فاطمة نادي

25

فاطمة نادي

25

5,711

يعتمد المنهج التجريبي في البحث العلمي على استخدام التجربة العملية في دراسة الظواهر العلمية، باعتبارها طريقة بحثية تمتاز بها البحوث ذات النتائج الدقيقة، والقيمة البحثية العالية. وتُمثل التجارب المعملية أساسًا قويمًا لإثبات الفرضيات والقواعد النظرية، وكما يُقال في الأمثال الشعبية «التجربة خير برهان». مع هذا، لا تُحرز جميع التجارب النتائج المرجوة منها، مثلما نتناول في هذا التقرير أبرز التجارب  العلمية، التي كان من الممكن أن تقضي على البشرية.

1- تجربة «ستارفيش برايم»

في 26 يوليو (تموز) عام 1962، أطلق باحثون عسكريون بالولايات المتحدة قنبلة نووية كبيرة إلى الفضاء الخارجي، من موقعهم على جزيرة «جونستون» في المحيط الهادي. حملت القذيفة اسم «ستارفيش برايم Starfish Prime»، وكانت عملية إطلاقها ضمن سلسلة من التجارب السرية، التي بدأتها وزارة الدفاع الأمريكية قبل أربع سنوات من ذلك التاريخ.
أطلقت القنبلة على ارتفاع 250 ميلًا، وكان الهدف منها تعطيل أنظمة الصواريخ السوفيتية، خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. بلغت طاقة الانفجار 1.4 ميجا طن، كما أمكن رؤيته على بعد 900 ميل. ويبدو أن الخطة كانت تهدف أيضًا لاختبار آثار التفجيرات النووية في الارتفاعات العالية، وخاصة تأثيرها في المجال المغناطيسي للأرض.

يُعد الغلاف المغناطيسي المحيط بالأرض طبقة مهمة من الجسيمات المشحونة، التي تحمي الأرض من أضرار الإشعاع والرياح الشمسية. تسببت تجربة «ستارفيش برايم» في إحداث تأثير كهرومغناطيسي أكبر مما كان متوقعًا أدى إلى وقوع بعض الحوادث غير المرغوبة؛ فقد ضعفت إضاءة الشوارع فجأة وتوقفت محطات الإذاعة المحلية عن البث، وتعطلت الخدمات الهاتفية لبعض الوقت.

توقفت كذلك منظومات الاتصالات عالية التردد عن العمل، لمدة نصف دقيقة في أمكنة أخرى من المحيط الهادي. كما شَكّل الإشعاع الناجم عن الانفجار حزامًا أحاط بالأرض لمدة خمس سنوات، وأدى إلى تعطيل سبعة أقمار اتصالات صناعية منخفضة المدار، شكّلت في ذلك الوقت ثلث الأسطول الفضائي للاتصالات.

2- مُصادم الهيدرونات الكبير

يُعد أقوى مصادم جسيمات في العالم، استغرق بناؤه 10 سنوات، عمل خلالها على تصميمه أكثر من 10 آلاف من العلماء والمهندسين. بلغت تكلفة هذه الآلة حوالي 6 مليارات دولار، وتُعد أكبر ماكينة في العالم، تقع أسفل الحدود الفرنسية السويسرية، بالقرب من العاصمة السويسرية «جنيف».

يستخدم الفيزيائيون المصادم لاختبار القواعد النظرية لفيزياء الجسيمات الدقيقة، عبر تسريع الجسيمات إلى سرعات عالية جدًا، وسحقها في بعضها البعض، ثم جمع البيانات وتحليل النتائج. وكان الغرض من إنشاء مصادم الهيدرونات الكبير تسريع عدد كبير من البروتونات في مسارات مغلقة،  يبلغ طولها حوالي 27,3 كيلومتر تقريبًا، ثم مُصادمتها ببروتونات أخرى؛ كي ينتج منها ثقوب سوداء تُحاكي الثقوب التي تشكلت عند نشأة الكون.


بمعنى آخر، كانت تهدف التجربة التي أشرفت عليها المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية CERN؛ لإعادة تهيئة الظروف التي صاحبت حدوث الانفجار الكبير The Big Bang، الذي يُعد إحدى النظريات التي تُفسر نشأة الكون.
في البداية توقع البعض أنها ستكون نهاية العالم، وأن هذه الثقوب سوف تتسع لتبتلع الأرض بأكملها، كما تفعل الثقوب السوداء التي تنشأ في الفضاء عند موت النجوم. لم يحدث شيء من ذلك بالنهاية، مع هذا تمكن العلماء من اكتشاف «بوزون هيغز Higgs boson»،
الجسيم الأولي الذي يُعتقد أنه المسؤول عن اكتساب المادة لكتلتها، في الرابع من يوليو (تموز) عام 2012.

جاء هذا الاكتشاف بعد أربعة عقود طويلة من البحث، الأمر الذي يُعد انتصارًا للتكنولوجيا الحديثة وفيزياء الجسيمات المتقدمة.

3- اختبار «ترينيتي» النووي

في 16 يوليو (تموز) عام 1945، فجر الجيش الأمريكي أول سلاح نووي في العالم، في صحراء «جورنادا ديل مرتو» بولاية نيو مكسيكو. كان هذا الاختبار الذي أطلق عليه اسم «ترينيتي» (الثالوث)، جزءًا من «مشروع مانهاتن Manhattan Project» الذي أطلقته الولايات المتحدة خلال سباق التسلح العالمي، الذي جرى أثناء الحرب العالمية الثانية، بعدما وردت تقارير مخابراتية تكشف عن سعي ألمانيا نحو تطوير سلاح نووي.

حتى ذلك الوقت، كانت معرفة العلماء عن القنبلة الذرية نظرية بحتة، وجاء «اختبار ترينيتي Trinity Test» ليصبح أول تجربة عملية، يختبر بها الباحثون سلاحهم الجديد. خشي البعض من احتمالية فشل التجربة، في حين خشي البعض الآخر من نجاحه بصورة مدمرة، قد لا يُمكن السيطرة عليها.

وقد أعرب أعضاء مشروع مانهاتن، بمن فيهم «إنريكو فيرمي Enrico Fermi» (عالم فيزياء نووية حائز على جائزة نوبل)، و«إدوارد تيلر Edward Teller» (المعروف بأبي القنبلة الهيدروجينية)، عن قلقهم من أن يؤدي الانفجار النووي إلى تفاعل اندماجي متسلسل لأنوية النيتروجين يُشعل الغلاف الجوي للأرض بأكمله.

وعلى الرغم من أن هذه المخاوف أبطأت تقدم المشروع، رأى القائمون عليه في نهاية الأمر أن احتمالات حدوث تلك المخاوف ضعيفة، وقرروا الاستمرار فيه والمُضيّ قُدمًا. حقق الاختبار النجاح المرتقب دون أية خسائر بشرية، وكانت قوة الانفجار تُعادل حوالي 20 كيلوطن من مادة «تي إن تي TNT»، كما أضاء التأثير المضيء الناتج من التجربة البلاد بالكامل بضوء حارق، وبكثافة ضوئية تفوق شمس النهار.

مثّل ذلك الاختبار بداية العصر النووي، ونتج من نجاحه استخدام الولايات المتحدة قنابلها الشهيرة ضد هيروشيما وناجازاكي.

ومنذ ذلك الحين، أُجريت ما يقرب من ألفي تجربة نووية، حدثت معظمها خلال فترة الستينيات والسبعينيات.  كما جرت اختبارات متكررة حققت نتائج مذهلة، وأدت إلى تطوير أسلحة أحدث وأكثر فتكًا، جعلت من الأسلحة النووية إحدى الوسائل، التي قد تُدمر بها البشرية نفسها يومًا ما.

4- بئر كولا العميق

كانت «بئر كولا» مشروع حفر علمي، شرع فيه الاتحاد السوفيتي في شبه جزيرة «كولا» الواقعة في شمال غرب روسيا. وكان الغرض من هذه التجربة استكشاف قشرة الأرض، ومعرفة التكوين البنائي والكيميائي لأعماق الأرض.

تُعد أعمق بئر استكشافية في العالم، بدأ الحفر فيها في مايو (آيار) عام 1970، وكانت تهدف أعمال الحفر للوصول إلى عمق 15 ألف متر. حققت رقمًا قياسيًّا في عام 1983، عندما وصل الحفر إلى عمق 12 ألف متر؛ لتُصبح أعمق حفرة في العالم متفوقةً على بئر «البرثية روجرز» في ولاية أوكلاهوما الأمريكية، التي كان يبلغ عمقها 9583 مترًا.

توقف الحفر حينها سنة كاملة للاحتفال بذلك الإنجاز، ونتيجةً للتباطؤ في عمليات الحفر انهارت التربة حول البئر، ما أدى إلى سقوط كمية كبيرة من التربة داخلها أفقدتها 5 آلاف متر من عمقها، في سبتمبر (أيلول) عام 1984.

كان من المتوقع أن يصل عمق البئر إلى 13500 متر في نهاية عام 1990، إلا أن العمل توقف لدى الوصول إلى عمق 12262 مترًا؛ إذ تبين تعذر الوصول إلى أبعد من ذلك نتيجة درجات الحرارة العالية التي بلغت 180 درجة مئوية.

أثيرت عدة مخاوف خلال فترة العمل على المشروع، كان من بينها إمكانية أن يتسبب الحفر العميق في قلب الأرض بحدوث زلازل كارثي، وانفجارات بركانية واسعة الانتشار. كما أثار عدة شائعات تناقلتها وسائل الإعلام حينها، أرجعت سبب توقف الحفر إلى اختراق العمال لطبقة شديدة السخونة، وسماع أصوات صرخات بشرية تصدر من أسفل البئر.
ادعى بعض رجال الكنيسة حينها أن البئر قد وصلت إلى الجحيم الذي يحكي عنه الإنجيل، وأن تلك الأصوات هي أصوات الأرواح الملعونة في الجحيم، إلا أن اتضح لاحقًا أن الصوت الذي سجلته الميكروفونات وقتها، كان جزءًا من الموسيقى التصويرية لأحد الأفلام (بارون الدم 1972).

نفى بعدها المسؤولون تلك الشائعات، وصرحوا أن السبب في توقف العمل يرجع إلى وقف التمويل من قبل الاتحاد السوفيتي. مع هذا، مَكّنت بئر كولا العلماء من جمع معلومات وفيرة عن قشرة الأرض، ومعرفة ما كان يحدث على كوكب الأرض قبل ما يزيد على 52 مليار سنة. وعُثِر كذلك على أدلة تُشير إلى أن الحياة على كوكبنا بدأت قبل 1.5 مليار سنة على الأقل، كما اكتُشفت مكامن غنية بالذهب والنحاس والنيكل وغيرها من المعادن.

5- الطاعون كسلاح بيولوجي

تسببت آخر مرة تفشّى فيها مرض الطاعون، المعروف أيضًا باسم «الموت الأسود»، في مقتل ما يُقدر بنحو 75 إلى 200 مليون شخص في جميع أنحاء أوروبا وآسيا بين عامي 1346 و1353. وفي نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، توصّل برنامج أبحاث الحرب البيولوجية الخاص بالاتحاد السوفيتي إلى استخدام الطاعون كسلاح بيولوجي في الحروب.
أعلن منشقون عن البرنامج بعد انسحابهم، أن علماء الاتحاد السوفيتي كانوا يعملون على تجارب للوصول إلى طرق تزيد من مقاومة الأمراض الميكروبية، بغرض استخدامها كأسلحة بيولوجية. وكان الطاعون أحد تلك الأمراض التي كانت تُجرى عليها الأبحاث، لتطوير نسخة منه مقاومة للحرارة والبرودة، بالإضافة إلى عديد من المضادات الحيوية.

كما يشمل المخطط وضع تلك السلالة الجديدة من الميكروب في رؤوس حربية، يُمكن حملها وإطلاقها على صواريخ عابرة للقارات. شملت خطة «موسكو» خلال الحرب الباردة كذلك، إعداد مئات الأطنان من بكتريا الجمرة الخبيثة، وعشرات الأطنان من فيروسات الجُدري والطاعون.

وقد ألغى الرئيس الأمريكي «ريتشارد نيكسون Richard Nixon» برنامج الأسلحة البيولوجية للولايات المتحدة، بينما استمرت الولايات المتحدة في إجراء البحوث، حول برامج الدفاع عن نفسها ضد أي هجوم بيولوجي. لكن السوفييت لم يُصدقوا أبدًا انتهاء البرنامج الأمريكي للأسلحة البيولوجية بالفعل، وواصلوا خلال السبعينيات والثمانينيات برنامجهم الخاص، في سباق تسلح سري ضد أي تهديد متوقع.

لم يعلم أحد حقيقة ما إذا كان الاتحاد السوفيتي، يُخطط فعلًا لاستخدام أي من تلك الأسلحة البيولوجية بشكل مكثف، لكن مع امتلاكهم لذلك الطاعون الجديد الأكثر فتكًا؛ فلديهم القدرة على القضاء على حياة الإنسان بأكملها على الأرض.

6- فرضية المادة السوداء

ظهرت منذ عام 1990 فرضية تقترح أن أحد أشكال الطاقة، المعروف باسم «الطاقة المظلمة Dark Energy» قد يكون السبب وراء تسارع تمدد الكون. نتج من هذه الفرضية اعتقاد يُرجح وجود نقطة، يتوقف عندها الكون عن التحلل بسرعة أكبر ويبدأ في التباطؤ، وفقًا لنظرية غريبة في فيزياء الكم تُسمى «تأثير زينو Zeno Effect».

تُشير هذه النظرية إلى أن الملاحظة والقياس المستمر للجسيمات غير المستقرة يُغير من المعدل الذي تتحلّل به، ما يعني أن ملاحظة المادة السوداء سيؤدي إلى تباطؤ تحلل الكون وبالتالي سيتواجد إلى الأبد. وقد أدى ذلك إلى ظهور نظريات أكثر غرابة، تقترح أن القياس العلمي لوفاة عدة نجوم في عام 1998، الذي كشف عن وجود الطاقة المظلمة للمرة الأولى، قد يكون أدى بالفعل إلى إعادة ضبط ساعة تحلل الكون إلى الصفر، وأعاد ضبطها إلى نظام كمي ذي معدل تحلل أسرع.

بعبارة أخرى، تُؤدي ملاحظة العلماء للمادة السوداء إلى تقليل عمر الكون؛ إذ قد ينتج من ملاحظتها انهيارها آخذةً الكون معها في الانهيار.

7- البحث عن كائنات ذكية خارج الأرض

قد تكون هذه التجربة مختلفة قليلًا، ربما لكونها ما تزال قائمة بالفعل. يقع معهد «البحث عن مخلوقات ذكية خارج الأرض SETI»، في «ماونتن فيو» بولاية كاليفورنيا الأمريكية. ويُعد منظمة غير ربحية مهمتها الأساسية البحث عن مخلوقات خارج كوكب الأرض، تملك الذكاء والقدرة على التواصل.

في عام 1974، بثّ العلماء رسالة عبر موجات الراديو إلى الفضاء، تضمنت معلومات عن البشر والكوكب الذي نعيش عليه، بالإضافة إلى معلومات حول تركيبة الحمض النووي البشري، ورسم توضيحي لشكل الإنسان وسكان الأرض، بجانب خريطة توضح طريقة العثور علينا.

يعتقد كثيرون أن إرسال هذه الرسالة إلى الفضاء فكرة سيئة؛ لأنها قد تقع في أيدي جنس عدواني من الكائنات الفضائية، وتُقدم لهم ببساطة كل ما يحتاجون إلى معرفته لمحو جميع أشكال الحياة على الأرض. يتوقع آخرون أيضًا إمكانية أن يؤدي الاتصال مع كائنات فضائية متقدمة إلى حرب بين الكواكب، الأمر الذي قد لا يكون البشر مهيئين للتعامل معه بعد، مع اعتبار أن تلك الكائنات ستكون أكثر تقدمًا عنا من الناحية التكنولوجية.

وعلى الرغم من أن هذه المعتقدات قد تبدو نوعًا من نظريات المؤامرة أو ضربًا من الجنون، فضلًا عن النتائج السلبية التي يأتي بها المسح الفضائي الذي يُجريه «SETI»، وعدم وجود أية أدلة قاطعة حتى الآن تُشير إلى وجود حياة ذكية خارج كوكب الأرض، إلا أن بعض العلماء البارزين يُحذرون من سوء عاقبة نتائج مثل هذه التجارب.
من بينهم الفيزيائي الشهير «ستيفن هوكينغ Stephen Hawking» الذي أوضح التالي: «إذا زارت كائنات فضائية الأرض، فإن النتيجة ستكون مُشابهة لما حدث عندما هبط كولومبوس في القارة الأمريكية، الأمر الذي لم تكن نتائجه جيدة بالنسبة لسكان أمريكا الأصليين».