة بسبب هبوط القيمة الشرائية لدى المستهلكين، والتي قلت بعد رفع الرسوم والضرائب على المواطنين، وكذلك في انتظار تطبيق ضريبة القيمة المضافة.

وتابع الدعيج، لـ«ساسة بوست» أنه من الصعب توقع متى يتوقف الركود بالأسواق السعودية، إلا أن الأمر يتوقف على تطبيق رؤية 2030، ففي حال تنفيذها بشكل دقيق ربما تنتهي حال الركود بحلول 2019، أما إذا حدثت أخطاء في التنفيذ فقد تطول هذه الفترة.

وعن الطريقة التي يمكن أن يعود بها السوق السعودي للانتعاش، يرى الدعيج أنه على الدولة الخروج من مشاريع البنية التحتية وتسليمها لشركات القطاع الخاص، ويتم تحميل تكلفة هذه المشاريع على المواطنين، موضحًا أن خفض الإنفاق الحكومي يسرع من الركود الاقتصادي في البلاد.

ما هي الآثار السيئة للتضخم السلبي؟

الركود هو أبرز ما يصيب الاقتصاد نتيجة هذا النوع من التضخم؛ إذ يؤدي إلى بطء اقتصادي نتيجة ضعف الطلب؛ وهو ما يدفع الشركات لتخفض أسعارها، وهو ما يؤثر بدوره على القطاع الخاص، ويضر بدوران وحركة رؤوس الأموال؛ مما يقلص من فرص الأعمال والعمل، وهو ما يعني انخفاض العمالة الوافدة، التي تشكل أكثر من 80% من القطاع الخاص، أي أن كل 1000 وظيفة يتم فقدانها، فإن أكثر من 800 منها هي لعمالة وافدة ستعود لبلدها.

متى سينتهي التضخم السلبي؟

يرجح المحللون ألا تستمر حالة الركود أو التضخم السلبي مدة طويلة بالسعودية، ورصدت وحدة التقارير في صحيفة «الاقتصادية» السعودية، أربعة عوامل رئيسة قد تدفع حالة الركود للانتهاء قبل نهاية هذا العام، وجاء أولها: الإنفاق الحكومي القياسي الذي تم إقراره في موازنة عام 2017 بنحو 890 مليار ريال، إضافة إلى توجه الدولة إلى دعم القطاع الخاص بنحو 200 مليار ريال.

بالإضافة إلى أن فرض الضرائب الانتقائية خلال أبريل (نيسان) المقبل، وضريبة القيمة المضافة مطلع العام المقبل، ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، فيما يعد توجه المملكة إلى رفع أسعار الطاقة تدريجيًا لتصل إلى السعر العالمي عاملًا ثالثًا يدعم عدم استمرار التضخم السلبي.

ويبرز العامل الرابع، من خلال رفع الحكومة السعودية للرسوم الجمركية لبعض السلع الغذائية، منها منتجات ألبان ودواجن، منذ مطلع العام الجاري، وهو ما سيرفع بالضرورة أسعار السلع الغذائية.

ومن جانبها توقعت شركة «كابيتال إيكونوميكس» انتهاء انكماش التضخم بالمملكة العربية السعودية قريبًا، وذلك بمجرد تنفيذ التخفيضات الجديدة في الدعم، مرجحة ألا يستمر انخفاض معدلات التضخم بالمملكة طويلًا. وأرجعت الشركة ضعف الضغوط السعرية في بداية هذا العام إلى عاملين، الأول هو الانخفاض الحاد في أسعار المواد الغذائية، والثاني إلغاء تخفيضات الدعم العام الماضي.

كيف تأثرت القطاعات الاقتصادية؟

نالت هذه الحالة الاقتصادية من مبيعات كل القطاعات الاقتصادية بالمملكة، ويحاول «ساسة بوست» رصد هذه التغيرات:

المواد غذائية

هشام الشطي، وكيل إحدى شركات المواد غذائية بالطائف، أكد أن الركود بدأ منذ قرار تخفيض الرواتب وإعادة النظر في المناقصات الحكومية والمقاولات، وكذلك تحويل النظام المتبع من الهجري إلى الميلادي؛ وهو ما دفع الشركات لدمج بعض المناطق بالنسبة لمندوبي المبيعات.

ويتحدث الشطي، لـ«ساسة بوست» عن التغيير الذي حدث بنتائج مبيعات الشركة التي يعمل بها، قائلًا: «في 2014 كانت مبيعات الزيوت نحو 350000 كرتون، الأسعار كانت مرتفعة، أما الآن، وبالرغم من هبوط الأسعار، إلا أن المبيعات تراجعت بنسبة 8.5%».

محمد نجم، الذي كان يعمل بالمقاولات وبعد تراجع القطاع انتقل للعمل إلى أحد محلات بيع المواد الغذائية ومستلزمات المطاعم و الفنادق، يقول لـ«ساسة بوست»: إن الأزمة التي يمر بها الاقتصاد السعودي أثرت على قطاع المقاولات بنسبة كبيرة جدًا، لكن فيما يخص المواد الغذائية فإن حالها أفضل كثيرًا.

الأثاث والكمبيوتر

قطاع آخر كان له نصيب كبير من الركود، وهو قطاع الأثاث؛ إذ يقول، على الكربوني، الذي يعمل بأحد معارض الأثاث المكتبي والكمبيوتر بالرياض: «إننا نعيش حالة من الركود منذ العام الماضي، ففي مجال الأثاث أصبحت الجهات الحكومية، التي تتركز مبيعاتنا عليها لا تشترى إلا في الحالات الطارئة».

ويتابع الكربوني، لـ«ساسة بوست» هناك الكثير من معارض الأثاث أغلقت وسرحت العمال، أما الكمبيوتر فبات يعمل بطاقة نسبتها 50% عن الماضي.

المصاعد

عمرو جلال، الذي يعمل ببيع المصاعد، يقول لـ«ساسة بوست» إن هناك ركودًا ملحوظًا بهذا القطاع، أجبر الكثير من الشركات للتصفية وتسريح العمالة، وعن وضع مبيعاته. «منذ عامين كنت أبيع ثلاثة مصاعد في الشهر، لكن الآن الوضع تغير بالرغم من أن المجهود تضاعف، المبيعات انخفضت بنحو الربع، وذلك بمعدل مصعد كل شهرين، كما أن هامش الربح تراجع بنسبة 40% بسبب شراسة المنافسة»، يقول جلال.

المستحضرات الطبية

محمد نبيل تركي، اختصاصي تسويق المستحضرات الطبية بإحدى الشركات في مكة، يقول: «عندما بدأ الركود في مجال المقاولات والعقارات لم نكن نتخيل أن يتأثر المجال الطبي، إلا أنه مع الوقت ظهر التأثير، من خلال استغناء المواطنين عن الكماليات والمنتجات التي يمكن الاستغناء عنها». يتابع تركي خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: مؤخرًا تطور الأمر كثيرًا حتى وصل بالبعض إلى السؤال عن تكلفة الروشتة الطبية، دون صرفها، أو صرف صنف واحد فقط وهو ضروري.

«الشركة التي أعمل بها قررت أن تصفي أعملها وأنا الآن أقوم بسحب البضاعة من السوق، فالملحوظ الآن أن كثيرًا من المحلات أصبح مكتوب عليه للتقبيل (التنازل) أو للإيجار» يقول تركي.

العطور

أحمد طلبه، الذي يعمل بشركة لبيع العطور وخشب عود والبخور، في الرياض، يقول: «الوضع یسوء يوميًا والمبیعات تقل، بالرغم من زيادة العروض والخصومات، العطور لم تعد شيئًا أساسيًا الآن، بالرغم من أنها منذ مدة ليست بالبعيدة كانت من الأساسیات».

وتابع طلبة، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: تراجع الرواتب وتأخیر الزیادة السنویة، جعل السعوديين يفكرون كثيرًا في المستقبل؛ وهو ما يدفعها للاتجاه للادخار وخفض الإنفاق.

الخوف.. من المستقبل!

كرر عدد كبير ممن تحدث معهم «ساسة بوست» جملة الخوف من المستقبل، ويبدو أن الأمر بات يسيطر على عقول السعوديين بشكلٍ كبير؛ إذ يقول عبدالرحمن فهد، المواطن السعودي المقيم بالمدينة المنورة: إن المملكة لا تعاني من الركود بقدر ما تعاني من خوف الشعب من المستقبل، حيث يعيد الجميع ترتيب أولوياته، فيما يخص المصاريف والإدخار، بسبب ضبابية المشهد، على حد وصفه.

يتحدث فهد لـ«ساسة بوست» عن التغيرات التي حدثت في الفترة الأخيرة قائلًا: «الملابس صارت الناس تحلل اللي عندها، وبعدين تشتري، ما عادت رفاهية إلا لطبقة معينة، كذلك تغيير أثاث المنازل ما عاد رفاهية، إلا لطبقة معينة». وتابع المواطن السعودي، الذي أكد أنه عاطل عن العمل في الوقت الحالي، «كان الشغل من 2008 إلى 2011 ممتاز، بعد كدا بدأت تنزل المبيعات وترتفع في المواسم، لكن مواقع التسوق الإلكتروني أصبحت تستحوذ على حصة كبيرة من السوق».

المشهد الاقتصادي الكلي

أعلنت السعودية في ديسمبر (كانون أول) الماضي، موازنة 2017 بإجمالي نفقات تبلغ 890 مليار ريال (237.3 مليار دولار)، مقابل إيرادات قيمتها 692 مليار ريال (184.5 مليار دولار)، بعجز مُقدر قيمته 198 مليار ريال (52.8 مليار دولار). فيما ارتفع الدين العام للمملكة إلى 316.5 مليار ريال (84.4 مليار دولار) بنهاية 2016، تشكل 12.3% من الناتج المحلي بالأسعار الثابتة، مقارنة بـ 142.2 مليار ريال (قرابة 38 مليار دولار)، العام الماضي.

وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى تباطؤ في نمو الاقتصاد السعودي، إذ خفض الصندوق في 16 يناير (كانون الثاني) الماضي، توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في 2017 إلى 0.4% مقارنة بتوقعات سابقة تبلغ 2% كان أعلنها في أكتوبر (تشرين أول) 2016.

تباطأت وتيرة نمو الاقتصاد السعودي، إلى 1.4% في 2016، مقارنة مع 3.5% في 2015. كما ارتفع معدل البطالة بين السعوديين في الربع الثالث 2016 إلى 12.1% مقارنة بـ11.6% في الربع الثاني، حسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء. ويعمل في القطاع الخاص السعودي نحو 10.4 مليون موظف، منهم 1.7 مليون سعودي (16%)، فيما 8.7 مليون أجنبي (84%).

كما خفضت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تقييمها لجودة الائتمان السعودي، الأربعاء الماضي، إذ عزت ذلك إلى تدهور المالية العامة بسبب هبوط أسعار النفط وشكوك حول قدرة الرياض على تنفيذ خططها للإصلاح الاقتصادي. وخفضت الوكالة تصنيف البلاد بمقدار نقطة واحدة إلى A+ من AA- لكنها رفعت النظرة المستقبلية إلى مستقرة من سلبية، فيما تصنف ستاندرد آند بورز المملكة عند A-، بأقل درجتين عن تصنيف فيتش، بينما تمنحها موديز تصنيفا عند A1 بما يتماشى مع فيتش.

عرض التعليقات
تحميل المزيد