نتعرف على ماهية اضطراب السكيتسوفرينيا، ومن ثم سنقوم بتميزه عن اضطراب تعدد الشخصيات.

مع أن السكيتسوفرينيا (Schizophrenia) تعد من أخطر الاضطرابات النفسية التي قد تصيب الإنسان، إلا أن كثيرا من البشر يخلطون عن طريق الخطأ بينها وبين اضطراب تعدد الشخصيات (Dissociative Identity Disorder, formerly referred to as Multiple Personality Disorder)، حيث إننا كثيرا ما نجد العديد من المثقفين وغير المثقفين، والذين يستخدمون مصطلح السكيتسوفرينيا بهدف وصف شخص بوجهين أو بمواقف متناقضة، وهو الأمر الذي يجافي الحقيقية تماما، ويعكس عدم فهم تام لحقيقة ومعنى اضطراب السكيتسوفرينيا.

لأجل تلافي الخطأ المذكور دعونا ـ أولا ـ نتعرف على ماهية اضطراب السكيتسوفرينيا، ومن ثم سنقوم بتميزه عن اضطراب تعدد الشخصيات.

هل تعني السكيتسوفرينيا لغويًا تعدد الشخصيات؟

الحقيقة هي أن الجواب لا، فمرض السكيتسوفرينيا مختلف تماما عن مرض تعدد الشخصيات أو اضطراب الهوية الانشطاري كما يصطلح عليه علميا، وربما كان الخلط يعود لأسباب تتعلق بالطريقة الخاطئة التى تم بها عرض مرضى السكيتسوفرينيا في المسلسلات والأفلام العربية خلال عقود مضت، أو لأسباب تتعلق باللبس الذي قد تحدثه الترجمة العربية لمصلح السكيتسوفرينيا بمعني فصام الشخصية، وما قد يوحي بأن الانسان ترك شخصيته القديمة وتبني شخصية جديدة، وهو ما ليس صحيحًا ألبتة.

لأجل تجاوز هذا اللبس اللغوي المذكور أعلاه دعونا نرى ماذا تعني السكيتسوفرينيا من الناحية اللغوية والاصطلاحية ومن أين جاءت التسمية:

لغة، ينقسم مصطلح السكيتسوفرينيا إلى مقطعين يونانيين يشيران إلى معناه: الأول سكيتسو ‘schizo’ ويعني انفصام، والثاني ‘phren’ ويعني العقل، وبعد جمعهما معا تصبح دلالة المصطلح هي انفصام العقل، ويعد أول من أطلق هذه التسمية هو الطبيب النفسي السويسري بول أوجين بليور 1910م، حيث كان يشير عن طريقها إلى الحالة التي فيها يختفي الترابط بين أفكار المريض، ويفقد قدرته على التواصل مع الواقع. أما مكتشف المرض فهو الطبيب النفسي الألماني إميل كريبيلن 1856، والذي يعد أول من فصل السكيتسوفرينيا عن غيره من الأمراض، وحدد له معايير تشخيصية محددة، وإن شابها بعض الأخطاء آنذاك.

اصطلاحا فإن اضطراب السكيتسوفرينيا أو انفصام الشخصية يعد كما ذكرنا سابقا من أخطر الاضطرابات النفسية، حيث إنه يتصدر الاضطرابات الذهانية، والتي فيها يفقد الإنسان صلته مع الواقع، ويغرق في ضلالات وهلاوس مختلفة، ويعيش في واقع متخيل، يختلف بنسبة كبيرة عن الواقع الذي نعيش فيه، وهو ما يفقد المريض قدرته على التصرف الطبيعي، ويدفعه للقيام بتصرفات غريبة وشاذة، ويمنعه من ممارسة فعاليته الاجتماعية والأكاديمية والمهنية والحياتية بشكل عام، ومن هنا جاء مصطلح الفصام بمعنى أن شخصية المريض تكون قد انفصمت وانفصلت عن الواقع وحقائقه.

هل أعراض السكيتسوفرينيا تعني أنه تصبح للمريض عدة شخصيات؟

الإجابة مرة اخرى لا، فأعراض السكيتسوفرينيا لا تمت بصلة لتعدد الشخصيات لا من قريب أو بعيد، بل هي تنطوي على أعراض مختلفة تماما، قائمة على غياب وانعدام القدرة على الاستبصار السليم لدي المريض، وتدهور قدرته في الحكم على الأمور وإدراك الواقع ومقاربته كما هو، ووفق الدليل العالمي التشخيصي للاضطرابات النفسية DSMV، هناك مجموعة من المعايير التشخيصية التي يجب أن تتوفر في الإنسان كي يتم تشخيصه كمريض شيزوفرينيا، وهي كالتالي:

1. يجب أن يتوفر اثنان على الأقل من الأعراض التالية، وهي (ضلالات، هلاوس، كلام غير منتظم، سلوك غير منتظم أو متخشب، بلادة وجدانية وضعف القدرة على التعبير اللغوي إضافة لانعدام الإرادة).

2. يمكن أن نكتفي بعرض واحد مما سبق إذا ما كانت الضلالات الموجودة عن الشخص شديدة الغرابة (مثال: اعتقاد جازم غير قابل للزحزحة لدي المريض أن هناك كائنات فضائية تعيش في دماغه)، أو أن تكون الهلاوس السمعية التي يسمعها المريض تحتوي على عدة أصوات في ذات الوقت، تقوم إما بالتحدث مع بعضها البعض، أو تعلق على أحداث حياته بشكل دائم.

3. وجود انخفاض حاد في قدرة الإنسان على ممارسة نشاطات حياته اليومية من تفاعل أسري واجتماعي ومهني ووظيفي كما اعتاد في السابق.

4. مدة الاضطراب يجب ألا تقل عن 6 شهور على الأقل، تشمل بداية الأعراض، مرورًا بشهر على الأقل تجتمع فيه الأعراض المطلوبة، وصولًا لبقاء الأعراض السلبية (البلادة الوجدانية … إلخ ).

5. يجب أن لا تكون الأعراض سابقة الذكر ناتجة عن تعاطي المخدرات أو الكحول أو بسبب أمراض نفسية أو عضوية أخرى.

هل هناك عدة أنماط من السكيتسوفرينيا؟

نعم، وفق الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات النفسية فإن اضطراب السكيتسوفرينيا قد يظهر على شكل أنماط مختلفة والتى يمكن تقسيمها كالتالي:

1. الفصام البرانويدي: فيه تتمحور ضلالات وهلاوس المريض حول كونه مضطهدا مطاردا ومعذبا، ويؤمن تماما أن هناك جهات تتعقبه، أو أنه إنسان عظيم وبطل، بل حتى إنه مبعوث إلهي، وقد يمزج الأمرين معا.

2. الفصام غير المنتظم: والذي فيه قد نجد أعراضا مثل الكلام غير المترابط، أو السلوك غير المترابط أو الوجدان غير المتناسب، (مثال على ذلك: يتكلم عن حدث مرعب وهو يضحك).

3. النمط الكتاتوني (المتخشب): وفيه يسلك المريض سلوكيات غريبة مثل اتخاذه وضعيات حركية غريبة تشبه تمثال الشمع لساعات، وقد يفعل هذا بإرادته أو بإرادة الآخرين، إضافة لهيجانه التام أو سكونه التام، وقيامه بتكرار حركات وكلام البشر أو كلامه هو بدون داع.

4..النمط غير المصنف: والذي قد توجد فيه أعراض مختلطة من كل الأنماط سابقة الذكر.

5. النمط الباقي: والذي فيه تستمر نوبة الأعراض النشطة من هلاوس وضلالات أو سلوكيات غير منتظمة ومتخشبة، دون أي توقف أو فترات هدوء.

ما هي أسباب السكيتسوفرينيا ومن تصيب؟

 

يعتقد العلماء حاليا أن أسباب السكيتسوفرينيا هي biopsychosocial، بمعني أنها خليط متداخل ومتفاعل من العوامل الاجتماعية مثل الضغوط أو الأحداث الصادمة، والنفسية مثل عقد الطفولة المترسبة أو عدم تلبية الحاجات، وبيولوجية مثل ارتفاع مستوي مادة الدوبامين في الدماغ أو العوامل الوراثية التي ثبت فيها أن المرض قد ينتقل بنسب متفاوتة بين الآباء والأبناء، إضافة للتوائم.

تصيب السكيتسوفرينيا الجميع، وإن كانت غالبا تصيب البشر في الفترة العمرية الممتدة بين المراهقة ومنتصف الثلاثينات، وكما تزيد نسبة الإصابة بها في أوساط الرجال بـ 1.4 عن النساء، ويبلغ تعداد المصابين بها 1% من تعداد السكان كمتوسط عام لكل العالم.

ما هو إذن المرض الذي يخلط الكثيرون بينه وبين السكيتسوفرينيا؟

مرض تعدد شخصيات الإنسان، والذي يخلط الكثيرين بينه وبين السكيتسوفرينيا ( فصام الشخصية) هو اضطراب الهوية الانشطاري أو تعدد الشخصيات (Multiple Personality Disorder or Dissociative Identity Disorder )، وهو يعد أحد اضطرابات فقدان الذاكرة amnesia، والذي فيه وبسبب تعرض الإنسان لصدمة أو صدمات نفسية عاتية (مثال: تحرش جنسي في الصغر، اعتداء جسدي حاد الخ)، فإن عقله يقوم بحيله دفاعية غير واعية، تتمثل في أنه يعزل الحدث الصادم عن هويته النفسية، ويقوم بخلق شخصية جديدة أو اكثر، وباسم جديد وهوية جديدة، بل حتي قد تكون بإيماءات وطريقة كلام جديدة لا علاقة لها بالأولى، بحيث تصبح هذه الشخصية لم تتعرض للصدمة، ولم تتأثر بها، وهذا ما يعرف باضطراب تعدد الشخصيات والذي يختلف تماما عن السكيتسوفرينيا.

أخيرًا هل هناك من أمل بالشفاء من كل من السكيتسوفرينيا واضطراب تعدد الشخصيات؟

فيما يتعلق بالسكيتسوفرينيا فالإجابة هي نعم، رغم أن الفصام يعد من أصعب الاضطرابات النفسية، إلا أن النسب العالمية للشفاء التام منه تبلغ حاليا 25%، فيما تبلغ نسبة من يتحسنون بعد الإصابة بشكل جيد ومقبول على التوالي 25%، أما من تكون حالتهم خطيرة ومستعصية على العلاج فتبلغ نسبتهم 10% ويتم إيداعهم غالبا لمستشفيات الطب النفسي؛ لأجل إبقائهم تعت الرعاية والمراقبة المهنية بشكل مستمر، في حين إن الباقين والذين تبلغ نسبتهم 15% فيكون مصيرهم غالبا الموت انتحارا بسبب تأثير المرض، حيث إن قابلية مريض السكيتسوفرينيا للانتحار تزيد عن الإنسان العادي بنسبة 40 مرة.

يعتمد علاج الفصام أساسا على الأدوية التي تنتمي لفئة مضادات الذهان، والتي تعمل على ضبط مستويات ونسب مواد معينة في الدماغ، يرجح أن تغيرات فيها ترتبط مع الفصام، إضافة للعلاج المعرفي السلوكي والذي يعمل على تغيير وتعديل الأفكار والسلوكيات الناتجة عن الفصام، كما يستعمل العلاج الوظيفي بهدف إعادة تأهيل المرضى وإكسابهم المهارات الحياتية الأساسية التي فقدوها بسبب المرض.

أما فيما يتعلق باضطراب تعدد الشخصيات أو الهوية الانشطاري فعلاجه يعتمد أساسا على العلاجات الكلامية والتنويم المغناطيسي والفن، ولا توجد للآن أدوية أو عقاقير لعلاجه منفردا، كما لا تتوفر نسب حول احتمالات الشفاء منه وإن كان كثير من البشر مع العلاجات المذكورة يمكن أن يتحسنوا ويعيشوا حياة جيدة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد