ابتسامة أخاذة لفتت انتباه البعض ليقرؤوا سبب انتشار صاحبها على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم فوجئوا أن تلك الابتسامة لـأحمد الخطيب المحتجز بحكم قضائي؛ شاب لم يكمل عامه الـ22، انتقل من سجنه إلى غرفة لا تعلم عائلته مكانها ولا شكلها، ويرتاب البعض في قدرة من حوله على تلبية احتياجاته، حيث يمدد صاحب الابتسامة والوجه البشوش جسده الضعيف غير قادر على الحركة، مصاب بمرض جديد إلى حد ما على مسامعنا ويدعى «الليشمانيا».

بين ليلة وضحاها تفجرت قضيته لتشغل الرأي العام المصري، انتقلت من مواقع التواصل الاجتماعي إلى الصحف والفضائيات حتى القنوات التي ترفض عادة إبراز أي سلبيات لوزارة الداخلية تحدثت عنه.

حملة شارك فيها نشطاء من جميع التيارات والأفكار السياسية، للضغط على وزارة الداخلية المصرية التي اضطرت لإصدار بيان تعلن فيه نقله لمستشفي الحميات وتلقيه لعلاج خاص، لكن الضغوط استمرت بوقفة أمام نقابة الأطباء المصرية في وسط القاهرة للعشرات من المتضامنين مع الخطيب.

الداخلية سعت على ما يبدو لتبرئة ساحتها من خلال بيان قد يراه البعض متناقضًا في معلوماته، إذًا من أحمد الخطيب وما هي قضيته؟ وما أبرز التناقضات في بيان الداخلية؟ وما هو الاتهام الذي تسبب في الحكم عليه بالسجن عشر سنوات؟ جميعها أسئلة حاولنا البحث عن إجابتها.

أحمد الخطيب.. من هو؟

أحمد عبد الوهاب محمد الخطيب، من مواليد الخامس من ديسمبر (كانون الأول) عام 1994، كان يتلقى تعليمه الجامعي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وتحديدًا في كلية التكنولوجيا الحيوية (البايوتكنولوجى)، سافر «الخطيب» إلى تركيا وعقب عودته ألقي القبض عليه من المنزل المقيم فيه بمنطقة الشيخ زايد بمدينة السادس من أكتوبر في محافظة الجيزة، واتهم بالانضمام وتأسيس مجموعة تعمل لتجنيد وتدريب شباب للسفر لسوريا،والالتحاق بتنظيم «جند الشام» في قضية عرفت إعلاميًا باسم «تنظيم جند الشام»، ثم صدر حكم في حقه بالسجن عشر سنوات.

مرض الخطيب

تشير شقيقته فاطمة من خلال عدد من التدوينات على صفحتها على الفيس بوك إلى بداية ظهور أعراض المرض على الخطيب وتقول: «أحمد ظهرت عليه أعراض مرض وضعف عام وفقدان وزن وبعد معاناة وشكاوى واستغاثات، إدارة السجن تكرمت وعملت تحاليل ومرة يشخص أنيميا ومرة التهاب رئوي ومرة لوكيميا (سرطان دم)، وفي كل المرات إدارة السجن رفضت أي علاج أو عفو أو نقل للمستشفى».

وتابعت: «بعد سبع شهور من المعاناة والظلم شُخصت الحالة بمرض نادر ومش منتشر في مصر اسمه (الليشمانيا)، واتنقل له عن طريق حشرة تعيش في الأماكن القذرة اللي زي مقابر الداخلية -وفقًا لوصفها- أحمد اتنقل في 23 مارس (آذار) لمستشفى الحميات، وزنه ٣٨ كيلو لا يستطيع الحركة وتم تقييده من يديه وقدميه وممنوع عنه زيارة العائلة».

بيان وزارة الداخلية الصادر في 29 مارس (آذار) الجاري أكد ما تقوله عائلته وقال: «لوحظ خلال الفترة الماضية فقدان فى الوزن مع شحوب بالوجه وتراجع فى مستوى المجهود وبإجراء تحليل دم تبين وجود نقص ملموس بالهيموجلوبين، وعدد خلايا الدم البيضاء، ووجود ارتفاع فى نسبة الحديد وسرعة الترسيب ليعرف في النهاية أن لديه طفيل (الليشمانيا)».

التضامن مع الخطيب

التضامن الواسع مع أحمد الخطيب يأتي ضمن محاولات من نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومنظمات دولية للضغط على النظام المصري لتقديم رعاية صحية جيدة للسجناء وتحسين أحوال السجون المصرية، التي أصبحت في حالة سيئة للغاية، من وجهة نظر بعض المنظمات الحقوقية، ففي تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان: «الصحة في سجون مصر: بحث ميداني عن محددات الصحة داخل عالم السجون المغلق»، كشف عن تدهور الأوضاع المعيشية والصحية داخل السجون بشكل لا يتماشى مع الحد الأدنى من مكونات الحق في الصحة، وفقًا لنص التقرير.

وارتفعت حملة التضامن مع الخطيب مع نهاية فبراير (شباط) الماضي، وأصبحت المطالب واضحة وهي الإفراج الصحي عن السجين ظنًا أنه مريض بسرطان الدم، ولكن فوجئ الجميع أنه مريض بالليشمانيا، لم يكن المرض معروفًا في مصر وكان لا بد من الحصول على صورة من نص التقرير للضغط بشكل رسمي على الحكومة المصرية، وزادت حملات التضامن ووقع نحو 183 ومنظمة وشخصية عامة بيانًا للمطالبة بالإفراج الصحي عن السجين أحمد الخطيب محذرين من تدهور صحته بشكل خطير بعد إصابته بمرض الليشمانيا، وانتقال العدوى لسجناء آخرين.

الضغط الكبير على النظام دفع وزارة الداخلية لإصدار بيان وتأكيد تحويل الخطيب لمستشفى، والسماح لأسرته بتقديم طلب بالعفو الطبي، مما دفع لزيادة الحديث عن الأزمة وانتشارها حتى في البرامج والقنوات المؤيدة للنظام المصري.

لميس الحديدي تناقش قضية أحمد الخطيب

تناقضات بيان الداخلية

بيان الداخلية الصادر في 29 مارس (آذار) الجاري عبر صفحتها الرسمية حمل الكثير من التناقضات، خلال محاولة الداخلية إلقاء المسئولية بعيدًا عنها، فكانت البداية من تلميح في محاولة ضمنية لاستبعاد إصابة الخطيب بالمرض خلال تواجده في السجن، وقال البيان إن الحشرة الناقلة للمرض (ذبابة الرمل) متواجدة في سوريا والعراق وأنها ليست موجودة في مصر، ومن خصائص المرض الذي تسببه لدغتها الكمون لمدة تتراوح ما بين شهرين إلى عام قبل ظهور الأعراض.

قد يبدو الأمر عاديًا خاصة وأن قضية الخطيب تتعلق بسفره إلى سوريا عن طريق تركيا، ولكن الداخلية وفي نفس البيان أوردت الفترة التي أودع فيها الخطيب السجن وهي من نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 حتى الآن، ما يعني أن الخطيب في السجون المصرية منذ نحو عامين وأربعة أشهر، ما يشير إلى أنه وبنسبة كبيرة كانت الإصابة خلال فترة السجن.

كما أن التلميح بالفعل لم يكن بريئًا تمامًا، فبعض المواقع القريبة من الجهات الأمنية سرب لها الخبر قبل صدور البيان رسميًا، ووجهت الأمر لسفره لسوريا في محاولة لإضعاف التضامن معه.

الليشمانيا في مصر

«حشرة (الساندي فلالي) أو (ذبابة الرمل) وهي حشرة غير متواجدة بالبلاد وموطنها العراق وسوريا» هذه أحد الجمل التي تبرز مدى التناقض والمعلومات غير الدقيقة، النفي الصريح لعدم وجود الحشرة أمر غير منطقي خاصة وأنه بالعودة لعدد من الأخبار بالإضافة لبيانات لبعض منظمات وهيئات دولية مهتمة بالصحة، أشارت إلى وجود الحشرة في مصر ووجود إصابات أيضًا، نبدأ بالموقع الرسمي لمنظمة الصحة العالمية المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وتحت عنوان «الأمراض المدارية والأمراض حيوانية المنشأ» سنجد إحصائية حول الإصابات بالليشمانية الكبيرة في مصر باعتبار أنها في نطاق الدول التي دخلها المرض من سوريا وتشير الإحصائيات لوجود نحو 864 حالة أبلغ عنها في عام 2011، و1260 حالة أبلغ عنها في عام 2012 جميعهم في شمال سيناء.

ومن ضمن تلك الأخبار على موقع اليوم السابع في ديسمبر (كانون الأول) 2014، تصريحات على لسان وكيل وزارة الصحة والسكان المصرية لشئون الطب الوقائي عن اكتشاف نحو 33 حالة مصابة بمرض الليشمانيا الجلدية في مدينة رأس سدر، وبدأ المرض في الانتقال بين شمال وجنوب سيناء وامتد إلى محافظة الإسماعيلية، وكان آخر الأخبار تصريحات من وزارة الصحة حول اكتشاف نحو 1357 حالة ليشمانيا جلدية.

وبالحديث حول الليشمانيا (Leishmania) نعرف أن المرض طفيلي ينتقل عن طريق قرصة ذبابة الرمل، وتنقل ذبابة الرمل طفيل الليشمانيا عن طريق مصه من دم المصاب (إنسان أو حيوان كالكلاب و القوارض) ثم تنقله إلى دم الشخص التالي فينتقل له. وينتشر المرض في المناطق الزراعية والريفية، وعقب اللسعة بأسابيع عدة تظهر حبوب حمراء مختلفة الحجم وتختلف مدة الشفاء منها حسب قدرات كل شخص.

تنظيم جند الشام

بيان الداخلية لم يتطرق للقضية التي كان يحاكم بسببها الخطيب، اسمه رباعيًا أحمد عبد الوهاب محمد الخطيب وبالبحث في الأخبار توصلنا لقضية تشبه إلى حد ما تفاصيل قضية أحمد الخطيب وهي تنظيم «جند الشام»، التنظيم يتكون من متهمين فقط أحمد عبد الوهاب طالب محبوس بحكم قضائي عشر سنوات صدر الحكم في مارس (آذار) 2016، وزوج شقيقته محمد سمير (هارب).

والقضية تشير إلى أن الطالب سافر لتركيا ومنها إلى سوريا، ودافع محاميه خلال نظر القضية بأنه نابغة في العلوم ولم يكن يهدف أبدًا إلى الانضمام لجماعة مسلحة، وسفره لتركيا كان للدراسة وسلم المحكمة أوراقًا بذلك.

الأخبار المتعلقة بالقضية تُظهر أن من ضمن الأدلة صور للخطيب بلباس عسكري، وجدها الأمن على كارت ذاكرة بعد القبض على الخطيب والتحقيق معه ولم تكن معلومة لدى الأمن من قبل، وبرر الخطيب في محاكمته أمام القاضي الصور قائلًا: «ذلك كان ضمن فرقة للاجئين وحتى يستطيع أن يتحدث مع زوج شقيقته، الذي كان في الشام، لإقناعه بالعودة إلى مصر، بعدما فشل عاد إلى تركيا ثم إلى مصر».

واستخدم خلال الحديث مع القاضي بعض المصطلحات بالإنجليزية، ولكن القاضي وقتها داعبه وطلب منه التحدث باللغة العربية، كما أن من الأحراز جهاز اللاب توب الخاص به، والذي لم يوجد عليه أي دليل على قيامة بالعمل في جماعة مسلحة ولا يوجد في الأحراز أي أنواع من الأسلحة كما أنه لا يوجد أي دليل على تلقيه أموالًا من الخارج أو الداخل، وما وجد معه عند القبض عليه، تذكرة سفره السابقة على الخطوط الجوية لمصر للطيران من وإلى إسطنبول ومبلغ مالي «10 دولارات أمريكية – و140 ليرة تركية – ومجموعة من العملات المعدنية التركية – و20 جنيهًا مصريًا».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد