بعد ترسيخ الأكراد سيطرتهم على شمال شرق سوريا، وإعلان الإدارة الذاتية بشكلها الحالي في سبتمبر (أيلول) 2018، متمتعةً بدعم غربي، برزت مؤخرًا تصريحات جديدة عن أن المشروع الكردي سيكون طوق النجاة الذي يقود نحو تحسن الأوضاع الاقتصادية في هذه المناطق خصوصًا، وفي عموم سوريا أيضًا، في وقت يعاني فيه الشعب السوري من وضع اقتصادي كارثي.

يرى الأكراد في شمال شرق سوريا نموذج الإدارة الذاتية مناسبًا أكثر من غيره من نماذج الحكم التي أفرزتها الحرب في سوريا، ومع توفّر الدعم الأمريكي لهم مع وجود القيود التي يفرضها قانون قيصر على نظام الأسد، يطرح سؤال قديم: هل ينجح الأكراد في إنجاز مشروع حكم ذاتي قادر على تثبيت نفسه في سوريا مستقبلًا، باستغلال استثمارات أجنبية لا تقدر دمشق على جلبها؟

المنطقة الحرة.. وتد اقتصادي يثبت البيت الكردي

كشف حكمت حبيب، نائب رئيس الهيئة التنفيذية في «مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)»، الجناح السياسي لـ«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» في «الإدارة الذاتية» الكردية لشمال وشرق سوريا، أنّ مستقبل مناطق سيطرة «الإدارة الذاتية» سيكون إيجابيًا خلال المرحلة القادمة، ويمكن أن تتحول إلى نقطة جذب للاستثمارات وتصبح بدايةً لحل الأزمة في سوريا.

يبدو كلام حبيب لمتابعي الشأن السوري غير منطقيّ بعد 10 سنوات من الحرب في سوريا، خصوصًا مع عدم وجود أيّ حل سياسي حتى اللحظة، ولكن نائب رئيس الهيئة التنفيذية في «مسد»، أكّد أنّ هناك دعمًا دوليًا خلال المرحلة القادمة فيما يخص الجانب الإنساني.

وهذا الدعم فسره حبيب في تصريح لموقع «الحل نت»، بأنه يأتي لتخفيف تبعات قانون «قيصر» على عموم سوريا، بهدف «تحول منطقة الإدارة الذاتية إلى بقعة جذب للاستثمارات من قبل شركات خاصة وشركات دولية، ثَمّ إحداث تنمية في هذه المنطقة لتكون نواة حل للأزمة السورية خلال المرحلة القادمة». قانون «قيصر» عبارة عن مجموعة عقوبات اقتصادية أمريكية تستهدف أركان النظام السوري، وداعميه الإيرانيين، والروس، وأي شخص، أو جهة، أو دولة تدعم النظام بشكل مباشر.

Embed from Getty Images

ويليام روباك، مستشار لشؤون شمال سوريا بوزارة الخارجية الأمريكية، يُلقي كلمة في مارس (آذار) 2019 في احتفالية لـ«قسد»، بمناسبة هزيمة داعش في باغوز، بالقرب من دير الزور بسوريا

ومع وصول الإدارة الأمريكية الجديدة إلى البيت الأبيض برئاسة جو بايدن، جاء فريق دبلوماسي جديد للعمل على المِلَفّ السوري بمواقف مؤيدة للأكراد، خاصةً مع وجود، بريت ماكجورج في منصب منسق شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي، بريت ماكغورك، والذي لاقى تعيينه ردود فعل إيجابية من جانب قيادات من الإدارة الذاتية وغالبية الأطراف السياسية الكردية.

وفي مايو (أيار) 2020 أصدرت الإدارة الذاتية بيانًا طالبت فيه المجتمع الدَّوْليّ والتحالف الدَّوْليّ ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)»، بإعادة النظر في تداعيات قانون «قيصر» المفروض على النظام السوري، وآثاره على منطقة الإدارة الذاتية وإمكانية عرقلة تقدمها السياسيّ، في تناقض مع هدف العقوبات الأمريكية: «دفع النظام للقبول بالعملية السياسية في سوريا»، بحسب البيان.

تلعبُ منطقة «شرق نهر الفرات» دورًا مهمًا في الملف السوري، وأهميتها من مساحتها الجغرافية الواسعة التي تشكل ثلث مساحة سوريا، وغناها بالثروات الطبيعية مثل النفط والغاز، وثرواتها الزراعية، إذ إنها تنتج حوالي 90% من النفط السوري، و45% من الغاز، و65% من إنتاج القمح، كما أنها تحتوي على سدين من أهم السدود في سوريا، سد الفرات وسد تشرين، بحسب سقراط العلو، باحث الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية في بحث له نشره مركز الجزيرة للدراسات.

موقع المنطقة الجغرافي مفصليّ: محاذية للحدود التركية شمالًا، والحدود العراقية شرقًا، وتُشرف على الطريق البري الإيراني الواصل إلى لبنان عبر العراق وسوريا من ناحية أخرى.

سياسة

منذ 3 سنوات
الأسد لن يترك الأرض والنفط معهم.. هل حان وقت القتال بين الأكراد والنظام السوري؟ 

هذه المعطيات ساهمت في استمرار الدعم الأمريكي العلني للأكراد، ولذا كان من المتوقع ألا يقتصر الدعم الأمريكي للمنطقة على الجانب العسكري فقط، بل أن يشملَ دعمًا سياسيًا واقتصاديًا خلال المرحلة القادمة، وهو ما أكده نائب المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، ديفيد براونشتاين، في أبريل (نيسان) 2021، قائلًا إن بلاده ستدعم الإدارة الذاتية سياسيًا واقتصاديًا.

فهل تحظى منطقة الإدارة الذاتية بهذا الاهتمام فعلًا؟ وهل سيكون النظام السوري مجبرًا على التعاطي معها؟ لا لأن الأسد محاصر من «قيصر»، ولكن بسبب عدم توافر أي بديل آخر له، خصوصًا وأن النظام السوري ليس له معابر برية مفتوحة في الوقت الحالي سوى مع لبنان، بعد أن فتح الأردن حدوده وأعاد إغلاقها منذ أكثر من عام.

الأكراد أنبوب النفط الذي لا يستغني عنه الأسد

تستغلُّ الإدارة الذاتية الثروات الموجودة في منطقتها خاصةً مع الأزمة التي يشهدها النظام السوري نتيجةً لعقوبات قانون قيصر، وترفدُ هذه الثروات خزينة الإدارة بأكثر من 155 مليار ليرة سورية سنويًا، أي ما يعادل 62 مليون دولار أمريكي، بأخذ الإدارة لحق بيع نفط البلاد الذي تسيطر على أغلبيته.

أزمة المحروقات التي تعيشها مناطق النظام السوري جاءت في صالح الأكراد، الذين لا يستطيعون بيع النفط بطريقة شرعية حتى الآن، فتبيعهُ إما للنظام أو عبر تجار سوريين، إذ دفعت الأزمة النظام إلى انتهاز أي فرصة لتوفير احتياجاته النفطية والسعي للتوصل إلى صفقات مع «قسد» لتأمين مناطقه بالوقود.

ففي أبريل (نيسان) 2021، توصل النظام السوري و«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» إلى اتفاق يقضي بتزويد النظام بالنفط، وفقًا لتصريح مسؤول في الإدارة الذاتية لموقع «المونيتور»، ويتضمن الاتفاق تقديم «قسد» 200 صهريج نفط أسبوعيًا للنظام (حمولة الصهريج بين 25 و30 طنًا)، وتراوح سعر صهريج النفط بين 3240 و3960 دولارًا حسب نوعية النفط.

وتتكفّل شركة «القاطرجي» بنقل الصهاريج، وهي شركة مملوكة لرجل الأعمال السوري وعضو مجلس الشعب، حسام قاطرجي، مع فرض رسوم عبور على الشحنات التجارية القادمة من مناطق سيطرة النظام إلى مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، بنحو 30% من قيمة البضائع.

وحظي هذا الترتيب بموافقة أمريكية ضمنية، وذلك بعد توقيع الشركة الأمريكية «دلتا كريسنت إنرجي -Delta Crescent Energy» اتفاقًا في أغسطس (آب) 2020 مع «قسد»، لتشغيل آبار النفط شمالي شرق سوريا، بمعالجة النفط الخام أو نقله بالصهاريج غربًا إلى مصفاة حمص، وهي واحدة من اثنتين في سوريا يسيطر عليهما النظام، وهو ما يعيدنا لما قاله سابقًا السيناتور الأمريكي، ليندسي جراهام: «أعتقد أننا على وشك الإقدام على مشروع مشترك بيننا وبين قوات سوريا الديمقراطية، لتحديث حقول النفط وضمان أنها هي التي تحصل على الإيرادات وليس إيران أو نظام بشار الأسد».

هل سيسمح اللاعبون في سوريا بنجاح المشروع الكردي؟

يراهن الأكراد على المعطيات السابقة، وأنّها ستمكّنهم من إخضاع نظام الأسد ونزع اعتراف ضمني أو علني من دمشق بوجودهم، واستكمال مشروع الحكم الذاتي، مثلما حصل في إقليم كردستان العراق، والذي يراه كثيرٌ من أكراد سوريا أنموذجًا.

ومنذ بداية الثورة السورية رفض حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني، أن ينضمّ لقوى الثورة، مع أن الأكراد عانوا كثيرًا من النظام مثل بقية الشعب السوري، ووصل تعاون «الاتحاد الديمقراطي» مع الأسد إلى درجة أن قوات النظام انسحبت من المناطق ذات الغالبية الكردية الواقعة في الشمال والشمال الشرقي من البلاد منذ صيف 2012، لصالح الحزب، ما أتاح تأسيس كيان شبه مستقل هناك.

وتجنبت «الإدارة الذاتية» حربًا مباشرة مع الأسد، الذي اعتمد منذ عام 2015 على الداعمين الروسي والإيراني لقلب دفة الحرب لمصلحته، فضلًا عن أن الحرب على «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، ودعم التحالف الدَّوْليّ للأكراد، مهّد لهم السيطرة على نحو ثلث سوريا، حسب تقرير مركز «كارنيجي» للسلام الدَّوْليّ.

وفي حديث مع «ساسة بوست»، يقول الدكتور حسام عايش، وهو خبيرٌ في الشأن الاقتصادي والاجتماعي في سوريا ودول أخرى، أنّه ربما يتم التوصل إلى تفاهمٍ ضمني غير علني بين النظام السوري والإدارة الذاتية، دون اعتراف رسميّ بوضع الإدارة الذاتية، مع استمرار الاستثمارات ودورها الإيجابي في إعادة الوضع الاقتصادي السوري إلى ما قبل الأزمة، خاصةً أن وضع الإدارة الحالي يُقلل من المخاطر الاقتصادية التي يمكن أن يتعرض لها النظام السوري.

وبما أن الدعم الأمريكي يشكّل صمام الأمان بالنسبة للأكراد أمام تركيا التي تصنفهم منظمة «إرهابية»، ما يجعلهم هدفًا دائمًا لها، فإن عياش لا يستبعد أن تعارض تركيا بقوة هذه الاستثمارات، وستعتبرها نوعًا من الدعم الاقتصادي للإدارة الذاتية، يُضيف لها المزيد من الاستقلالية في مواجهتها لأنقرة.

وخلافًا للحالة التركية، يرى عياش أن الولايات المتحدة ماضية في تجاوز قانون قيصر، بتخفيف شروطه في مناطق أخرى داخل سوريا ولكن خارج سيطرة النظام، فيها حضورٌ للمعارضة، لتشكّل نموذجًا اقتصاديًّا واستثماريًّا ناجحًا أمام المجتمع الدَّوْليّ وباقي الأطراف في المنطقة.

وفي 17 يونيو (حزيران) 2020 رحّبت الخارجية الأمريكية بالاتفاق الذي أنجز بين أحزاب «الإدارة الذاتية» و«المجلس الوطني» الكردي، والذي يمثل خطوة أولى في توحيد الأكراد، ويعقّب عياش بالقول إنّ «هذه الإدارة الأمريكية أو الولايات المتحدة عمومًا، ربما ستكون أيضًا مستثمرًا في هذه المناطق، تفضي لحصول الأكراد على امتيازات تقترب من حكم ذاتي محدود، والضغط على النظام لدعم مطالب الأكراد شمال سوريا».

أما بالنسبة للموقف الروسي حول السماح للأكراد في جلب الاستثمارات إلى مناطقهم، واستغلال قانون قيصر ضد النظام السوري، أوضح رجل الأعمال السوري، منذر الزعبي، لـ«ساسة بوست»، أن روسيا لا يمكن أن تقف ضد مصلحة دمشق في الوقت الحالي، التي تغرق في ظروف اقتصادية صعبة، ولكن في الوقت نفسه، لن تعادي روسيا الأكراد، مع محاولات موسكو في إبعاد الأكراد عن واشنطن دون نتيجة حتى الآن.

سوريا

منذ 5 شهور
سلاح على الأرض ولوبي في واشنطن.. ماذا تفعل حركة كردية مسلحة في أمريكا؟

ففي أواخر العام الماضي، على سبيل المثال، قال وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، أن المسؤولين الأمريكيين كانوا يمنعون الحوار بين الأكراد والنظام السوري، ومن الجدير بالذكر أن الكرملين لم يصنف «حزب العمال الكردستاني» منظمةً إرهابية، ولـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» مكتب في موسكو منذ شباط (فبراير) 2016، وعليه يرى الزعبي، أنّ «تصدير موسكو نفسها في توفير ما يحتاجه الأكراد ضمن الدستور السوري، بالتزامن مع تمسكها في إعطاء الأسد السيطرة على جميع الأراضي السورية سياسيًا وعسكريًا»، مع تأجيل هذا الأمر لوقت لاحق، ولن تبدأ به حتى تنهي حربها مع المعارضة السورية التي تدعمها تركيا في شمال غرب البلاد، ما يفتح الأفق في الوقت الحالي أمام الأكراد لكسب رِهان ورقة قانون قيصر لصفهم وفرض أنفسهم داخليًا وخارجيًا».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد