للوهلة الأولى تبدو فكرة لجوء الجيش إلى كتَاب الخيال العلميّ وعلماء المستقبليات للمساعدة على التنبؤ بالتهديدات المحتملة، وكأنها فكرة قادمة من رحم الروايات الخيالية ذاتها. بيدَ أن هذا في الواقع نهج تعتمده المؤسسات العسكرية، بما في ذلك الناتو والجيشان الأمريكي والفرنسي، كما سيأتي تفصيله لاحقًا، وحتى الشركات متعددة الجنسيات.

والأسباب التي تغري القوات المسلحة لسلوك هذا الدرب كثيرة، وأبسطها: تاريخ كتابات الخيال العلمي التي أصبحت حقيقة واقعة، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تقتصر فقط على الكاتب الروائي هربرت جورج ويلز الذي تنبأ بالقنبلة الذرية في روايته «العالم يتحرر» التي ألفها عام 1914، في ضوء ما كان متاحًا لديه من علوم الذرة في ذلك التوقيت المبكر.

لكن الدوافع لا تقف عند حدود التاريخ، بل تشمل أيضًا الصعوبة المُتَفَهَّمَة لاستنباتِ بذورِ الابتكارِ في البيئاتِ العسكريةِ التقليدية، التي تدير ظهرها عادة للعديد من السيناريوهات المستقبلية والتغييرات الكبرى؛ باعتبارها غير مهمة إستراتيجيًا، أو مرهقة لميزانياتها المحدودة، أو ضارة بخطط عملها القائمة التي أنفق عليها الكثير من الوقت والمال.

هل يُثرِي «الفريق الأحمر» خيال فرنسا؟

في الجيش الفرنسي خلية تُعرَف باسم «الفريق الأحمر»؛ مكونة من أربعة إلى خمسة مفكرين مستقبليين وكتاب الخيال العلمي، تتلخص مهمتهم في «مساعدة الإستراتيجيين العسكريين على استشراف التهديدات المحتملة، وتقييم التداعيات الإستراتيجية للتقنيات التخريبية غير التقليدية».

والسر وراء تشكيل هذا الفريق الذي يعمل في إطار من السرية الفائقة أن «كُتَّاب الخيال العلميّ بإمكانهم التفكير بطريقة أكثر إبداعية من الطريقة التي تُفَكِّر بها عناصر الجيش التقليدية». وهم سيفعلون ذلك عبر التقمُّص ووسائل أخرى لمحاولة تخيُّل كيف يمكن لمنظمات إرهابية أو دول أجنبية أن تستخدم تقنية متطورة ضد فرنسا، على سبيل المثال.

لكن على عكس عملهم التقليدي الذي يطمحون أن تبلغ شهرته الآفاق، سيظل التسلسل المحتمل للأحداث التي يتوصل إليه كتاب الخيال العلمي في هذه المهمة الخاصة «سريًا للغاية»؛ لأنه يمكن أن يكون حاسمًا في مكافحة «العناصر الضارة»، كما يقول التقرير الذي أصدرته وكالة الابتكار الدفاعي الفرنسية «DIA» في يوليو (تموز) الماضي.

ونقلت صحيفة «التليجراف» البريطانية عن برونو ترتريس، نائب مدير المؤسسة الفرنسية للبحوث الإستراتيجية، قوله: إن دور الفريق الأحمر هو التفكير بطريقة مبتكرة أكثر من كبار القادة العسكريين، وتحدي «أي شكوك قد تكون لدينا، واختبار فرضيات المستقبل خارج نطاق الإجراءات البيروقراطية المعتادة».

بالتأكيد لن يحدد «الفريق الأحمر» إستراتيجية فرنسا العسكرية، بل يوضح ترتريس أن دوره سيتوقف عند مساعدة وكالة الابتكار الدفاعية على التفكير في التقنيات المستقبلية وتأثيرها على الإستراتيجيات الدفاعية. وإن توقع في الوقت ذاته أن يتخيل هؤلاء الكتاب سيناريوهات أكثر ابتكارًا من تلك التي استكشفتها سلسلة «Black Mirror» الشهيرة.

علوم

منذ 3 سنوات
7 اختراعات خيالية في مسلسل «Black Mirror» على وشك أن تراها في الواقع

«CIA» في قفص الاتهام.. هجمات سبتمبر شاهدة على قصور الخيال الأمريكي

حين أعلن الجيش الفرنسي أنه سيستعين بهؤلاء الكتاب الذين يغرقون في عالم الخيال العلمي من أجل تخيُّل «سيناريوهات الاضطرابات» التي قد لا تخطر ببال المخططين العسكريين، كان الخبر غريبًا، لكن في الواقع هذه ليست المرة الأولى التي تستعين فيها الجيوش بكُتَّابِ خيالٍ علمي لمساعدتها في الاستعداد المبكِّر والمبتكر للتهديدات المحتملة.

فبعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، استعانت وكالة الاستخبارات المركزية بكتاب الخيال العلمي لإعانتها على استشراف السيناريوهات المستقبلية، وما دفع الحكومة الأمريكية حينذاك إلى ذلك المسلك شبيهٌ بما جعل الجيش الفرنسي يفكر مؤخرًا في تشكيل «الفريق الأحمر»؛ ذلك أن الولايات المتحدة رأت أن الوكالة الاستخباراتية كانت تفتقر إلى ما يكفي من خصوبة الخيال للتنبؤ بهجمات 2001.

لكن هل نجحت الولايات المتحدة في هذه المهمة منذ ذلك الحين؟ يجيب الكتاب الذي ألفه الكاتب ريتشارد جراي بعد بضع سنوات من هجمات سبتمبر عن الكثير، فـ«الأبواب المفتوحة والعقول المغلقة» يخلص إلى أن معظم الروايات التي تناولت أحداث 11 سبتمبر أخفقت في تجاوز «الصدمة الأولى»، ولم تتجاوز التفكير التقليدي حين «استوعبت غير المألوف في الهياكل المألوفة»، وبذلك أصبح الخيال الذي تفتقت عنه أعمال 11 سبتمبر الأدبية ليس سوى دليل آخر على «فشل الخيال الأمريكي» وقصوره عن الإبداع.

وتبرز أهمية الخيال في مثل هذه الأزمات القومية باعتباره أداة ناجعة في سبر أغوارٍ عميقة لم تصل إليها وسائل الإعلام الرئيسة، والتحليق إلى آفاق أبعد لم تبلغها الإجراءات الحكومية التقليدية، حسبما تنقل الدكتورة أرين كيبل، المحاضرة في الأدب الإنجليزي بجامعة نوتنغهام ترنت عن خبراء هذا المجال، في تقريرٍ نشرته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية.

سياسة

منذ سنتين
في ذكرى 11 سبتمبر.. هل قتلت أمريكا مواطنيها ثم ألصقت التهمة بـ«الإرهاب»؟

الجنون والخيال الجامح.. ما تحتاجه أمريكا لخوض حروب 2030

في عام 2019 الذي أوشكت شمسه على المغيب، وجه الجيش الأمريكي دعوة لكتاب الخيال العلمي في جميع التخصصات للمشاركة بقصة قصيرة مكونة من 5 آلاف كلمة ترسم سيناريو مستقبلي لحرب ستندلع في عام 2030.

ولأن ساحة الحرب التي ستخوضها الولايات المتحدة بعد عَقدٍ من الزمان لن تكون كساحات الحرب التي نعرفها الآن، أطلقت قيادة بالتدريب والعقيدة في الجيش الأمريكي مبادرة «Mad Scientist»؛ لاجتذاب من يتمتعون بالخيال الجامح وما يكفي من الجنون العلميّ لتوقع أكثر السيناريوهات غرابةً.

استضافت المبادرة مناقشات حول موضوعات مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية وكيف يمكن للواقع المعزز والافتراضي أن يساعد في خوض المعارك عبر المناطق الحضرية الكثيفة، وكان باب المشاركة مفتوحًا ليس فقط للعلماء من داخل الجيش وخارجه، بل لأي شخص يستطيع بلورة سيناريوهات خارج صندوق الأفكار التقليدية وأشهرها سفن الفضاء.

ولم تكن هذه المسابقة الإبداعية التي أُغلق باب تقديم المشاركات فيها مطلع أبريل (نيسان) الماضي هي الأولى من نوعها، بل انطلقت لأول مرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، واستقطبت حينذاك 150 مشاركًا من 10 دول، حسبما يذكر لوك شابرو، نائب مدير التحليلات في المبادرة.

وركزت مسابقة عام 2016 على الحرب المتوقع أن تندلع في الفترة ما بين 2030 – 2050، لكنها كانت تفتقر إلى التفاصيل، لذلك جاءت مبادرة عام 2019 لتكمل الصورة، من خلال إتاحة الفرصة للمشاركين لتخيل الأحداث التي أدت إلى اشتعال الحرب في الأساس، ووصف مجريات المعركة من الداخل، أو حتى إلقاء نظرة بأثر رجعي بعدما وضعت الحرب أوزارها، وهدأ غبار القتال، وأصبحت الأجواء مهيأة لاستخلاص العبر.

من يمتلك الجرأة لتحويل الخيال إلى واقع؟

«الخيال هو العمود الفقري للتغيير الحقيقي»؛ كما يقول جيفري بيكر، وهو عالم مستقبليات ومستشار وكاتب خيال علميّ، عمل مع هيئة الأركان المشتركة، وكتب وحرر العديد من المقالات حول مستقبل الحرب، وكان مؤلفًا رئيسيًا للدراسة التي أصدرتها الهيئة في عام 2016 التي استشرفت طبيعة بيئة القتال المتوقعة في عام 2035.

لم يشارك «بيكر» في المسابقة الأولى لكتابة السيناريوهات الخيالية التي تبناها الجيش الأمريكي عام 2016، لكنه قدَّم ورقة فائزة في منتدى آخر ضمن مبادرة «Mad Scientist»، تضمنت مقالًا غير روائي يصف كيف يمكن لوحدة عسكرية صغيرة أن تعمل في المستقبل.

وفق السيناريو الذي رسمه «بيكر»، يرتدي الجنود خوذات عرض محمولة «HMD»، ويستطيعون السير أو التحليق افتراضيًا عبر ساحة المعركة بمساعدة أدوات المراقبة الأخرى، إذ تطلق بنادقهم الهجومية طلقات موجهة، ويركبون مدرعات مسلحة بالليزر وقاذفات شديدة الانفجار يمكن التحكم فيها عن بعد من موقع مختلف، وكل ذلك ليس سوى القشرة السطحية من العالم الذي سبر المؤلف غوره، وبث فيه الروح على الورق، لتنبعث من بين حروفه وحدة مستقبلية أطلق عليها اسم «فرقة دراجون متعددة المجالات».

ويعتمد الابتكار على كيفية تفاعل البشر مع تلك التقنيات المطورة، كما يقول لوك شابرو، نائب مدير التحليلات في مبادرة «Mad Scientist». ويستشهد «بيكر» على ذلك بأفكار الجنرال بيلي ميتشل، الذي ناصر فكرة القوة البحرية الجوية قبل أن يتبناها أقرانه بوقت طويل، وكانت لديه الجرأة لاقتحام غمار محاولة إطلاق الطائرات من على متن السفن لتحلق نحو أهدافها المراد ضربها. وكانت النتيجة تستحق العناء؛ إذ ساعدت على الانتصار في الحرب العالمية الثانية، كما يقول بيكر.

صحيحٌ أن الروائي البريطاني هربرت جورج ويلز (1866 – 1946)، اشتهر برواياتٍ مستقبلية مثل: «حرب العوالم» و «آلة الزمن»، وقدَّم رواية خيال علمي في عام 1907 بعنوان «الحرب في الهواء»، استشرفت صراعا قد ينشب في المستقبل القريب (حينذاك) عام 1910، وآخرون مثله حلقت خيالاتهم إلى آفاق قريبة، لكن التطبيق العمليّ كان بحاجة إلى شخص من طراز بيلي ميتشل لينقل الحلم إلى أرض الواقع.

علوم

منذ سنتين
الخيال العلمي أصبح حقيقة.. هذه الطرق التكنولوجية ستقرأ أفكارك

حتى لا يصبح الدليل كالأعمى يقود عميان.. أساسيات الإبحار إلى المستقبل

يتحرَّر كتاب الخيال العلمي وعلماء المستقبليات من كل القيود تقريبًا عندما يطلقون لخيالهم العنان لاستشراف القادم المجهول، حتى يستطيعوا التحرر من أسر النظر ة العسكرية التقليدية. لكنهم في الوقت ذاته، حين يصطحبون الجنود في رحلةٍ إلى المستقبل، لابد وأن يكونوا مسلحين هم أيضًا بمعرفةٍ عميقة بتفاصيل ضرورية، كتلك التي سردها وليام فريسبي جونيور في كتابه «Writing Military Science Fiction: Infantry».

وحتى لا يكونوا كالأعمى الذي يقود عميان، عليهم أولا الإلمام بإجابة أسئلة أساسية، مثل: ماذا يحدث خلال تبادل إطلاق النار، وما هي مهام الرقيب والعريف والملازم والكابتن، وغيرهم من القيادات، وما هي المسافة التي تستطيع الفرقة العسكرية أن تقطعها في اليوم الواحد، ولماذا ليس كل الجنود مجهزين برشاشات؟ وكم عدد الجنود في فرقة مشاه البحرية؟ وما هي وظائفهم؟ وماذا يفعل الأدرينالين في الجسد البشري؟ وما هي أنواع المدرعات والأسلحة والتقنيات والعلوم الأخرى التي تعتد بها الجيوش الآن وربما مستقبلًا.

وإذا كانت الجيوش ستضع ثقتها في هؤلاء المبدعين، فلا بد وأن يكون هؤلاء على قدر المسؤولية الثقيلة الملقاة على عاتقهم، وعليهم الخروج عن المألوف ليس فقط في عالم الأفكار، ولكن أيضًا على مستوى الخروج عن المعتاد في الواقع. فحتى لو كنتَ كاتب سيناريو أو مخرج أفلام هوليوودي تعيش في الولايات المتحدة، البلد المعروف بتسريب كل شيء تقريبًا، فعليكَ أن تبقي إبداعاتك سرًا بمجرد أن تخطو إلى الاجتماع المُرَتَّب مع قيادات البنتاجون.

المصادر

تحميل المزيد