كانت الصومال طوال القرن التاسع عشر مسرحًا للتدخلات الأجنبية، سواء من طرف الاستعمار الأوروبي، حيث كانت تتنافس كلٌّ من بريطانيا، وفرنسا، ثم إيطاليا، وحتى ألمانيا، أو من طرف الجيران الأثيوبيين ومصر العثمانية، وقد ازداد التنافس على هذه المنطقة بشدّة بعد افتتاح قناة السويس، إذ أصبح القرن الأفريقي ممرًّا مهمًا لحركة التجارة العالمية عبر البحر.

جعلت منطقة القرن الأفريقي، بما اكتسبته من أهمية إستراتيجية خطيرة كونها تطلّ على المحيط الهندي وتسيطر على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وباب المندب؛ الذي أصبح يكتسب أهمية استثنائية بعد افتتاح قناة السويس، التنافس الاستعماري الغربي على أشده لبسط نفوذه عليها، بالخصوص بعد الانتصار الإثيوبي الساحق على الإيطاليين في معركة عدوة بقيادة الملك مينيليك سنة 1896، وهو ما عزّز صراع النفوذ داخل الصومال بين القوّتين الاستعماريّتين، فرنسا وبريطانيا، وبين القوّة الصاعدة الجديدة ممثّلة في أثيوبيا. 

في عام 1899 وبينما كان الساحل الصومالي يشهد تدخّلات أجنبية من عدّة أطراف، ويعتبر رسميًا محمية بريطانية، ظهرت رسالة من شيخ طريقة صوفيّة يدعى سيد محمد عبد الله حسن، بها نبرة تحدّ وتهديد، إلى نائب القنصل البريطاني؛ وقد كانت تلك الرسالة بداية للنضال الصومالي، أو لميلاد الحركة الوطنية الصومالية التي استمرّت 21 عامًا في مقارعة القوى الاستعمارية.

كتب

منذ أسبوع
الجهاد والصليبية.. حرب الألف سنة بين العالم الإسلامي وعالم الشمال
 

ولد محمد عبد الله حسن عام 1864، وقد حفظ في طفولته القرآن وتلقى العلوم الشرعية في الزوايا الدينية التقليدية، وبدأ في إلقاء الدروس يالمساجد في سنّ صغيرة، لينتشر اسمه بين مواطنيه باسم الشيخ محمد، بعد ذلك انطلق في رحلة استمرت 10 سنوات يجوب خلالها الصومال ويتلقى العلم الشرعي على أيدي الشيوخ المعروفين في البلاد. 

ثورة الدراويش تخلط أوراق بريطانيا

يذكر الكاتب عبدالصبور شاهين، في كتابه «ثائر من الصومال» أن فكرة الثورة انطلقت خلال رحلة الحج التي أدّاها الملا محمد عبد الله حسن رفقة بعض أصدقائه سنة 1895، إذا اتفقوا في الحرم النبوي على الثورة على القوى الاستعمارية التي تحتل بلادهم، وقد بدأ مشوار الثائر محمد حسن من خلال الخطب الحماسية ضد الاستعمار وضد الشيوخ الموالين له، كما انتقد بناء الكنائس والمراكز التي تنشر التبشير في البلاد، وانتقد فتح أماكن الخمور.

شيئًا فشيئًا بدأ الملا محمد عبد الله حسن في تكوين فرقته العسكرية التي تسمّى «الدروايش»، وكان اختيار الاسم من أجل الترفع عن أي انتماء قبلي أو عرقي لهذه الحركة الجديدة؛ كما كان لهذا الجيش من الثائرين ملابس مميزة ذات صبغة دينية، متكوّنة من عمائم بيضاء وسُبحات، كما فرض على القبائل الموالية له تحكيم الشريعة وإرسال أموال الزكاة إلى سلطته. 

تمثال الملا عبد الله حسن في العاصمة مقديشو

بدأت الثورة الصومالية في تسعينات القرن الثامن عشر بفعل الاحتقان بين السكان الصوماليين المسلمين، وبين المبشرين المسيحيين، إثر مقتل مؤذن، وخلال تلك الفترة برز الشيخ محمد عبد الله حسن، إذ نجح بفضل خطابته ورمزيته الدينية في حشد الجماهير، وكسب تعاطف القبائل المختلفة، وعمل على تأطيرها في دولته الجديدة «دولة الدروايش» من أجل مجابهة البريطانيين. شهدت العشرون سنة ما بين 1900 و1920 العديد من المواجهات بين جيش الدراويش والبريطانيين.

هذه المقاومة الشديدة من طرف الدراويش للتوسع البريطاني دفعت البريطانيين إلى تشكيل وحدات خاصة لقصف مواقع الدروايش بالطائرات، وذلك بدأ من عام 1914، وتختلف الأقوال حول نهاية الملا محمد عبد الله حسن، إذ تشير بعض المصادر إلى وفاته إثر القصف البريطاني، بينما يرجح آخرون وفاته بمرض معدي نشره البريطانيون كنوع من أنواع الحرب البيولوجية، لكن مما لا شك فيه أن وفاته كانت إعلان نهاية ثورة الدروايش، إلا أنها مهدت الطريق نحو بداية الحركة الوطنية الصومالية. 

وقد مهّدت ثورة الدروايش الطريق نحو الحركة الوطنية الصومالية خلال فترة العشرينات من القرن العشرين وما تلاها بقيادة حاجي فرح الذي قاد الجهود من أجل تحسين أوضاع الصوماليين من خلال العرائض والمطالبات للحكومة البريطانية، إذ إن البريطانيين لم يريدوا استفزاز الصوماليين مجدّدًا كي لا تعود الانتفاضة للاندلاع كما حدث مع تجربة محمد عبد الله حسن، بذلك شكّلت ثورة الدراويش وعي المناضليين السياسيين الذين نشطوا خلال القرن العشرين من أجل مجابهة الاستعمار بالوسائل السياسية. 

بعد 20 عام من الكفاح المسلّح ضد الاحتلال البريطاني للصومال، تحوّل «الملاّ المجنون» كما أطلق عليه أعداؤه، إلى رمز للنضال التحرري والوطنية الصومالية التي كانت تتشكّل، لذلك فليس من المستغرب أن تجد تمثالًا ضخمًا له في العاصمة الصومالية مقديشو.

ومن أجل مواجهة حركة «الشباب» الصومالية، التي كانت تنشط خلال السنوات الماضية معتنقة الفكر السلفي الجهادي، جرى استدعاء الصوفية في الصومال باعتبارها بديلًا «أكثر اعتدالًا» وأقلّ تورّطًا في العنف المسلّح، من خلال تركيزها على الزهد وتزكية النفس، لكن التاريخ الصومالي، وتاريخ الحركات الصوفية في مقاومة الاستعمار يعطي صورة مغايرة عن هذا التصور للتصوف الصومالي بأنه كان دائمًا مسالمًا، فصحيح أنه كان مسالمًا باتجاه الصوماليين، لكنه لم يكن كذلك مع الإنجليز.

وصحيح أن «المُلَّا المجنون» وأتباعه الملقّبون بالدراويش قد انهزموا في وجه قوى استعماريّة أوروبية تملك تكنولوجيا وتنظيمًا عسكريًا أكثر تفوّقًا بمراحل، ولكن الأثر الحقيقي لحركة عبد الله حسن ليست في الجانب العسكري الحركي فقط، بل يبرز دوره في التاريخ الصومالي باعتباره الأب الروحي للوطنية الصومالية؛ إذ أشعلت حركته في الشعب الصومالي الرغبة في التحرر والانعتاق من أتون الاستعمار والرغبة في الاستقلال للصومال

عربي

منذ سنتين
جمهورية أرض الصومال.. «دولة الأمر الواقع» التي لا يعترف بها أحد

حركة صوفية تجاهد ضد الاستعمار 

كثيرًا ما ينظر المؤرّخون الغربيون إلى حركة الملاّ محمد عبد الله حسن باعتبارها ثورة دينيّة متعصّبة جاءت لمحاربة «الكفر والضلال» بحسب المفهوم الراديكالي الإسلامي، وإقامة الشريعة، ولذلك يتمّ إلصاق لقب «المُلَّا المجنون» بالزعيم محمد حسن، لكن المؤرخين الصوماليين يرون بأن هذه النظرة الاستشراقية تختصر حركة محمد حسن في جوانبها الدينية وملامحها الصوفية، مع إغفال السياق السياسي والاجتماعي والدولي الذي وُلدت فيه، والظروف الموضوعية التي أدّت إلى بروزها، ولذلك يتمّ عمدًا تغافل الدور السياسي والوطني الذي لعبته الحركة وزعيمها باعتبارها التأسيس الحقيقي للوطنية الصومالية، باعتبارها حركة معادية للاستعمار ومطالبة بالاستقلال الوطني، ولو في إرهاصاتها المبكّرة.

مصدر الصورة: wikiwand

لا يمكن فهم حركة الملاّ محمد بن عبد الله حسن، إلا من خلال سياق القرن التاسع عشر وشكل المجتمعات الإسلامية التقليدية وتنظيماتها السياسية والاجتماعية. إذ كانت هذه الحركة جزءًا من ظاهرة متكررة في العديد من البلدان الاسلامية، أين لعبت الحركات الصوفيّة التقليدية دورًا في تثوير المجتمعات المحليّة وحشدها ضد الاستعمار الأجنبي، ولو أنها في الظاهر اتخذت أشكالًا دينية بحتة، إلا أنها في جوهرها كانت حركات سياسية تحرّرية تطمح إلى تأطير المجتمع التقليدي الذي يوقّر شيوخ الدين ويقدّسهم، واستغلال ذلك من أجل مجابهة القوى الاستعمارية. 

تاريخ

منذ شهرين
الإمام شامل.. شبيه «عبد القادر الجزائري» في داغستان الذي كدّر الروس

حدث ذلك في تجربة المهدي في السودان الذي قاد الكفاح ضد الاحتلال البريطاني، أو في شيوخ الصوفية في الجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي – إذ إن الأمير عبد القادر الجزائري ابن الطريقة القادرية – بالإضافة إلى الطريقة النقشبندية في داغستان ومقاومتها للاحتلال الروسي. بالإضافة إلى ذلك فإن نموذج الملا محمد عبد الله حسن، وغيره من زعماء الصوفيّة الذين قادوا الجهاد ضد الاستعمار، يتحدّى الصورة النمطيّة التي تروج عادةً عن التصوف والمتصوفة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد