الملل شعور مزعج للغاية، للدرجة التي تجعلنا ننفق موارد كبيرة على منعه أو الحد منه. وللدرجة التي تصل بقيمة صناعة الترفيه العالمية إلى بلايين الدولارات، من أجل إمتاعنا وقتل الملل. ولكن في الوقت الراهن، الذي تفرض فيه عديد من دول العالم الحجر المنزلي؛ وتُغلق أماكن الترفيه والتجمعات أبوابها؛ للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، يبدو أنه لا مفر من مواجهة الشعور بالملل.

ولكن رغم ثقل هذا الشعور، تخبرنا الدراسات بأن الملل الذي نحاول الهرب منه بشتى الطرق، ليس بهذا السوء الذي نتخيَّله. وتقول ساندي مان، أستاذة علم النفس البارزة في جامعة سنترال لانكشاير في المملكة المتحدة، إن الملل جزء أساسي من العملية الإبداعية، ويجب تطبيقه في حياتنا اليومية. فكيف يمكن أن يحدث ذلك؟ وهل للملل فوائد أخرى؟

1. صقل مهارات ضبط النفس

«العزلة ضرورية لاتساع الذات وامتلائها؛ فالعزلة تشفي أمراضها وتشدد عزائمها» *فريدريك نيتشه

ترتبط القدرة على التركيز وضبط النفس، بالقدرة على التعامل مع الملل. قد يبدو الأمر عصيًّا على الاستيعاب، ولكن هذا ما يقوله علماء النفس. ويرون أيضًا أن تعلم تحمل الملل في سن صغيرة، يُعد إعدادًا رائعًا لتطوير مهارات ضبط النفس لدى الشخص، ويمكِّنه من تنظيم أفكاره، وعواطفه، وأفعاله.

Embed from Getty Images

وقد لوحظ أن انتشار الملل بين الطلاب في الحصص الدراسية؛ يؤدي إلى الانسحاب من الفصل، وضعف الأداء. لذلك؛ ربما تبدو فترة الحجر المنزلي وتحمل الملل، فترةً مناسبة لصقل مهارات التركيز، وضبط النفس لدى أطفالك.

2. التحفيز لتحقيق أهداف جديدة

الملل إشارة عاطفية تدل على أننا لا نفعل ما نريد فعله، وأننا منخرطون حاليًا في موقف غير مثير للاهتمام، يفشل في تلبية توقعاتنا ورغباتنا، ولا يتحدانا. ومن هنا يشجعنا الملل على التحول إلى التفكير في الأهداف والمشروعات الأكثر طموحًا. وبدون الملل، ربما لم يكن البشر ليتذوقوا طعم المغامرة، ويُستثار فضولهم في البحث عن التجديد باستمرار.

يدفعنا الضجر من الأشياء من حولنا للانغماس في أحلام اليقظة، والهرب من حدود الواقع الضيقة، والتحليق في آفاق خيالٍ بلا حدود. وتتمثل إحدى الوظائف المحتملة لهذا النوع من التفكير، في التخطيط لأهداف مستقبلية شخصية، ما يُعرف باسم «التخطيط الذاتي للسيرة الذاتية».

وهو ما أكده فريق من الباحثين الأوروبيين والأمريكيين، في دراسة وجدت أن الأشخاص في الغالب يخططون ويتوقعون أهدافهم المستقبلية في أثناء أحلام اليقظة. وأشارت النتائج إلى أن هذا التفكير، يركز في الغالب على المستقبل؛ الأمر الذي من شأنه أن يكون مفيدًا للأفراد خلال حياتهم اليومية. ويُقال إن السأم كان أحد دوافع كريستوفر كولومبوس ليمخر بسفنه عباب البحار، ويشرع في مغامرته نحو استكشاف العالم المجهول.

3. زيادة الإنتاجية والإبداع

«إن الجيل الذي لا يتحمل الملل، سيكون جيلًا من صغار القوم، أولئك الذين انفصلوا على نحو غير ملائم عن عملية الطبيعة البطيئة» *برتراند راسل

في ساعات الحظر التي قد تبدو لنا مملة، تبزغ فرصة ذهبية للتحول إلى الداخل، داخل أنفسنا التي بين جناحينا، واستكشاف ذواتنا، وتجميع أفكارنا المتناثرة. يوفر لنا الملل في هذه الأوقات، تطوير ملكات الإبداع وحل المشكلات لدينا، عن طريق السماح للعقل بالتأمل الذاتي وأحلام اليقظة.

في إحدى الدراسات، أعطى الباحثون المشاركين كثيرًا من الوقت لحل بعض تمارين حل المشكلات، وربط الكلمات. ووجد الباحثون أنه بعد استنفاد المشاركين جميع الإجابات الواضحة، قدموا مزيدًا من الإجابات المبتكرة؛ لدرء الملل لحين انتهاء الوقت.

Embed from Getty Images|

وفي دراسة أخرى، طلب الباحثون من عدد من الطلاب إكمال تحدٍ إبداعي، يتمثل في الخروج بقائمة من الاستخدامات البديلة لعنصر منزلي. وطلبوا من مجموعة منهم أداء نشاط ممل أولًا، بينما سُمح للآخرين بأداء المهمة مباشرة. فوجدوا أن أولئك الذين أدوا نشاطًا مملًّا أولًا، كانت إجاباتهم أكثر غزارة. وأظهرت الدراسة أيضًا أن الأنشطة المملة تثيرنا لاكتشاف أفكار مفيدة، واستخدام خيالنا، والتفكير بطرق مختلفة.

4. تحسين الصحة العقلية

«جرِّب أن تظلَ وحيدًا لفترة، ستجِد أن البشر بلا فائدة حقيقية سوى إنهاكك في تفاهاتٍ سطحية لمشاكلهم النفسية طوال الوقت» *دوستويفسكي

قد تبدو منصات التواصل الاجتماعي الآن، الملاذ الوحيد للكثيرين في العالم ممن فُرض عليهم الحظر الشامل؛ للحفاظ على قدر من التواصل البشري خلال أوقات العزلة. ومصدر المعلومات الذي يتابعون من خلاله آخر المستجدات؛ فلا يخفى على أحد أننا نعيش في عصر ثورة المعلومات. ولكن ثروة المعلومات تعني في المقابل ندرة الانتباه.

وبعيدًا عن أوضاع الحجر المنزلي، فإن أغلب الطرق اليوم أصبحت تغمرها الإعلانات واللافتات، التي تتسابق في جذب انتباهك. وليست الطرق وحسب، بل التلفاز، والحاسب المحمول، وهاتفك النقال الذي يصحبك في أغلب أوقاتك، وأكثرها خصوصية. ما إن تتفقد أيًّا منهم؛ حتى ينهال عليك وابل من الإعلانات والإشعارات التي تبدو أصواتها، كصياح صغار الطيور التي تلاحقك كي تغذيها باهتمامك.

ترفيه

منذ 5 شهور
تشعر بالملل في الحجر المنزلي؟ دليلك الشامل للاستفادة والاستمتاع

تهاجمك الإشعارات والإعلانات من الأمام، وتزاولك الأخبار والمعلومات من الخلف؛ لينال كل منها جزءًا من كعكة انتباهك؛ الذي تتناثر أشلاؤه ويتفرق دمه بين وسائل التواصل. وفي الوقت الذي تتثاقل فيه أدمغتنا بالمعلومات والمشتتات، فإن أخذ قسط من الراحة بعيدًا عن وسائل التواصل، قد يكون فرصة قيِّمة لمساعدة أدمغتنا على الاسترخاء، والتخفف من الضغوطات.

وبالنظر إلى هذه الفوائد، ربما علينا إعادة التفكير في نظرتنا إلى الملل، وبدلًا من البحث عن وسيلة هروب فورية منه، يمكن أن نحاول مواجهته وتقبله بكامل مرارته؛ فقد تكون فرصة التأمل المتاحة الآن، الدرجة الأولى التي سوف تصعد بك إلى قمة إنجازاتك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد