لم ترصد القيادة الإنجليزية العاصفة التي ستحل بهم حين شقت قواتها الأراضي الإسكتلندية، حاملةً الأعلام الإنجليزية، ومعلنةً أن ملك إنجلترا «إدوارد الأول» أعلن نفسه حاكمًا لإسكتلندا، وذلك بعد خلع وسجن الملك الإسكتلندي «جون دي باليول». في الوقت الذي بدا لـ«ويليام والاس» أن هذه مجرد محاولة بائسة لن يستطيع الملك إدوارد تحقيقها.

كان والاس ينظم صفوف جيشه المكون من عامة الناس، وأصحاب الأراضي الصغيرة، في الوقت الذي كان ملك إنجلترا مشغولًا فيه بالدفاع عن نفسه في فرنسا. لم يكن والاس قلقًا بشأن الإنجليز بالقدر الذي خاف به من نبلاء إسكتلندا، إذ إن الزرع الذي يُزرع في غير أرضه يجف ويموت، وهكذا كانت القوات الإنجليزية، أما عن الأحجار التي تتراكم لسنوات فوق بعضها فتقوى وعمرها يطول مكونة مانعًا للتغيير، وهذا كان حال نبلاء إسكتلندا.

 

 

تناول فيلم «Brave heart» الشهير قصة «ويليام والاس»؛ الشاب الذي قرر ألا يزج بنفسه في المشكلات، بعدما تربى على يد عمه خارج إسكتلندا. وفي إحدى المرات التي خرج فيها الناس ليدقوا الطبول التي تتداخل أصواتها مع ضحكاتهم وصخب كلامهم، رأى والاس الفتاة التي سعى أن يتزوجها، لكن القدر لم يشأ، إذ قُتلت الفتاة على يد القوات الإنجليزية، والتي حولت والاس إلى محارب يسعى لطرد هذه القوات خارج كامل الأراضي الإسكتلندية.

 

وبسبب نجاح الفيلم -الذي يسرد أحداث حقبة غير مؤرخة بالتفصيل- خلق ذلك تساؤلًا إن كانت شخصية «ويليام والاس» حقيقة أم مزيفة. وفي هذا التقرير نرصد ثلاث محطات تاريخية «موثقة» عن تاريخ العداء بين الجارتين الأكبر في المملكة.

معركة ستيرلنج بريدج وفالكيرك

قصّت العديد من الحكايات الشعبية -غير المدعومة بوثائق وأدل – قصص والاس الرومانسية، والتي تعود أغلبها للكاتب هاري منستريل، لكن طبقًا لـBritannica فإن ويليام والاس شخصية حقيقية، وأحد أعظم الأبطال الوطنيين في إسكتلندا، وزعيم قوات المقاومة الإسكتلندية التي ناضلت ضد حكم إنجلترا.

 

وُلد والاس عام 1270، وتوفي في 23 أغسطس (آب) 1305 في لندن. كان السير مالكوم والاس والده أحد ملاك الأراضي الصغيرة، وفي عام 1296 عندما سُجن الملك الإسكتلندي باليول، بدأ والاس في تكوين جيش من ملاك الأراضي استطاع به مهاجمة الحاميات الإنجليزية، وفي 11 سبتمبر (أيلول) 1297، واجه والاس أحد الجيوش الإنجليزية بالقرب من منطقة تدعى «ستيرلنج».

 

 

كانت قوات والاس أكثر بكثير، وكان على الجيش الإنجليزي أن يعبر جسرًا ضيقًا لكي يصل للمواقع التي يتمركز فيها الجيش الإسكتلندي، وأثناء عبور الجسر ذُبح الجنود الإنجليز واستحق جيش والاس انتصارًا ساحقًا، مما مكنهم من الاستيلاء على قلعة ستيرلنج. وبهذا أصبحت إسكتلندا في ذلك الحين خالية من القوات الإنجليزية، وفي أكتوبر (تشرين الأول) هاجم والاس مقاطعتي نورثمبرلاند وكومبرلاند.

 

 

أعلن والاس نفسه وصيًا على المملكة عندما دخل إسكتلندا بجيشه المنتصر، وحكم باسم باليول. وفي عام 1298، عاد ملك إنجلترا من فرنسا، وغزا إسكتلندا في الثالث من يوليو (تموز)، وفي يوم الثاني والعشرين من نفس الشهر ألحق رماة وفرسان إدوارد الهزيمة بجيش والاس في معركة فالكيرك. ورغم فشل إدوارد في تهدئة إسكتلندا قبل عودته لإنجلترا، إلا أن سمعة والاس العسكرية دُمرت؛ مما جعله يستقيل من منصبه في شهر ديسمبر (كانون الأول) من نفس العام، ليخلفه روبرت دي بروس، والذي أصبح فيما بعد الملك روبرت الأول.

 

تصرف والاس فيما بعد كزعيم حرب عصابات، وظل منذ عام 1299 ولأكثر من أربع سنوات لا يُعرف شيء عن أنشطته. وفي الخامس من أغسطس (آب) 1305، أُلقي القبض عليه وأُخذ إلى لندن. أُدين بأنه خائن وقطع رأسه، ولكن في عام 1306، أثار بروس التمرد مجددًا وحصل في نهاية المطاف على استقلال إسكتلندا.

 

ماري.. الملكة ذات الثلاثة عروش

الملكة ماري، ملكة إسكتلندا -المثيرة للجدل- التي أصبحت ملكة لفرنسا كذلك، بجانب حقها في التاج الإنجليزي؛ كانت مادة خصبة، الأمر الذي شجع الكثير من منتجي الأفلام السينمائية والوثائقية لإنتاج العديد من الأفلام، كان أبرزها الفيلم السينمائي المنتج في عام 2013 بعنوان Mary Queen of Scots، والفيلم الذي يحمل نفس العنوان، والمنتج في عام 1971. كذلك فيلم BBC الوثائقي عن الملكة ماري.

 

وُلدت ماري ستيوارت في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 1542، والتي أصبحت ملكة الإسكتلنديين -بعد وفاة والدها- بعد ستة أيام فقط من مولدها، ونظرًا لعمرها حاول عمها الملك هنري الثامن -ملك إنجلترا- السيطرة على الأمور، لكن الكاثوليك الإسكتلنديين اعترضوا على ذلك، بعد انفصال هنري الثامن عن الكنيسة الكاثوليكية، ولأن والدة ماري فرنسية، بجانب وجود تحالف طويل الأمد بين الفرنسيين والإسكتلنديين، أُرسلت ماري إلى فرنسا لتنشأ هناك ولتتزوج عام 1558 من فرانسيس الابن الأكبر لملك فرنسا هنري الثاني.

 

وفي عام 1559، توج فرانسيس الثاني -زوج ماري- ملكًا لفرنسا لتصبح ملكة فرنسا، ولكنه وبعد عام واحد من اعتلائه للعرش، توفي فرنسيس الثاني ليترك ماري أرملة وهي ابنة 18 عامًا. لذا عادت ماري إلى إسكتلندا في الوقت الذي تغير فيه دين إسكتلندا من الكاثوليكية إلى البروتستانتية، وذلك عام 1961، وبمساعدة من أخيها غير الشرعي «جيمس» استطاعت ماري الحكم في ظل جو من التسامح الديني.

 

تزوجت ماري للمرة الثانية من ابن عمها «هنري ستيوارت» عام 1565، والذي كان أحد أحفاد سلالة تيودور، مما أغضب إليزابيث ملكة إنجلترا -ابنة هنري الثامن غير الشرعية- وذلك بسبب استحقاق ماري للعرش في إنجلترا عام 1558، لأن جد ماري الأكبر هو هنري السابع -والد هنري الثامن- مما جعلها سلسيلًا شرعيًّا لخط تيودور، بجانب عدم الاعتراف بصحة زواج هنري الثامن من آن بولين -والدة إليزابيث- مما اعتبرته تحالفًا ضدها بين هنري وماري.

 

لكن سرعان ما يموت زوج ماري الثاني في حادث غامض، بعد أن أنجبت منه ولدًا، والذي سيصبح فيما بعد «جيمس السادس» ملك إسكتلندا، و«جيمس الأول» ملك إنجلترا، وفي حادثة غريبة، قبلت ماري الزواج من المشتبه الرئيسي في قتل زوجها الثاني، إذ كان «إيرل بوثويل» مقربًا من ماري، وكان يمارس عليها تأثيرًا كبيرًا، لإرضاء طموحاته الخاصة لكي يصبح ملكًا.

 

 

 

أظهر هذا الزواج الفاضح فيما بعد، اتحاد ماري مع بوثويل لقتل زوجها الثاني، مما أثار النبلاء الإسكتلنديين في مايو (أيار) 1567، فأُرسل بوثويل إلى المنفى واحتجز حتى وفاته، في حين سُجنت ماري في قلعة لوكليفن في يوليو (تموز) 1567، مما اضطرها للتنازل عن العرش لابنها الرضيع، وفي 1568 استطاعت الهرب وتكوين جيش لم يستطع الصمود إلا لوقت قصير، لتفر إلى إنجلترا حيث طلبت حماية إليزابيث.

 

ولكي تتمكن ماري من الاستحواذ على العرش ظلت تدبر المؤامرات ضد إليزابيث باسم الكاثوليكية، واستطاعت إليزابيث في عام 1586 كشف ماري وإثبات خيانتها، فأُحيلت إلى المحاكمة. وفي الثامن من فبراير (شباط) 1587، أُعدمت ماري في قلعة فوثرينجاي في نورثهامبتونشاير، عندما كانت بنت 44 عامًا. ثم دُفنت في كاتدرائية بيتربورو، لكن بعد أن أصبح ابن ماري ملك إنجلترا، نقل جثمان والدته إلى دير وستمنستر عام 1612.

 

في الوقت الذي اشتعل فيه فتيل المواجهة بين إنجلترا وإسبانيا «حامية الكاثوليكية»، إذ كانت إسبانيا تعتز كثيرًا بقوتها البحرية،  فدفعت بأسطولها القوي لمحاصرة الجزيرة البريطانية، إلا أن الإنجليز حسموا الموقف لصالحهم، وانهزمت الأرمادا -لقب الأسطول الإسباني- التي لا تقهر. فكرست هزيمة إسبانيا بداية حقبة جديدة عرفت هيمنة إنجلترا على البحار، فأخذوا بعدها يتوسعون وينتشرون في أرجاء المعمورة، والتي بدأت بتأسيس شركة الهند الشرقية عام 1600. ومن هنا بدأت قصة تأسيس الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

إسكتلندا.. في طريقها للانفصال من جديد

 

لم تكن خمسة قرون كاملة من الوحدة، كافية أن تُبقي الجارتين مملكة واحدة إلى الأبد، فما زالت هناك أصوات تتعالى، تدعو للانفصال بعد قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي. إذ دعت الوزيرة الأولى «نيكولا ستورجيون» للتصويت على مقترح بإجراء استفتاء جديد للاستقلال عن بريطانيا قبل أن تغادر الاتحاد الأوروبي.

 

ففي 28 مارس (آذار) 2017، أيد البرلمان الإسكتلندي المقترح عبر تصويت 69 نائبًا لصالح مقترح ستورجيون، في حين قالت رئيسة الوزراء تيريزا ماي إن الوقت غير مناسب لإجراء الاستفتاء. وأكدت الحكومة البريطانية أنها ستعيق إجراء أي استفتاء حتى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

 

ويعني انفصال إسكتلندا عن بريطانيا فقدان ثلث مساحتها تقريبًا، وانخفاض عدد سكانها من 64 إلى 58 مليونًا و600 ألف، وخسارة 245 مليار دولار من دخلها القومي كل عام، وجدل حول تقاسم الثروات النفطية في بحر الشمال، وتراجع قيمة الجنيه الإسترليني.

اقرأ أيضًا: 

إنفوجراف

منذ سنتين
إنفوجراف: ماذا ستخسر بريطانيا في حالة انفصال إسكتلندا المرتقب عنها؟
2390
محمد صلاح عبد الجواد

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد