لفترة طويلة من الزمن، كان شاغل العلماء الأكبر هو «هل من الممكن أن تختلط جينات الإنسان البشرية مع غيره من الكائنات الحية؟»، بعض العلماء حاول بالفعل أن يصنع هذا «المخلوق الجديد»، كان آخرهم دولة اليابان؛ فقد تلقى علماء اليابان حاليًا موافقة من الحكومة اليابانية من أجل عمل هجين يجمع بين الخلايا البشرية وخلايا الفئران، إلا أن تلك التجربة لم تكن هي الأولى من نوعها، فالتاريخ مليء بتجارب مشابهة حاولت الجمع مع بين خلايا البشر والحيوانات المختلفة.

تاريخ أوروبا «المجنون» في محاكمة الحيوانات.. حتى النمل لم يفلت من العقاب

«فأر بخلايا بشرية»

في الفترة القادمة، قد نسمع عن نمو نوع جديد من الأجنة داخل اليابان؛ حيث وافقت الحكومة في 24 يوليو (تموز) على منح بعض العلماء تصاريح للمضي قدمًا في تجربة، قد تكون هي الأولى من نوعها، وذلك من أجل زرع «الخلايا الجذعية» البشرية داخل أجنة «حيوانية».

في حالة نجاح التجربة فإن الخلايا الجذعية تنمو لتصبح أعضاء محددة داخل أجسام الفئران، يقول العلماء: «إنها خطوة هامة»، إن سارت على ما يرام فسيطبقونها على أنواع أخرى من الحيوانات، وبحسب أحد الباحثين فقد «نستخدم هذه الأعضاء يومًا ما للبشر في عمليات زراعة الأعضاء».

«شخصيًا أعتقد أنه من المثير للغاية أن توافق الحكومة اليابانية على هذا النوع من الأبحاث، والذي يسعى لمساعدة العديد من المرضى ممن يحتاجون إلى أنواعٍ مختلفة من الأنسجة والأعضاء البديلة». *رونالد بارشم أستاذ مساعد علم الأعصاب بجامعة هيوستن الأمريكية

في مارس (آذار) الفائت تصدرت اليابان عناوين الأخبار بعدما ألغت حظرًا كان مفروضًا على عمليات نمو الخلايا البشرية داخل أجسام الحيوانات. كان هذا الحظر يمثل معضلة كبرى أمام هيروميتسو ناكوتشي، عالم الأحياء والخلايا الجذعية في كلٍّ من جامعة طوكيو وجامعة ستانفورد؛ تابع ناكوتشي هذا النوع من الأبحاث مدة عقد من الزمان، إلا أنه بإلغاء الحظر قد يكون بحث ناكوتشي هو الأول من نوعه الذي يحظى بموافقة حكومية.

يصف ناكوتشي بحثه في خطواتٍ صغيرة؛ فهو يسعى إلى برمجة أجنة الفئران على عدم نمو عضو البنكرياس، ومن ثم يبدأ في زراعة خلايا جذعية بشرية داخل جنين الفأر؛ على أمل أن تتصدى تلك الخلايا لهذا التحدي؛ مما يؤدي في النهاية إلى نمو بنكرياس بشري داخل جسد فأر تجارب.

ما إن تنمو الأجنة وتولد فئران كاملة النمو، يخطط الباحثون لقضاء ما يقرب من عامين في مراقبة سلوك الفئران وحالتهم الصحية، وذلك واحد من القيود الدقيقة التي وضعتها الحكومة اليابانية على البحث. كان القيد الآخر هو ضرورة إيقاف التجربة في حال وجد العلماء خلايا بشرية أكثر من 30% داخل أدمغة الجرذان. أتى الشرط الأخير بناءً على بعض المعضلات الأخلاقية؛ وتساؤلات مثل: ماذا سيحدث إن تسللت الكثير من الخلايا البشرية داخل أدمغة الفئران؟ وهل من الممكن للفئران أن تكوّن حينها نوعًا مختلفًا من الإدراك والقدرات العقلية؟

تخشى الحكومات في ذلك من محاولات «أنسنة» الفئران، في حالة ازدادت نسبة الخلايا البشرية داخل أدمغتهم، في الوقتِ ذاته لا يستطيع العلماء الإجابة على تكهنات بخصوص زيادة مثل هذه الخلايا، إلا أنهم يؤكدون عدم قدرة الفئران على اكتساب صفات بشرية، مرجحين أن الاحتمالية الأكبر تقع على تكوين بعض النواقل العصبية الشبيهة بالبشر داخل أدمغة الفئران.

يشير ناكوتشي إلى أن تلك التجربة لم تكن الأولى بالنسبة إليه؛ فقد سبق ذلك محاولة وضع بعض الخلايا البشرية في «بويضة» نعجة مخصبة بجامعة ستانفورد؛ إلا أن التجربة لم تكتمل، واضطروا إلى «القضاء» على هذا الهجين بعد 28 يومًا فقط من تطوره كجنين. ويقول: «إن عدد الخلايا البشرية التي نمت في أدمغة الخراف كانت ضئيلة جدًا إلى الحد الذي لا يمكن معه تخيل نمو هجين من الماشية بوجهٍ بشري»، على سبيل المثال. كان هذا ردًا منه على تخوفات المجتمع العلمي المحافظ من محاولة أنسنة الحيوانات.

 

«عندما يجري إخراج عضو كامل مثل البنكرياس، من خلايا الجنين الحيواني، فإن الخلايا الجذعية البشرية الدخيلة، توظف من أجل توليد بنكرياس»، بحسب ناكوتشي، ولهذا فمن غير المرجح أن يتحول هذا الهجين إلى «مخلوقٍ» خرافي، لكن يمكن الاستفادة من العضو البشري النامي داخل جسده في عمليات زراعة الأعضاء.

«هجين الإنسان والخنزير» يهز المجتمع العلمي

عندما اكتشف العلماء الخلايا الجذعية، وقدراتها اللامحدودة في إنتاج أي نوع من أنسجة الجسم، وجدوا معها ضالتهم؛ حيث سعوا لاستغلال هذا الحدث من أجل المزيد من الانجازات العلمية التي لا حصر لها. وبعدما اكتشف العلماء وجود «الكيميرا» بين البشر والحيوانات، كان هذا وعدًا علميًا آخر بإمكانية أن يعيش كائن حي حاملًا بصمتين وراثيتين مختلفتين.

يعلم العلماء كيف تصنع «الكيميرا»، بطريقتين، كانت إحداهما عن طريق زراعة أحد أعضاء كائن حي، داخل جسم كائن آخر، إلا أن تلك الطريقة محفوفة بالمخاطر؛ حيث تحتمل رفض الجهاز المناعي للعضو الدخيل، ومقاومته، وهو ما قد ينتج عنه في النهاية احتمالية وفاة «الهجين».

كانت الطريقة الثانية هي التدخل على المستوى «الجنيني»؛ فقد خلص العلماء إلى أن حقن خلايا حيوان داخل جنين حيوان آخر وتركها تنمو معًا الطريقة المثلى لصنع هجين «الكيميرا»، وقد كانت تلك الطريقة المبتكرة هي الحل للكثير من المشاكل البيولوجية المزعجة إبان عمليات زراعة الأعضاء، وقد استغرق الأمر أربع سنوات من عمرِ الباحثين لمعرفة كيفية صنع «الكيميرا البشرية».

لم تكن تجربة ناكوتشي هي المحاولة الأولى – في عصرنا الحديث – التي جرى خلالها دمج خلايا بشرية وخلايا حيوانية، من أجل تكوين هجين مناسب لزراعة الأعضاء؛ حيث كان إعلان العلماء في 26 يناير (كانون الثاني) عام 2017 عن عمل أول هجين بين البشر والحيوانات، وذلك لمواجهة النقص الحاد في الأعضاء البديلة، أمرًا أثار ضجة في الأوساط العلمية.

«هناك أكثر من 22 شخصًا يموت يوميًا وهو على قائمة الانتظار لزراعة الأعضاء»، هكذا نشرت مجلة «ناشيونال جيوغرافيك»، مدافعة عن تلك التجارب، مُشيرة إلى أن نمو هذا العضو داخل أجساد الحيوانات قد ينقذ حياة آلاف المنتظرين لمتبرعٍ بشري. كانت الخطوة الأقرب من تحقيق هذا الحلم هي التي أعلن عنها بحث مجلة «Cell» العلمية؛ حيث أشار الباحثون إلى محاولات خلق هجين «كيميرا»، وهو مصطلح يطلق على كائن تحتوي أجهزته على شفرتين من الحمض النووي، إلا أن العلماء يسعون هذه المرة إلى خلق «كيميرا» يجمع بين البصمة الوراثية للبشر والحيوانات الإناث.

وجد الباحثون ضالتهم في الخنازير، يقولون عن ذلك: «إن أجهزتها هي الأقرب بيولوجيًا لأجهزة الإنسان، لكنها تختلف فقط في مدة الحمل، إذ إن مدة حمل الإناث من الخنازير، أقل من مدة حمل الإناث من البشر، وقد كانت المعضلة الرئيسة في إيجاد الوقت المناسب لحقن أجنة الخنازير بالخلايا البشرية».

«لقد جربنا ثلاثة أنواع مختلفة من الخلايا البشرية»، يذكر الباحث جون وو، مضيفًا أن الخلايا الجذعية البشرية عندما حقنت داخل أجنة الخنازير، كانت الوحيدة التي اندمجت، وقد نجت الأجنة الملقحة ووضعت داخل أرحام إناث الخنازير مدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أسابيع، قبل أن يقوم الباحثون بإخراجهم وتحليل جيناتهم. وخلال التجربة صنع الباحثون ما يقرب من 186 «كيميرا»، تجمع بين الخلايا البشرية وخلايا الخنازير، وعند تحليل النتائج، اكتشف الباحثون نمو خلية بشرية بين كل 100 ألف خلية، وهي نسبة أقل مما توقعه الباحثون.

في نهاية البحث يشير الباحثون إلى أن الخلايا البشرية قد تسببت في بطء نمو أجنة الخنازير، في المقابل قد يرفض البشر زراعة الأعضاء الناتجة عن تلك الأجنة، نظرًا لاحتوائها على بعضِ أنسجة الخنازير. عن ذلك يضيف الباحثون أن التجارب القادمة قد تحتوي على عددٍ أكبر من الخلايا البشرية قدر ما تتحمل الأجنة من أجل التغلب على هذه العقبة، فتلك التجربة ما هي سوى البداية.

الجدير بالذكر أن الحكومة الأمريكية امتنعت عن تمويل المشروع البحثي، واعتمد الباحثون على المنح الخارجية من أجل إنهاء هذا المشروع. وقد تعرضوا جراء ذلك لهجومٍ واسع من الرأي العام العالمي، خوفًا من محاولات «أنسنة» تلك الحيوانات.

«جيش من القرود» في الاتحاد السوفيتي

هناك مسرحية أوبرا كتبها أليكسي تولستوي وألكساندر شتاركوف، كانت تحكي عن «أورانجو»، هذا الجنين البشري الذي ولد من أم شمبانزي، يتعلم أورانجو ويترقى في عمله ويصل إلى أعلى المناصب. يتزوج من امرأة روسية في باريس، إلا أنه يبدأ في التراجع إلى شكل قرد، يرفضه المجتمع ومن بعد ذلك ترفض الكنيسة الاعتراف به. في النهاية يتحول أورانجو إلى قرد كامل، وتبيعه زوجته إلى السيرك من أجل حفنة أموال. كانت تلك المسرحية مستوحاة من أعمال أحد أشهر علماء الأحياء في ذلك الوقت، هو إيليا إيفانوف.

لم تكن محاولات العلماء الأخيرة من أجل صنع كائن «هجين» يجمع بين جينات البشر والحيوانات، هي الأولى من نوعها؛ ففي مطلع القرن العشرين خطط بعض علماء الاتحاد السوفيتي، لتخطي سلم «التطور»، وذلك في محاولةٍ منهم لصنع «جنس» جديد من الكائنات، عن طريق تهجين قرد بخلايا بشرية، فهل نجحوا في ذلك؟

في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1926 سافر عالم الأحياء، إيليا إيفانوف، إلى حدائق مدينة كوناكري في غينيا، ومعه ابنه، والكثير من القواريرِ التي تحتوي على «السائل المنوي» البشري. قبل ذلك كان إيفانوف عالمًا طموحًا يسعى للحصولِ على واحدة من المنح العلمية الروسية، بهدفِ خلق هجين بين البشر والحيوانات. كان اقتراحه على إدارة المنح العلمية هو «التلقيح الصناعي لحيوان الشمبانزي عن طريق حيواناتٍ منوية بشرية». وفي غينيا، عكف الأب والابن معًا على تحقيق هذا الإنجاز العلمي، من خلال اصطياد 13 من القرود فصيلة «الشمبانزي».

لقح عالم الأحياء ثلاثة من القرود بـ«السائل المنوي» البشري، وراقبهم عن كثب، في انتظارِ حدوث حمل، إلا أن النتائج لم تكن مبشرة؛ لم تحمل أي من القردة، ولهذا أرسل العشرة الآخرون إلى مركز أبحاث رئيس في مدينة سوخومي، عاصمة أبخازيا – كانت تابعة لجورجيا إبان حكم الاتحاد السوفيتي – وهناك استكمل أبحاثه على القردة والبشر. واصل إيفانوف تجاربه في سوخومي، إلا أنه في هذه المرة قد حاول تلقيح إناث البشر بحيواناتٍ منوية من ذكور الشمبانزي.

إبان هذه الفترة أحدثت أبحاث إيفانوف ثورة في عالم «التلقيح الصناعي»، حيث استطاع صنع هجين من «الفئران والجرذان»، و«الحمار الوحشي والحمار»، وبين «البقر والظباء». وقد كانت تجاربه الأولى عبارة عن نجاحاتٍ مبتكرة ومبكرة في عالم التهجين والتلقيح الصناعي، كان منها هجين «الحمار الوحشي والحصان»، ولهذا آمن إيفانوف أن الرئيسيات يمكنها أن تلقح ممن هم أقرب إلى جيناتها، وبدأت محاولاته لصنعِ هجين يحمل جينات البشر والقرود؛ حيث اعتبر جينات الشمبانزي هي الأقرب للبشر.

عندما عاد إيفانوف إلى سوخومي، كان بحاجة إلى متطوعاتٍ من النساء، لإنهاء الخطوة الأخيرة في تجربته؛ وقد عثر عليهن في السجون المحلية. كان الاتحاد السوفيتي يسعى بهذه التجارب إلى خلق نوع جديد، يمزج بين القوة البشرية والتبعية وخفة الحركة للقرود، مما قد يشكل في المستقبلِ جيشًا أقوى وأكثر طاعة وانصياعًا للأوامر، وصفته الصحافة حينذاك بـ«جيش من القرود لستالين».

بعد أن وصل إيفانوف لمبتغاه، خمس نساء من المتطوعات، جرى تثقيفهن بشأن كيفية استخدام «السائل المنوي» لقرود الغابة، وكن على أتم استعداد لحملِ طفل نصف بشري ونصف قرد، لم يكن لديه سوى قرد واحد ذكر بالغ هو «أورانج». كان يعاني من نزيف في المخ، وتوفى إثر ذلك. وعندما استطاع إيفانوف العثور على قرد ذكر بديل، وقع هو شخصيًا ضحية للتطهير السياسي واسع النطاق، وباءت التجربة بالفشل.

اكتسبت تجارب إيفانوف عام 1927 سمعة سيئة؛ فقد ثارت الصحف العالمية ضد محاولاته تلقيح إناث البشر بحيوانات منوية من ذكور الشمبانزي، وفي إحدى ليالي عام 1930، سمع إيفانوف طرقًا على باب منزله، كانت الشرطة السرية لديها أوامر بالقبضِ عليه. وأثناء استجوابه كانت التهم الموجهة إليه عبارة عن «نشاط معادي للثورة»، وقد حكم عليه دون محاكمة بالنفي إلى كازاخستان، توفى بعدها بعامين إثر سكتة دماغية لتنتهي حقبة تجاربه المثيرة للجدل.

جمال مفخخة وبراغيث معدية.. أهم الحيوانات التي استخدمتها الجيوش في العصر الحديث

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد