عادة ما ترتبط الرغبة في تعلم شيء جديد بنوع من الشغف والحماس، وبالأخص في البداية، وتُصبح السعادة أكبر عندما يتمكن الفرد من إتقان ما أراد تعلمه، وفي هذا التقرير نستعرض عددًا من الطرق النفسية والعلمية التي قد تُساعدك على تعلم شيء جديد، تتضمن الطريقة المناسبة للتعلم، والوقت المناسب لذلك، والوسيلة التي تُحفزك على مواصلة الطريق إلى نهايته بنجاح.

1- تعلم شيء جديد ليس صعبًا.. فقط اكتب ما تُريد أن تتعلمه أمامك

لا تترك الشيء الجديد الذي تريد تُعلمه هدفًا يتجول فقط في ذهنك، بين العديد من الأهداف «المُبعثرة»، وهذا التشتيت في الأهداف بذهنك، قد يؤدي إلى التكاسل عن تحقيقها، فالأهداف كثيرة ولكنها غير منظمة، وغير محددة بموعد معين يجب إنهاؤها فيه، مما يقلص من الحافز الحقيقي لإنهائها، وربما يؤجل الفرد مهامه، ويدخل في دائرة من التسويف دون بدء حقيقي فيها، أو حتى يتجاهلها أو ينساها مع كثرة انشغالات الحياة اليومية.

لذلك يُفضل وضع أهداف «مكتوبة»، لا تتضمن فقط الهدف الرئيسي، وإنما أيضًا الطرق التي ستسلكها لتحقيق هدفك، وهذا أيضًا يُحفزك نفسيًّا لمواصلة التقدم للوصول إلى هدفك كلما رأيته مكتوبًا أمامك، قد يبدو الأمر غريبًا ولكنه شديد الفاعلية، وفاعليته مثبتة علميًّا.

ففي هذا الصدد، أكدت دراسة ضرورة وضع الأهداف و«كتابتها» للنجاح في تحقيقها، وجرت الدراسة على عدد من الحاصلين على ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد «MBA». وفي عام 1979، وجُه للمبحوثين سؤال بسيط، مفاده: «هل وضعت أهدافًا واضحة ومكتوبة لمستقبلك ووضعت خططًا لتحقيقها؟»، وقال 84% من المبحوثين: إنهم ليس لديهم أهداف على الإطلاق، في حين قال 13% من المبحوثين: إن لديهم أهدافًا، ولكنها «غير مكتوبة»، في حين قال 3% من المبحوثين: إن لديهم أهدافًا وخططًا «مكتوبة» لتحقيقها.

وبعد 10 سنوات، أي في عام 1989، سأل الباحثون المبحوثين أنفسهم مرة أخرى عمّا يتقاضونه في أعمالهم، وكانت النتائج مُذهلة؛ إذ كشفت الدراسة أن المبحوثين الذين لديهم أهداف، ولكنها «غير مكتوبة»، والذين تبلغ نسبتهم 13%، يتقاضون في المتوسط ضعف ما يتقاضاه المبحوثون الذين لم يكن لهم أهداف على الإطلاق، والذين بلغت نسبتهم 84%، في حين بلغ متوسط ما يتقاضاه المبحوثون الذين لديهم أهداف وخطط «مكتوبة» لتحقيقها، والتي بلغت نسبتهم 3%، 10 أضعاف ما يتقاضاه البقية البالغ نسبتهم 97%، فالأمر حقًّا يستحق التأمل.

2- الممارسة «باستكشاف» العناصر الأساسية

ها قد وضعت الشيء الجديد الذي تريد تعلمه هدفًا لك، وتحاول المضي قدمًا في تحقيقه، و«الممارسة» عادةً ما تكون السبيل المناسب للتميز في الشيء الذي تُريد تعلمه، ولكن أي نوع من «الممارسة»؟ فالأمر ليس مُرتبطًا بعموم مصطلح الممارسة، ولكن النوع الصحيح من الممارسة هو الأكثر تأثيرًا في عملية التعلم.

ومع أن علماء النفس لايزالون يبحثون النوع الأمثل للممارسة الصحيحة، أظهرت دراسات علمية أن الممارسة التي تعتمد على «الاستكشاف» خلال مراحل التعلم المبكرة، تلعب دورًا حاسمًا في عملية التعلم ككل؛ لذلك فإذا كنت مثلًا تتعلم لغة جديدة، فابدأ بتعلم الحروف الأبجدية وقواعد النحو وبعض الكلمات، وغيرها من العناصر الأساسية الأخرى؛ مما يُساعدك أن تكون أكثر طلاقة لاحقًا، كذلك فإذا كنت على سبيل المثال، تريد أن تتقن لعبة فيديو جديدة، فإن قضاء وقت في استكشاف بيئة اللعب، ومعرفة القواعد يمكن أن يساعدك على التفوق، والحصول على تقييم أعلى.

3- التعلم بالتوازي

قد يجد البعض صعوبة في تعلم شيء جديد عندما يربط ذلك الشيء الجديد بضرورة أن ينقطع عن أعماله الأساسية، ويبدأ بمجهود مُكثف في تعلم هذا الشيء، وهذه الطريقة في التفكير لا يمكنها وضع حاجز نفسي لتعلم شيء جديد فقط؛ وإنما هي أيضًا طريقة أقل فاعلية في التعلم، ويُنصح بتخصيص مدة معينة لتعلم شيء جديد في أسبوع العمل، والمداومة عليه بالتوازي مع العمل دون تعطيله، حتى ولو كانت مددًا زمنية قليلة، وهذه الطريقة أكثر فاعلية في التعلم، وأفضل من تكثيف تعلم شيء جديد مرة أو مرتين أسبوعيًّا بمدة زمنية أطول.

إذ تفيد دراسة علمية بأن الذاكرة قصيرة الأمد لديها سعة قليلة لتخزين المعلومات، تتجدد كل يوم بعد النوم، ومع تكثيف كمّ كبير من التعلم في وقت قصير خلال اليوم الواحد، فإن ذلك قد يتعدى سعة التخزين في ذاكرة الإنسان، ولذلك، فإن تعلم الشيء الجديد لفترات قصيرة يوميًّا، المصحوب بالتكرار على فترات زمنية متباعدة، يمثل أفضل استغلال لسعة التخزين في الذاكرة قصيرة الأمد لدى الإنسان.

رسم يوضح تأثير المراجعة في إطالة مدة تخزين المعلومات (المصدر: لايف هاك)

4- الوقت المناسب للتعلم قبل القيلولة

بعدما وضعت الهدف وعرفت طريقة التعلم المناسبة، نأتي لتوقيت التعلم المناسب، الذي يعد أحد أهم العوامل في تعلم شيء جديد بطزيقة صحيحة، وفي هذا الصدد تنصح دراسة علمية بالتعلم قبل أخذ القيلولة؛ إذ تعزز القيلولة قدرة الذهن على التعلم، بنقل المعلومات التي تم تعلمها قبل القيلولة من الذاكرة قصيرة الأمد إلى الذاكرة طويلة الأمد.

وبمجرد وصول المعلومات إلى الذاكرة طويلة الأمد، فإنها تخزن بأمان لفترات أطول، ومع مراجعة المعلومات مراجعة متكررة على فترات زمنية متباعدة، تتحسن العلاقة بين الذاكرة قصيرة الأمد، والذاكرة طويلة الأمد؛ مما يطور القدرة على تذكر المعلومات بشكل أسرع، وأكثر دقة.

اللون الأخضر يعبر عن قوة الذاكرة للأشخاص الذين أخذوا قيلولة (المصدر: جامعة كاليفرونيا)

ومن خلال الدراسة التي أجرتها جامعة كاليفرونيا، فقد أتى الباحثون بـ39 شابًا انقسموا إلى مجموعتين، مجموعة أخذت قيلولة مدتها 90 دقيقة، بعد التعلم في الساعة الثانية مساءً، والأخرى ظلت مستيقظة، وبحلول الساعة السادسة مساءً، أجرى الباحثون تدريبات واختبارات لكلا المجموعتين على ما تعلموه قبل الثانية مساءً، وتبين من خلال نتائج الاختبارات أن المجموعة التي ظلت مستيقظة كانت أسوأ في التعلم، في الوقت الذي ظهر فيه أن المجموعة التي أخذت قيلولة كانت أقوى في التعلم والتذكر بنسبة تصل إلى 40%.

5- اختبر نفسك

وبعد اختيار الطريقة المناسبة والوقت المناسب، وأثناء تعلم شيء جديد، يجب الانتباه إلى نقطة مهمة، تتمثل في ضرورة اختبار النفس على ما تعلمته في نهاية حصتك التعليمية، فخّذ قسطًا من حصتك التعليمية في اختبار ما سبق أن تعلمته، ليس فقط لتقييم مدى تعلمك وتذكرك للمعلومات، وإنما أيضًا لأن الاختبار يُمثل وسيلة تعليمية فعالة.

وفي هذا الصدد، أفادت العديد من الدراسات والأبحاث العلمية أن الاختبارات المتكررة يُمكنها تحسين قدرتك على التعلم، وقد أظهرت أيضًا أن الأشخاص الذين يدرسون ثم يتعرضون لاختبارات، لديهم استرجاع أفضل للمعلومات على المستوى طويل الأمد، من أولئك الذين يدرسون دون إجراء أية اختبارات، اللافت أيضًا أنه حتى وإن أخذت المجموعة الأخيرة مدة أطول في الدراسة والتعلم، فإنهم يظلون لديهم ضعف في استدعاء المحتوى واسترجاعه، من أولئك الذين تعرضوا لاختبارات، وبذلك فإن الاختبارات توفر الوقت والجهد، وتعطي نتيجة تعليمية أكثر فاعلية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد