“ثمة خطأ متأصل وحيد، ألا وهو أننا نعيش لكي نكون سعداء، وطالما أننا نصر على هذا الخطأ المتأصل، سيبدو العالم مليئا بالتناقضات”. – شوبنهاور

الآن تملأ وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الدعوات حول كيفية تحسين حياتنا، والوصول للسعادة الدائمة، وكيف يمكننا الحصول على الحياة الأفضل التي نستحقها! وكأن هذه الدعوات هي انعكاس صافٍ لشدة خوائنا وتعاستنا في الحياة أصلا.

لكن كتاب آلان دو بوتون عزاءات الفلسفة يشير إلى أن هذه الدعوات بالتحديد هي جزء من البؤس والأسى، بما تحمله لنا من توقعات هائلة سرعان ما تتحطم أمام جمود العالم. فالأمل في رأيه هو سبب مرضنا وتعاستنا وإحباطنا من الوجود. وعلينا أن نتذكر أننا لا نعيش عصرًا استثنائيا بل إن المآسي والأمراض والأزمات هي الحالة الطبيعية في التاريخ البشري منذ اللحظة الأولى، وأن هذا فقط ببساطة كل ما يحدث، فالوجود سلسلة مستمرة من الأزمات.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=-IMIDbWMtxo” width=”800″ height=”450″ ]

المفارقة أن أشد المفكرين سوداوية هم الأكثر مؤاساة

في الوقت الذي تجاهل فيه الفلاسفة والمفكرون موضوع الحب، والذي هوأعظم أسباب السعادة والألم الإنساني على حد سواء؛ كان شوبنهاور محتارًا بشأن هذا التجاهل؛ وقدم فلسفته الخاصة في الحب والتي يرى آلان دو بوتون أنها تقدم للقلب عونا لا مثيل له.

بالرغم من أن شوبنهاور عاش حياة رفاهية بسبب الثروة التي ورثها عن والده ولم يضطر للعمل يوما في حياته، إلا أن هذا لم يساعد في الحد من الأسى الهائل الذي كان يشعر به، فحياته الداخلية كانت عذابا مقيما ولم يساعده النعيم في الخارج في الحد من هذا الألم.

كان وسيما وثريًا، لكنه منذ كان في السابعة عشرة جذبه بؤس الحياة كما جذب بوذا حينما شهد المرض والشيخوخة والألم والموت. كانت أمه تضيق كثيرا بشغف ابنها بالتفكر في البؤس البشري، خصوصا أنها بعد رحيل والده تفجرت طاقة الحياة فيها وأصبحت أديبة تحقق رواياتها مبيعات هائلة، وكانت تنظم في بيتها أحد أشهر الصالونات الأدبية والذي كان يحضره أعظم الأدباء والفلاسفة مثل غوته الذي كان صديقا مقربا لها. عندما درس شوبنهاور بالجامعة قرر أن يصبح فيلسوفا وقال: “الحياة عمل مؤسف، وقد توصلت إلى قرار بوجوب قضائها في التأمل فيها”.

عندما صدر كتابه الأول “العالم إرادة وتمثلا” والذي يعد تحفة فكرية فسرت قلة أصدقائه، لأنه بالكاد يمكن للعبقري أن يكون اجتماعيا، إلى حد أنه قضى في إحدى المرات شهرين في غرفته دون رؤية أي شخص. وربما ليأسه من البشر فضل عليهم صداقة الكلاب وأوصى بجزء من ميراثه لكلبته أتما قبل وفاته، وكان يقول أن رؤية أي حيوان تمنحه السعادة وتطرب قلبه.

شوبنهاور وكلبته أتما

إرادة العيش ولا شيء آخر!

“الحب لغز مفتاحه الوحيد إرادة العيش ممثلة في حفط النوع”. -عبدالرحمن بدوي، شوبنهاور

يرى شوبنهاور أن عقولنا خاضعة لأجسادنا برغم إيمان الجميع المتعالي بعكس ذلك. لكنه كان محددا جدا فقال أن هناك قوة بإمكانها إحباط كل مخططات العقل وأطلق على هذه القوة القاهرة “إرادة العيش wille zum leben” والتي تعرف بأنها الدافع الأساسي الذي يجعل البشر أحياء وقادرين على التناسل، وتجعل أكثر الاكتئابيين الانتحاريين يقاتلون من أجل حياتهم إذا هُددت بفعل غرق سفينة أو مرض خطير. فمفهوم هذه الإرادة لدى شوبنهاور عكس المفهوم المعروف تماما، فهي ليست إرادتنا الخاصة بل إرادة العيش، إرادة الطبيعة والحياة. لأننا في رأيه ملعونون بطبيعة شخصياتنا الخاصة، بصفاتنا، بطبائعنا التي لا يمكننا التحكم بها أو اختيارها منذ البداية، فلا سلطة لنا عليها.

ولكن كيف تضمن هذه القوة الاستمرار؟ كيف يمكنها التلاعب كيفما تشاء بمصائرنا؟ كيف تتمكن من جعل البشر يفضلون بقاء النوع على سعادتهم الفردية؟ لا شيء يمكنه أن يفعل كل هذا غير شيء بمستوى توهج وعنف الغريزة الجنسية. فالجنس هو خدعة إرادة العيش الخفية التي تضمن به حفظ النوع، فما يعني الطبيعة هو النوع لا الفرد!

“كل شيء في المرأة لغز، لكنَّ لهذا اللغز مفتاحًا هو الولادة، فالرجل بالنسبة للمرأة وسيلة والغاية هي الولد”. نيتشه

إذًا فكل تأوهات الحب لدى العشاق وعذاباتهم وأنين قلوبهم ما هو إلا حنين صادر من أعماق إرادة العيش ممثلا في الغريزة الجنسية، وما نظراتهم الملتهبة إلا بريق عيني طفل يشتاق للنور. تستعمل هذه الغريزة بدورها الحب كستار ماكر توهم به العقل أنها طاهرة من الشهوة الحسية، فتجعل الإنسان المحب مستعدا للتضحية بكل شيء من أجل من يحب، ولا يخطر له أنه يضحي فقط في الحقيقة من أجل إرادة العيش التي لم تعبأ به أبدا! ولا يتعارض هذا مع ندرة أن يخطر ببالنا أمر استمرارية النوع عندما نخطط للحصول على رقم هاتف أو موعد مع من نعجب بهم، لأن إرادة العيش تعمل في الجزء اللاواعي منا ويخضع لها الوعي في عجز كبيرعن معرفة جميع خططها، فالكيان الواعي منا هو خادم لإرادة عيش مهووسة بإنجاب الأطفال!
يخرق هذا التحليل صورة ذاتنا الواعية، ولكن شوبنهاور لديه هنا أيضا شيء يود قوله؛ يقول أن دائما هناك واجبات أكثر جدية من الحب الرومانسي ولا يستطيع الحب الرومانسي التغلب على هذه الواجبات إلا في مرحلة الشباب، والتي هي طبعا مرحلة عمل إرادة العيش الرئيسة؛ فسيكون مثلا من الجنون لكبار السن أن يهجروا أعمالهم لأنهم لمحوا وجه فتاة فاتنة في أحد القطارات، لكن الشباب سيكون دائما لديهم الوقت ليغشى عليهم تحت ضوء القمر وينتحبوا كثيرًا في أسرّتهم.

“مهما قيل عن حسية هذه النظرة فإن المرء لا يسعه إلا أن يعترف بأنها منطقية مع مذهبه إلى أقصى حد”. عبدالرحمن بدوي

إدوارد مانش، الخصوبة 1898م

أحد الألغاز المحيرة في الحب، لماذا «هو» ولماذا «هي»؟

بعد أن توصل شوبنهار إلى هذا الرأي بدأ يلاحظ العديد من الأشياء المثيرة بخصوص استقرار رغبتنا بقوة تجاه شخص معين، رغم كونه ليس أفضل من الجميع. لماذا نعجزعن تنمية ميل عاطفي تجاه أفراد آخرين ربما كانوا أكثر جاذبية أو أكثر ملاءمة للعيش معهم؟ لكن آلية الاختيار لم تفاجئ شوبنهار.

“نحن لسنا أحرارًا أثناء الوقوع في الحب مع الجميع، لأننا عاجزون عن إنجاب أطفال أصحاء من الجميع”. شوبنهاور

تدفعنا إرادة العيش باتجاه الأشخاص الذين سيرفعون فرصنا في إنجاب ذرية جميلة ومتوازنة وصحية، ويتمكن عقلنا اللاواعي من معرفة ذلك بعمق في اللقاءات الأولى، فإرادة العيش تريد أن تضمن أن الجيل القادم سيكون ملائمًا سيكولوجيًا وفيسيولوجيًا بدرجة كافية تساعده على النجاة في هذا العالم الخطير. لذا فهي تسعى لأن يكون الأطفال متوازنين من جهة الطول والقصر والبدانة والنحافة واستقرار العقل، وبما أن والدينا ارتكبوا أخطاء في مواعداتهم الأولى فنحن خرجنا غير متوازنين بشكل مثالي، لكن لو تم السماح لهذا التفاوت أن يستمر فستسقط البشرية في هوة من الغرابة الشديدة في وقت قصير.

“يسعى الجميع من خلال الفرد الآخر، إلى إلغاء نقاط ضعفهم، وعيوبهم، وتشوهاتهم عن الشكل النموذجي، كي لا تتنامى وتصبح تشوهات كاملة عند الطفل الذي سينجبونه”. – عزاءات الفلسفة

وبدأ شوبنهار التنبؤ بمسارات الانجذاب، والتي منها أن الرجال الطوال ينجذبون إلى النساء القصيرات، ونادرا ما ينجذب الرجال الطوال إلى المرأة الطويلة بسبب خوفهم اللاواعي من إنجاب عمالقة، وينجذب الرجال للنهود الممتلئة لأنها توفر تغذية أفضل للطفل، والمرأة النحيلة جدا لا تثير الإغراء وكذلك البدينة لأنه دليل على هزال الرحم وبالتالي العقم.

والزواج أيضا لا يقوم إلا من أجل تحقيق غاية إرادة العيش في حفظ النوع. واهمٌ من يعتقد أن الزواج يقوم على الحب الخالص الذي هدفه السعادة الشخصية حسب شوبنهاور، يوهم خاتم الخطبة الطرفين أنهما قد وقعا وثيقة سعادتهما الأبدية لكن ما يلبث هذا السراب أن يتبدد حينما يتم الزواج وينقضي وهجه الأول ويجدان أنفسهما أمام خيبة أمل لم تخطر لهما، فهما لم يكونا سوى أداة بائسة في أيدي إرادة العيش لحفظ النوع! ويمكن بوضوح رؤية عدم اكتراث إرادة العيش بسعادتنا بعد أن تحصل على غايتها، متمثلة في الفتور والكآبة التي عادة ما تحف الزوجين بعد ممارسة العلاقة الحميمة مباشرة. ألم تنتبهوا كيف أنه (بعد الجماع تسمع ضحكة الشيطان)؟

يفسر هذا أيضا انجذاب الرجل الدائم للجمال وتقلبه، وثبات المرأة في المقابل تجاه شريك واحد لأن الطبيعة تريد منها أن تقتصر على رفيق واحد لكي تتمكن من العناية بالمولود؛ ومن هنا كانت الفضيلة الأولى في المرأة هي الأمانة الزوجية، ويعد الزنا أشنع ما يمكن أن ترتكبه في حين أنه لا يعتبر بنفس درجة الإثم عند الرجل.

وتوصل شوبنهاور إلى خلاصة شديدة الكآبة، بحيث يكون من الأفضل للقراء المقبلين على الزواج ألا يتعرضوا لها؛ يعتبر شوبنهاور الشخص شديد الملاءمة لطفلنا لن يكون في الغالب هو الشخص الملائم لنا، وغالبا سنعجز عن إدراك هذا في الوقت المناسب. فالسعي وراء السعادة الشخصية وإنجاب أطفال أصحاء مشروعان متعارضان.

“أن تتلازم الملاءمة مع الحب المتقد لهي أندر ضربة حظ جيد على الإطلاق”. – شوبنهاور

إدوارد مانش، رقصة الحياة 1899م

ثمة عزاء بشأن الرفض

“ربما كنا سعداء مع أحبائنا، ولكن الطبيعة لم تكن كذلك – وهذا سبب أكبر يدفعنا إلى إرخاء قبضتنا عن الحب”. – عزاءات الفلسفة

إذا تعرضنا لمأساة الرفض من قبل أحدهم سيكون من غير المعقول أن لا نشعر بالألم، من غير المنطقي أن يكون بإمكان قوة شديدة بما يكفي لدفعنا باتجاه إنجاب الأطفال، عندما تخفق في هدفها أن تنسحب دون أن تحدث خرابًا عظيمًا. فالحب يعدنا بسعادة قصوى يقابلها الألم الهائل عندما نفقد الحلم.

كذلك لا يوجد أحد غير جدير بالحب، فوجهك ليس قبيحًا وشخصيتك ليست منفرة، كل ما في الأمر أن الطبيعة تبحث لك عن شريك تشكل أنفك وأنفه اجتماعًا مرغوبًا من وجهة نظرها! وعلينا مع الوقت تعلم التسامح مع من رفضونا لأن الأمر ببساطة لم يكن خيارهم، وقد يرتبطون فيما بعد بأشخاص أقل ذكاء منا، فلا يجب أن نتهمهم بالضحالة، وعلينا أن نتذكر أن ما يتم البحث عنه في الزواج حسب شوبنهاور ليس المتعة بل إنجاب الأطفال. ونحن في الحب ليس علينا الندم بشأن أي شيء فلم يكن بوسعنا التصرف على أي نحو آخر.

ولم يقصد الفيلسوف دفعنا إلى اليأس بل تحريرنا من التوقعات التي تؤدي إلى الحسرة والمرارة، فلن يكون الناس خائبي الأمل لو دخلوا الحب من البداية بالتوقعات الصحيحة.

إدوارد مانش، الرماد 1894م

فهل من سبيل إلى الخلاص؟

“الشاعر… يأخذ من الحياة ما هو خاص وفردي ويصفه بدقة كما هو في فردانيته، ولكنه بهذا يكشف الوجود البشري بأكمله”. شوبنهاور

يقول عبد الرحمن بدوي: “عُني شوبنهاور بالفن عناية خاصة مصدرها نظرته العامة في الوجود باعتبار أن جوهره إرادة عمياء قاسية ووحشية، وأن العالم المرئي ما هو إلا وهم وحسب ولا سبيل لنا من التخلص من كابوس هذا الوهم ونير الإرادة إلا بالفن، لأن الفن وحده هو الذي يتأمل العالم حرًّا من قيد الإرادة وبالتالي خاليا من كل ألم ووهم”.

كان شوبنهاور يقدر غوته صديق أمه لأنه حول كثيرًا من آلام الحب إلى معرفة، خصوصًا في روايته آلام فرتر التي يصف فيها عذاب الحب غير المتبادل الذي عايشه فرتر نحو فتاة فاتنة؛ فغوته هنا لم يتحدث عن فرتر وحده بل عن آلاف القراء، ولم يتعرف قراء غوته في آلام فرتر على أنفسهم فحسب بل فهموا أنفسهم بشكل أفضل. فجوهر الفن هو أن حالته الوحيدة تنطبق على الآلاف، فسيكون دائما ثمة عزاء عند إدراك أن حالتنا لم تكن سوى واحدة من بين الآلاف.

يعمل كل من الفن والفلسفة بحسب كلمات شوبنهاور على مساعدتنا في تحويل الألم إلى معرفة. بهذا يساعدوننا كي نكون أقل عزلة وأقل عرضة للاضطراب. فالميزة التي نملكها نحن البشر عن باقي الكائنات هو أنه بالرغم من كل شيء، فنحن مازال بإمكاننا الذهاب إلى المسرح أو قراءة الأدب والشعر والاستماع إلى الموسيقى على أسرتنا في ليلة رائقة، فما نجده في الفلسفة والفن هو نسخًا موضوعية من آلامنا وغربتنا ضمن أصوات ولغة وصور.

ويقول آلان دو بوتون: “عبر قراءة رواية مأساوية عن الحب، لن يعود العاشق المرفوض إنسانًا وحيدًا يعاني، بعزلة وارتباك، بل سيعرف أنه جزء من مجموعة هائلة من البشر الذين وقعوا في الحب عبر الزمن مع بشر آخرين في الاندفاع المؤلم لزيادة النوع. ستفقد معاناته بعض حدتها وتصبح أكثر قابلية للفهم وأقل من أن تكون لعنة فردية؛ يجب أن نسعى دوما، بين فترات الحفر في الظلمة، إلى تحويل دموعنا إلى معرفة”.

يقول شوبنهار عن الشخص القادر على تحقيق موضوعية كهذه: “في مسار حياته وإخفاقاتها سينظر بقدر أقل إلى جعبته الفردية مقارنة بجعبة البشرية ككل، وبذا سيجعل من نفسه… عارفًا أكثر منه مُعانيًا”.

إدوارد مونش، “الحب والألم” 1893م، التي للمفارقة سميت فيما بعد “مصاصة الدماء”

“من المعزي، حين يخذلنا الحب، أن نسمع أن السعادة لم تكن أصلا جزءًا من الخطة”. – عزاءات الفلسفة.

علامات

editorial, أدب
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!