جمال النشار

18

جمال النشار

18

1,918

ربما أشهر ما يعرفه عنها الكثير وأبسطه أنها ديانة ممثل هوليوود الشهير «توم كروز»، وأنها ديانة غير إبراهيمية (سماوية) حديثة ظهرت في أمريكا خلال الخمسينات، ولكن هذا ليس كل شيء، فهناك ما هو أكثر من ذلك بكثير عن ديانة «الساينتولوجي».

يعّرف موقع كنيسة «الساينتولوجي» الرسمي الإيمان في الساينتولوجي بأنه يتمحور حول الروح، وليس العقل والجسد، وُيبرز عدة مبادئ أساسية هي أن الإنسان «روح» أبدية، وأن خبرته وحياته تمتد إلى أكثر من حياة واحدة وجسد واحد –ما يُعرف بتناسخ الأرواح- وأن قدراته تمتد إلى أبعد مما يعتقد بكثير، وإن لم يُدركها.

ومن ثم تهدف الديانة للوصول بالفرد إلى حالة كاملة من الصفاء والنقاء يعود فيها إلى أصله «الروحاني» الأبدي، ويكون في تناغم وتواصل تام مع العالم الروحاني بصفته «كائن أعلى» أو Supreme being، ويكون الوصول إلى ذلك من خلال الممارسات الدينية والمعرفية الخاصة بالساينتولوجي، هذا المُلخص المُبسط للديانة جاء في تعريف مؤسسها، الكاتب المثير للجدل «ل. رون هوبارد».

رجل بمخيلة واسعة وزي عسكري

مؤسس ديانة الساينتولوجي هو «لافاييت رون هوبارد» كاتب أمريكي ولد عام 1911 في ولاية نبراسكا، ودرس الهندسة مدة عامين في جامعة «جورج واشنطن»، ولكسب عيشه بدأ في الثلاثينيات كتابة قصص الفانتازيا والخيال العلمي بشكل غزير في مجلات متخصصة في هذا النوع من الكتابات عُرفت أشهرها باسم «خيال علمي مذهل» أو astounding since fiction -كتب لها كاتب الخيال العلمي الشهير «إيزاك أزيموف» أيضًا- ثم التحق بالبحرية الأمريكية عام 1941 بعد إعلان الحرب العالمية الثانية عقب قصف «بيرل هاربور» الشهير.

وبعد فترة أقل من عام قضاها «هوبارد» وسط البحر قبالة سواحل أستراليا تم إعفاؤه من خدمته الميدانية إثر خلافات بينه وبين أحد قواده، نظرًا إلى مخالفته الأوامر التي تم تقييم أدائه خلالها «بغير المُرضي»، أُرسل بعدها إلى إحدى الكليات البحرية لدراسة تقنيات معارك الغواصات، بعدها قضى فترة قرابة الأعوام الثلاثة يقصف بشكل منتظم ما اعتقد أنه غواصات يابانية معادية قرب ساحل ولاية أوريجون الأمريكية، دون الرجوع للقيادة، والتي اتضح لها عدم وجود أية غواصات يابانية في منطقة الهدف.

كان الهدف الذي يصر هوبارد على قصفه ليس إلا حقلًا مغناطيسيًّا طبيعيًّا ومعروفًا للرصيف البحري، تم نقل هوبارد إثر ذلك إلى الخدمة غير الميدانية، وفي عام 1950 استقال من البحرية وبدأ في كتابة ونشر أحد أهم أعماله، الذي كان بمثابة الوحي الأكبر الذي بُنيت عليه لاحقًا ديانة الساينتولوجي بأكملها.

في البدء كان «الديانتيكس»

عام 1950 نشر «هوبارد» كتابًا أسماه «الديانتيكس» Dianetics، والذي تفسره الساينتولوجي اليوم بأنه اشتق من اللفظتين اليونانيتين: dia أي «من خلال»، و nous أي «العقل»، وظل تعريفه في قاموس «كامبريدج» أنه لفظ أصيل يُعرف بمجموعة أفكار خاصة بمؤلفها «هوبارد».

محاضرة نادرة بالإنجليزية لهوبارد يشرح فيها مقدمة مبدأ الديانتيكس والساينتولوجي

الاسم الكامل للكتاب هو «الديانتيكس: العلم الحديث للصحة العقلية»، وتناول من خلاله «هوبارد» تعريفات خاصة به لا تنتمي إلى علم بعينه مثل علم النفس، والفلسفة، ولكن المبدأ الأساسي للكتاب يتناول تعريف «هوبارد» لعقل الإنسان بأنه ينقسم إلى شقين هما: «العقل التحليلي» analytical mind والعقل الرد فعلي/ التفاعلي reactive mind.

ويرى «هوبارد» أن كل المدخلات السلبية العقلية تمر عبر العقل التحليلي، وتذهب لتُسَجل في العقل الرد فعلي لدى الإنسان في شكل «إنجرامات engrams» تسبب الإزعاج والاضطراب في تفكير الإنسان، وتلك الإنجرامات لا يمكن التخلص منها بأي شكل سوى ما يسمى بالعلاج الديناميكي عن طريق عملية «تدقيق» auditing، ويقوم بها «مدقق» auditor متخصص في استخلاص تلك الأفكار والتخلص منها من عقل الشخص بغية الوصول إلى الحالة القصوى أي «الصفاء clear».

لقاء تلفزيوني لهوبارد عن الساينتولوجي

يتم ذلك من خلال جلسة استجواب واستحضار الذكريات السلبية بين المدقق والشخص أثناء توصيل هذا الأخير بجهاز ابتكره «هوبارد» يسمى إي-ميتر E-meter اختصارًا لمصطلح electrophsycometer يشبه في طبيعة عمله جهاز كشف الكذب، ويقيس من خلاله المدقق مشاعر وتفاعلات الشخص، ويقيّم من خلال قراءات الجهاز مدى تخلصه من «الإنجرامات» السلبية التي تشوش على صفاء روحه.

طُرح الكتاب وجذب انتباه الكثير من الناس في دوائر العلم، وتعاملوا معه وقتها على أنه كتاب تطوير ذاتي وليس علمًا مُعترفًا به، بل وحذر البعض منه مثل الطبيب النفسي «مارتن جامبرت» الذي قال عام 1951 لجريدة new republic:

«ليس من الغريب أن يشعر الشخص بأنه حصل على المساعدة والراحة إثر تلقيه الحلول السريعة والسهلة التي تقدمها «أشباه العلم pseudoscience»، وربما يثبت أن الثقة في مثل هذا الكتاب الخطر قد تكون قاتلة».

سارة نورثرب.. قطعة الأحجية المفقودة

نجح كتاب «هوبارد» بشكل كبير وتصدر قوائم الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة عدة أشهر؛ بل وانتشر في الكثير من الدول أيضًا، وبدأ «هوبارد» في المحاضرة عن كتابه بشكل مُنظم سرعان ما جذب الكثير من الناس في فترة وجيزة، وحقق من خلالها «هوبارد» مكاسب كبيرة ساهمت في صعود نجمه في المجتمع الأمريكي.

في أحد أهم الكتب –تحول إلى وثائقي عام 2015- التي نشرت عن الساينتولوجي عام 2013 «الصفو: الساينتولوجي وسجن المعتقد» للكاتب الكندي والمنشق عن الديانة «لورانس رايت» ذكرت «سارة نورثرب» زوجة «هوبارد» الثانية -والتي تنفي كنيسة الساينتولوجي أية علاقة لها بـ«هوبارد» من الأساس- أن زوجها هوبارد كان غريب الأطوار، وأنه ذات مرة تعدى عليها بالضرب لأنها ابتسمت أثناء نومها اعتقادًا منه بأنها تحلم بشخص آخر، وذكرت «نورثرب» أيضًا أنها أنجبت طفلة من «هوبارد» اسمها «أليكسيس».

وروت أنه كذب عليها بتزييف بطولات وميداليات حربية حصل عليها بصفته «بطل حرب»، وهو ما ثبت عدم صحته عندما نُشر سجل «هوبارد» العسكري كاملًا فيما بعد، وقالت إنه بعد نجاح كتابه بدأ في التصرف بغرابة، والاعتقاد بأنه مبعوث إلهي، وراودته أفكار متطرفة نصحته «سارة» على إثرها بالعلاج النفسي، ولكنه عارض ذلك، ورد بأن اختطف ابنتهم «أليكسيس» وسافر بها إلى كوبا وتركها برفقة عائلة كوبية فقيرة احتجزتها في قفص حيوانات وأخبرها أنه قتلها بطريقة عنيفة، ثم عاد ليخبرها أنه لم يفعل ذلك.

عام 1951 قاضت «سارة نورثرب» زوجها هوبارد الذي وافق على الطلاق، واحتفظت بحق الوصاية على ابنتها «أليكسيس»، ومن بين اعترافات «سارة» أن «هوبارد» كان دائمًا ما يقول لها إن الطريقة الوحيدة لكسب أموال حقيقية هي أن تحصل على ديانة، وهو ما حاول فعله هوبارد من خلال كتابه الديانتيكس؛ لأن المؤسسات الدينية يعتبرها الدستور الأمريكي خارج الحسابات الضريبة، ولا يمكن فرض ضرائب على ممتلكاتها وثروتها، ووقتها لن تستطيع الحكومة الاقتطاع من أمواله.

من الديانتيكس إلى الساينتولوجي.. الصفو ليس مجانيًّا

أكثر ما يثير فضول الأشخاص لمعرفة المزيد عن الساينتولوجي هو أن محتواها ليس علنيًّا للممارس بالكامل، بحسب تعاليم الساينتولوجي هناك ما يسمي بـ«الجسر إلى الحرية الكُلية»، وهو الخطة الكاملة لمستويات المعرفة الساينتولوجية، وهو أشبه بجدول يحتوي على خطة دراسية، ويتألف من شقين هما: «التدريب»، و«التشغيل»، ويعتبر التشغيل هو الجزء الأهم، ولا يمكن للشخص أن يصل إلى مستوى إلا باجتياز ما يسبقه من مستويات عبر جلسات «التدقيق» غير المجانية.

بعبارات أوضح، معتنق الساينتولوجي يجب أن يدفع المال -ما يسميه الساينتولوجي رسوم لجلسات التدقيق بهدف دعم العقيدة- للوصول إلى المعرفة القصوى وهي مرحلة «الصفو»، وهي المرتبة الأولى بين 15 مستوى يرمز لها بالرمز OT XV، وهو اختصار لـOperating thetan 15، ومصطلح «Thetan» ويعني «كائن روحاني».

طبقًا لما جاء في كتاب «المُخلص عاري الوجه: القصة الحقيقية لـ ل. رون هوبارد» للكاتب «راسل ميلر» أن ما فعله «هوبارد» تحديدًا هو جعل مبدأ الاستفادة والارتقاء مقابل المال، أي أنها ليست ديانة مجانية، وأسرارها ليست متاحة لأول راغب في الخلاص و«الصفو»؛ بل هي المعرفة بقدر «الاستطاعة»، وهي ما بدأه «هوبارد» بمثابة نواة للديانة في غرفة بها 38 شخصًا فقط عام 1952.

ولذلك قلة من معتنقي الساينتولوجي هم فقط من وصلوا إلى المستوى النهائي من المعرفة أو «الصفو»، حتى مع وجود الكثير من الميسورين والأثرياء فإن تكلفة ذلك تصل إلى مبالغ كبيرة جدًا بحسب المنشقين عن الديانة الذين كان لهم دور كبير فيما بعد في إفشاء تلك الأسرار، أهمهم على الإطلاق هو «مايك ريندر» والذي كان بمثابة الرجل الثاني في كنيسة الساينتولوجي نفسها بعد وفاة هوبارد، والمتحدث الرسمي باسمها منذ 1982 إلى 2007.

التهرب الضريبي والفرار إلى البحر

في عام 1961، بدأت المؤسسة الرسمية الأمريكية لخدمات الدخل IRS المختصة في شؤون المحاسبات الضريبية بالتحقيق في شأن «هوبارد» بتهمة التهرب الضريبي، باعتبار أن أنشطته كلها «تجارية» قانونًا، وتخضع للاقتطاع الضريبي، هنا قرر «هوبارد» استغلال خبراته السابقة في العمل البحري، وفرّ إلى البحار دون وجهة محددة وبرفقته مجموعة من أتباعه المخلصين، وهناك أنشأ الكيان الرسمي لكنيسة الساينتولوجي ومنظمة تابعة لها أسماها «منظمة البحر sea org» ووضع لها مجموعة من القواعد المنظمة لتكون بمثابة ذراع يمنى للكنيسة.

تلك القواعد تضمنت عقد التزام وتعهد بالولاء لخدمة الساينتولوجي مدة بليون سنة -وهو تقليد سائد إلى اليوم- أثناء تلك الحياة، وفي الحيوات القادمة -باعتبار أبدية الروح والتناسخ- وأقرّ عدة قوانين صارمة تقضي بمعاقبة الأفراد المخالفين والعُصاة بإلقائهم في البحر، وبعد قضاء فترة طويلة جاب فيها العديد من المواني حول العالم كان قد تم الحكم عليه في قضية التهرب الضريبي، وصار غير مرحب به في العديد من المواني في العالم بصفته مطلوبًا للعدالة.

هوبارد يهاجم.. العملية «سنووايت»

بحلول عام 1970 لم يستطع «هوبارد» البقاء بعيدًا عن وطنه، وما اعتبره «معركته» ضد مؤسسات الدولة المالية، وتسلل عائدًا إلى أمريكا عبر أحد شواطئ ولاية «فلوريدا» دون أن يتم القبض عليه، وعاش مختبئًا متهربًا من سلطة الضرائب –طيلة حياته- وأدار الكنيسة في الظل من خلال شبكة من معاونيه وزوجته الثالثة «ماري سو هوبارد»، وهنا قرر «هوبارد» العمل بأحد أهم المبادئ التي وضعها وهو مبدأ «اللعبة العادلة Fair game» والذي يتلخص في «الهجوم» بشراسة على كل من يحاول أن يهاجم الكنيسة، وعدم انتظار «الدفاع».

باعترافات «مايك ريندر» -المتحدث الرسمي السابق للساينتولوجي والمنشق عنها حاليًا- فإن «هوبارد» كان يقول إن مبدأ اللعبة العادلة أنه لا يجب أن نكون ضعفاء؛ بل يجب أن تهاجم دائمًا وتكون شرسًا ولا تأبه حتى لدمار أفراد وسقوطهم، أو مؤسسات بعينها، وأنه في سبيل النصر يجب «معاقبة» أي شخص يعادي الكنيسة، أو يحاول تدميرها، ومن ثم جاءت العملية «سنووايت»، وقام فيها هوبارد عن طريق معاونيه بوضع خطة تستهدف كلًّا من: الحكومة، والصحافة، والمهن الطبية، وأي جهة أخرى قد تعادي كنيسة الساينتولوجي.

في عام 1979، قامت المباحث الفيدرالية بحملات مداهمة لمقرات «الساينتولوجي» وتحريز كافة الأوراق والمستندات بها، وعلى إثرها تم اكتشاف وثائق أثبتت تجسس أفراد من الساينتولوجي على إدارة خدمات الضرائب، ووزارة العدل، وبعض الوثائق الخاصة بخطط التجسس على وكالة المخابرات المركزية CIA، وقُبض على 11 فردًا من الساينتولوجي والتابعين لهم، ومن بينهم «ماري سو هوبارد» زوجة «رون هوبارد» نفسها، وتم محاكمتهم وسجنهم مدة خمس سنوات؛ بينما ظل رون هوبارد نفسه مختبئًا داخل أمريكا.

نهاية هوبارد لا تعني نهاية الحرب

في عام 1986، توفي هوبارد إثر سكتة دماغية مفاجئة عن عمر يناهز 74 عامًا، حينها كانت قد وصلت ديانة الساينتولوجي إلى قمة صراعاتها مع المجتمع الأمريكي، والمؤسسات الحكومية. ومن دون أية توصيات بالخلافة تقلد زمام الأمور رجل الساينتولوجي الأول بعد «هوبارد»، وهو رئيس كنيسة الساينتولوجي الحالي «ديفيد ميسكافدج» الذي قضى عمره كله تقريبًا في خدمة هوبارد والساينتولوجي، وبدأ في الاستعداد لاستكمال الحرب التي بدأها هوبارد بكل قوة، وبدأ في تجنيد قواه لخوض الصراع ضد مؤسسة الضرائب الأمريكية لحسم الجدل، وتوصيف الساينتولوجي بأنها «ديانة» وليست مؤسسة ربحية؛ بينما على الجانب الآخر اهتم «ميسكافدج» اهتمامًا غير عادي بضم الرموز الشهيرة إلى ديانة الساينتولوجي بهدف تكوين صورة إيجابية وجاذبة لها.

Embed from Getty Images

ديفيد ميسكافدج رئيس كنيسة الساينتولوجي الحالي

في أحد أهم التحقيقات التي نشرتها جريدة «لوس أنجليس تايمز» عام 1997 ورد أن كنيسة الساينتولوجي جندت العديد من الأفراد والمحققين الخاصين بهدف شن حرب نفسية وقانونية عنيفة على أفراد إدارة الضرائب الأمريكية IRS عن طريق مراقبتهم، ورفع دعاوى مدنية ضدهم وبشكل مستمر مدة خمس سنوات حتى أذعنت في النهاية إدارة الضرائب ووافقت في عام 1993 على تسوية كل القضايا لصالح الساينتولوجي، وتم اعتبارها «مؤسسة دينية غير ربحية» بشكل رسمي؛ مما يكفل لها الإعفاء الضريبي التام مقابل الالتزام ببعض الخدمات الخيرية.

الانتصار على الدولة ومؤسساتها

في المحفل الرسمي السنوي لكنيسة الساينتولوجي عام 1993، وقف «ديفيد ميسكافدج» أمام آلاف الحاضرين من أعضاء الساينتولوجي، وقال كلمته الشهيرة: «لقد ربحنا الحرب» وأدى تحية عسكرية لصورة المؤسس «ل. رون هوبارد»، وقال: «سيدي، لقد تَم».

وكانت تلك واحدة من أهم اللحظات في تاريخ ديانة الساينتولوجي القصير نسبيًّا، والتي قامت بعدها بالعديد من الخطوات التي حفزها هذا النصر، كان من بينها إتمام إعلان حقوق الملكية الفكرية لجميع محتوى ديانة الساينتولوجي وجميع أعمال هوبارد الكتابية، والتي لا يجوز تناولها في أي مكان، أو عبر أي منصة إعلامية تحت أي ظرف دون موافقة الكنيسة، ومن ثم صارت هي المسئول الرسمي عن تعليم محتوى الديانة والتبشير، وكذلك حقها في عدم الإفصاح عن أي دخل مادي أو رسوم أو تبرعات ترد إلى الكنيسة من قبل الأعضاء، أو التابعين.

الحرب من جديد.. الانشقاق وكشف الأسرار

عبر السنوات التي تلت استقلالها بوصفها مؤسسة دينية، قامت كنيسة الساينتولوجي بالهجوم بقوة على كل من يحاول اقتحام خزانة أسرارها، أو محاولة تناول اسم الساينتولوجي بشكل نقدي سواء كان محايدًا، أو مهاجمًا، لكن الاعترافات الغريبة والمثيرة للجدل قد انهالت عندما انشق عن الكنيسة واحد من أكبر رجالها «مارتي راثبن» الذي كان «مدققًا» مهمًا، ثم صار كبير التنفيذيين في الكنيسة حتى تركها عام 2004، وأصدر مدونته الشهيرة لانتقاد الديانة والتي تلقى على إثر ما نشره فيها التهديد والمضايقات والتحرش والمراقبة طبقًا لما قاله لاحقًا في وثائقي Going clear، واتهم الكنيسة بابتزاز المنشقين باستغلال أكثر اعترافاتهم حساسية -المُسجلة دون علمهم أو التي يقال لبعضهم إنها بغرض التدريب- أثناء «التدقيق».

Embed from Getty Images

مايك ريندر المتحدث الرسمي السابق والمنشق عن الساينتولوجي

احتدت حرب كنيسة الساينتولوجي عندما جاءت ضربة كبرى من أحد أهم رجالها والمتحدث الرسمي السابق لها «مايك ريندر» بانشقاقه عن الكنيسة عام 2007، إلى أن صار بعدها أحد ألدّ أعداء الكنيسة وأكبر منتقديها، وأفشى أكبر أسرارها، ومن ثم تلاه العديد من الشخصيات المعروفة في أوساط الساينتولوجي ومشاهير هوليوود مثل الممثل الأمريكي «جيسون بيجي»، والممثلة «ليا ريميني»، والتي تتخذ من حربها مع كنيسة الساينتولوجي حاليًا مسارًا مهنيًّا من خلال سلسلة وثائقية باسم «الساينتولوجي وما بعد الحرب» تفضح فيها أسرار الساينتولوجي وجرائمها، بحسب وصفها.

عواقب الانشقاق.. المقاطعة والعزلة والتوبيخ

بحسب اعترافات أفراد الساينتولوجي السابقين في «الساينتولوجي وما بعد الحرب» ، ومن بينهم «مايك ريندر وإيمي سكوبي» من خلال الوثائقي «الساينتولوجي وما بعد الحرب» فإن أحد أقوى أدوات كنيسة الساينتولوجي لضمان عدم الخروج عليها هو مبدأ يعرف بـ«قطع الاتصال» Disconnection، ويعلن فيها أن المنشق هو شخص «قمعي» Suppressive person -تعادل مفهوم «الكافر» في الديانات أخرى- ثم منع الاتصالات منعًا باتًا بين المنشق وكل فرد من أفراد أسرته وعائلته الساينتولوجيين لدرجة تصل لإرغام أفراد الأسرة وتهديدهم بعواقب الإقصاء من الديانة إن لم يذعنوا للقطيعة.

Embed from Getty Images

الممثلة ليا ريميني المنشقة عن كنيسة الساينتولوجي

يروي «ريندر» في الوثائقي «بانوراما: أسرار الساينتولوجي» أنه بعد ترك الساينتولوجي حاول زيارة زوجته وأبنائه، لكنه فوجئ بهم يهاجمونه، ويوبخونه، ويتشاجرون معه ويتهمونه بالخيانة، والدونية، وقامت زوجته بتقديم بلاغ ضده اتهمته فيه بالاعتداء البدني عليها، وهو ما حُكم فيه لصالحه بعد أن ثبتت براءته، بالإضافة إلى المزيد من الحالات المُشابهة للعديد من المنشقين، والتي تُصر الكنيسة دائمًا وحيال أي استجواب أنها «خطوة تطوعية» وتتم بمحض إرادة أسر المنشقين.

اعترف «مايك ريندر» أيضًا في «الساينتولوجي وما بعد الحرب»، أنه شهد شخصيًّا العديد من المواقف التي ضرب فيها رئيس الكنيسة الحالي «ديفيد ميسكافدج» بعض المسؤولين في الكنيسة؛ بل واتهم «ميسكافدج» بضربه شخصيًّا، وكذلك «مارتي راثبن» قال إنه تعرض للضرب أيضًا، وأكدت «إيمي سكوبي» الرئيسة السابقة لمركز المشاهير التابع للكنيسة صحة وقائع مشابهة، ولكن بالطبع نفت الكنيسة ذلك خاصة وأن كل تلك الادعاءات لا يوجد عليها أية دلائل؛ بينما الشهود كانوا هم أنفسهم أو بعض رجال الكنيسة الذين لا يزالون داخل الكنيسة ولن يشهدوا لصالحهم بالطبع.

السر الأكبر.. الإله «زينو»

في الوثائقي «الصفو: الساينتولوجي وسجن المعتقد» يروي «بول هاجيس»، المخرج والمؤلف الفائز بالأوسكار عام 2004 وتارك الساينتولوجي، أحد أسرار الساينتولوجي التي لا يعرفها كل معتنقي الديانة؛ بل من يصل إلى المستويات العليا فقط من المعرفة ويحصل عليه منسوخ بخط «هوبارد» شخصيًّا، وهو قصة بدء الكون، وهي باختصار تروي أن هناك إلهًا مجرّيًا Galactic overlord يدعى «زينو» كان يحكم الكون منذ ملايين السنين وأن هناك كانت كائنات تعيش في عالم مشابه إلى حد كبير لعالمنا الحالي.

لكن «زينو» واجهته مشاكل تتمثل في تعدد شرور الكائنات التي كان يحكمها، فجمع منهم من استطاع وقام بتجميدهم اصطناعيًّا، وأرسلهم إلى كوكب الأرض بمثابة منفى، ثم أمر مركباته بإلقائهم في فوهات البراكين التي كانت على الأرض ليتحولون إلى رماد وتتناثر أشلاؤهم على تراب الكوكب.

ثم بمرور الزمن اختلط رمادهم بأجساد الإنسان الحالي. واختلطوا بأجسام البشر حتى اليوم وهم السر في بقائنا كائنات ضعيفة ومشوشة، وأن «تدقيق» الأفكار في الساينتولوجي هو ما يحرر ذواتنا «الأصلية»، ونصير كائنات روحانية Thetans، وهو ما يسمى «الصفو Going clear»، أكدت أيضًا الرواية ذاتها «هانا وايتفيلد» وهي أحد الأعضاء التنفيذيين المنشقين عن منظمة البحر التابعة لكنيسة الساينتولوجي في اعترافاتها في الوثائقي «الصفو: الساينتولوجي وسجن المعتقد».

رد تومي دافيس الحاد على محاور ABC news الشهير مارتن بشير عند ذكر قصة زينو عام 2009

بطريقة ما لم تنف أو تؤكد كنيسة الساينتولوجي تلك القصة حتى اليوم، ولكن بدلًا من ذلك يجيب دائمًا ممثلو الكنيسة بعدوانية شديدة، إذ يعتبر ممثلو كنيسة الساينتولوجي أن خوض غير المؤمنين بالديانة في أصل القصة من الأصل يعتبر إهانة لديانة الساينتولوجي نفسها ومعتنقيها، وأنه لا يجب أبدًا أن نسأل الناس عما يؤمنون به، وأن الساينتولوجي مثلها مثل أية ديانة تحتفظ بالحق في إخفاء نصوص بعينها كما الحال في أرشيف الفاتيكان، وعلى من يرغب في معرفة الحقيقة أن يدرس الديانة ليعرف الحقيقة عبر رحلة تنوير كاملة بنفسه.

تومي دافيس أحد المتحدثين باسم كنيسة الساينتولوجي في حوار يشرح فيه سبب «سرية الديانة» عبر قناة KESQ-TV عام 2009

لماذا مشاهير هوليوود تحديدًا؟

الممثلة «ليا ريميني» ظلت داخل عقيدة الساينتولوجي مدة 30 عامًا، ثم تركت الديانة عام 2013 إثر عدة خلافات واتهامات بينها وبين قادة الكنيسة، بعدها صرحت أنها تركت الساينتولوجي لأسباب تتعلق بـ«فساد السلطة» داخل الكنيسة، وبعدها نشرت كتاب «صانعة المشاكل»، أوردت فيه الكثير من الأسرار غير المعروفة للناس خارج الساينتولوجي، وبعدها أنتجت وشاركت في تقديم الوثائقي المسلسل «الساينتولوجي وما بعد الحرب»، والذي ذكرت فيه أن السبب الرئيسي لاهتمام «الساينتولوجي» بنجوم هوليوود هو التسويق والدعاية لها.

Embed from Getty Images

الممثل توم كروز أشهر معتنق للساينتولوجي في العالم

تقول «ريميني»: «الساينتولوجي هو عمل، وأي عمل يفكر في الدعاية ماذا يريد؟ نعم يريد نجم كبير يروج له»، وأكدت أن كنيسة الساينتولوجي «تهتم اهتمامًا كبيرًا يفوق الوصف بنجوم هوليوود وخاصة (توم كروز

فالمشاهير يحظون بمعاملة «ملكية» في ظل الساينتولوجي مقابل الترويج لها وإعطاء انطباع طيب عنها في وسائل الإعلام للمقربين، تلك بمثابة أقوى دعاية للديانة، وتقول «ليا ريميني»: «كانت تخصص لنا غرفنا الخاصة، في أجزاء متفرقة عن المباني الرئيسية، وأي شكوى لدينا من العالم الخارجي كانت تُقابل بموافقة فورية، كانت تتم خدمتنا بشكل مختلف»، وصرحت أنها أنفقت ملايين الدولارات على الساينتولوجي أثناء تبعيتها للكنيسة وطالبت «ريميني» برد مليون ونصف دولار منهم لها بعدما تلقت خطابات هجوم حاد ضدها من الكنيسة.

رغم كل الجدل الدائر حول ديانة الساينتولوجي إلا أنها اليوم لا زالت واحدة من الديانات المعروفة في أمريكا والعالم، وصار لهوبارد شارع باسمه في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا، ومؤسسة دينية غير ربحية تعمل من خلال ثماني كنائس كبرى في ثماني ولايات أمريكية، وفي كل من: إنجلترا، وإسبانيا، وألمانيا، وبلجيكا والمكسيك، وجنوب إفريقيا.

وفي عام 2012، نشر موقع business insider مقالًا يتضمن أرقامًا خاصة بالساينتولوجي أورد فيها أن عدد أعضاء الساينتولوجي يقدر بحوالي 8- 12 مليون شخص في العالم، ويصل متوسط رسوم جلسة التدقيق الواحدة فيها إلى 500 دولار، وهناك اليوم حوالي 10 آلاف مركز استشاري وكنيسة تابعة للساينتولوجي، ويصل قيمة رأس مال كنيسة الساينتولوجي إلى 500 مليون دولار، بين تبرعات خاصة، وأنشطة تابعة للكنيسة.

Embed from Getty Images

شارع هوبارد في ولاية كاليفورنيا

ولا تزال كنيسة الساينتولوجي إلى اليوم في حرب قانونية وإعلامية مع أكبر منتقديها، والمنشقين عنها، وأبرزهم «ليا ريميني» و«مايك ريندر» بصفتهما كانا من أهم أفرادها والمدافعين عنها قبل أن يتخذ كلاهما القرار بإعلان الحرب بدورهما بإطلاق موسم ثانٍ من السلسلة الوثائقية «الساينتولوجي وما بعد الحرب» بدأ عرضه في أغسطس (آب) 2017، ويستمر عرضه حتى لحظة كتابة هذه السطور ديسمبر (كانون الأول) 2017.