تمكنت قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، من إطباق الحصار على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في مدينة منبج السورية، الواقعة على امتداد الحدود التركية. وسط مخاوف على حياة عشرات الآلاف من المدنيين المُحاصرين هناك، وضمانات أمريكية للأتراك على المستقبل «العربي» لمنبج عقب تحريرها.

حصاد 12 يومًا على عملية منبج

في 31 مايو (أيار) بدأت عمليات قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ضد «تنظيم الدولة»، في محيط منبج، بدعم جوي من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. ذلك بالإضافة إلى عشرات الجنود الأمريكيين، الذين يقدمون «الدعم والمشورة» لقوات سوريا الديمقراطية دون المشاركة في قتال مباشر مع «تنظيم الدولة».

وتمكنت قوات «قسد» من حصار مدينة منبج من جهاتها الأربع بشكل كامل، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يفيد بسيطرة القوات على طرق : «منبج – الغندورة»، و«منبج – عين عيسى»، و«منبج – الرقة»، و«منبج – جرابلس»، و«منبج – الباب – حلب». كما تمكنت القوات من السيطرة على حوالي 100 قرية في محيط مدينة منبج.

وخلال 12 يومًا منذ بدء العمليات في محيط منبج، كانت حصيلة الخسائر البشرية المتبادلة هي مقتل 196 كان أغلبهم من مقاتلي تنظيم الدولة، إذ قُتل ما لا يقل عن 173 مقاتل بتنظيم الدولة، في المقابل قُتل ما لا يقل عن 23 من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية بينهم القيادي الكُردي فيصل سعدون الملقب بـ«أبو ليلى» قائد كتائب شمس الشمال. الذي نعاه بريت ماكجورك – مبعوث الرئيس باراك أوباما الخاص للتحالف الدولي – في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي توتير قال فيها: «إننا سنصلي لروح الشهيد أبي ليلى، الذي ضحى بنفسه من أجل تحرير وطنه».

ويوم الجمعة الماضي الموافق 10 يونيو (حزيران)، قال بريت: «قطعت قوات سوريا الديمقراطية الطريق بين منبج والباب. إرهابيو داعش باتوا مطوقين بالكامل ولا منفذ لهم». وفي سياق متصل، قال رامي عبد الرحمن، مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لم يبق غير 50 كيلومتًرا لعزل داعش عن العالم الخارجي، بالنظر إلى أن التنظيم في سوريا والعراق لا يمتلك معبًرا حدودًيا مع العالم إلا عبر تركيا من جرابلس إلى ريف أعزاز بريف حلب الشمالي».

اقتحام منبج يُحيطه مخاوف إنسانية وعوائق لوجيستية

بالرغم من التقدم الاستراتيجي الذي حققته قوات سوريا الديمقراطية – بدعم جوي للتحالف الدولي – بمحاصرتها لمدينة منبج، تتصاعد المخاوف على أرواح المدنيين في مدينة منبج. وخلال 12 يومًا من انطلاق العمليات ضد تنظيم الدولة في محيط منبج، أسفرت الغارات الجوية للتحالف الدولي عن مقتل أكثر من 30 مدنيًا بينهم 11 طفلًا وأربع سيدات في محبط منبج. وبعد أسبوع من العمليات هناك غادر 20 ألف مدنيًا منبج، بحسب الأمم المتحدة، التي حذرت من أن معركة منبج قد تتسبب في نزوح 236 ألف شخص.

وفي نفس السياق، أعرب المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن مخاوفه على حياة أكثر من 200 ألف مدني محاصر داخل مدينة منبج، مُطالبًا قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي، بتوخي الحيطة والحذر وعدم المجازفة بحياة المدنيين في سبيل السيطرة على المدينة.

وبحسب مصدر عسكري من قوات سوريا الديمقراطية، فإن المدنيين يحولون دون اقتحام المدينة بسبب اتخاذ داعش قسمًا منهم دروعًا بشرية بعد منعهم من مغادرة المدينة، ولفت المصدر في تصريحات صحافية إلى أن هناك خططًا توضع في الوقت الحالي لدخول منبج بأقل خسائر عسكرية وحماية المدنيين. ويعوق دخول المدينة أيضًا عوائق لوجيستية مرتبطة بزرع تنظيم داعش ألغام ومتفجرات على الطرق المؤدية للمدينة.

تطمينات أمريكية لتركيا

يتكون تحالف سوريا الديمقراطية بالأساس من أغلبية كردية ولكنه يضم بعض العرب (من أبرزهم التحالف العربي السوري) وتسيطر وحدات الشعب الكردية عليه، تلك الوحدات التي تُمثل قلقًا دائمًا لتركيا، التي تصنفها إرهابية وتعتبرها امتدادًا لحزب العمل الكردستاني، الذي يمثل بجانب تنظيم الدولة أكبر تحديين أمنيين لأنقرة.

ولكن المسؤولين الأتراك والأمريكيين يؤكدون أن أغلبية القوى المشاركة في عملية منبج تحديدًا تتألف من العرب، إذ قال العقيد بات رايدر – المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية – إن 85% من القوات المشاركة في عملية منبج من المقاتلين العرب، نافيًا قيادة وحدات حماية الشعب الكردية للعملية، وقال رايدر إن «مجلس منبج العسكري» -الذي يُعد جزءًا من التحالف العربي السوري – هو من يقود العملية. مشيرًا إلى أن عدد المقاتلين العرب المشاركين في العملية يصل إلى حوالي 3 آلاف، فيما يُقدم حوالي 500 مقاتل من الوحدات الكردية دعمًا لوجيستيًا للعملية، وهو ما أكد عليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحات له في الثاني من يونيو (حزيران) الجاري.

وفي سياق متصل، قال العقيد الأمريكي «كريس جارفر» – المتحدث باسم التحالف الدولي – إن تركيا اطلعت على خطة العملية، تلك الخطة التي ترتكز بشكل أساسي على إدارة التحالف العربي السوري مدينة منبج عقب السيطرة عليها، ويؤكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش تلقي ضمانات أمريكية بعدم بقاء الوحدات الكردية في منبج عقب تحريرها. وتأتي هذه الضمانات الأمريكية لتطمين الجانب التركي بعد شهور من توتر العلاقات الأمريكية التركية بسبب الوحدات الكردية.

اقرأ أيضًا: لماذا يثير أكراد سوريا الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة؟

وإذا لم تفِ أمريكا – التي تعتبر الوحدات الكردية صديقها المفضل بالداخل السوري – بضماناتها لتركيا – حليفتها بالحلف الأطلسي – بشأن المستقبل «العربي» لمدينة منبج الواقعة في غرب نهر الفرات، وفرض الأكراد سيطرتهم على الأرض فإن ذلك سيُعد «كابوسًا» لتركيا، التي ترفض تنظيم الدولة ولكنها لا تريد استبداله بأي حال من الأحوال بالوحدات الكُردية؛ فكلاهما تضعهما أنقرة في خانة الجماعات «الإرهابية».

وإن لم تتحول التصريحات الرسمية إلى واقع على الأرض، وسيطر الأكراد على منبج – كما حذّر محللون – فإن السيطرة الكردية ستمتد من عين العرب كوباني شرقًا إلى عفرين غربًا، على الحدود التركية مما قد يُترجم الأماني الكردية في الإدارة الذاتية على أرض الواقع!

فرنسيون على أرض سوريا لأسباب استخباراتية

في الرابع من يونيو (حزيران) الجاري، لفت وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان إلى وجود جنود فرنسيين مع جنود أمريكيين إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية يشاركون بالدعم في عملية منبج، من خلال تقديم أسلحة ووجود جوي ومشورة. وينفي مصدر محيط بوزارة الدفاع الفرنسية مشاركة العسكريين الفرنسيين في قتال مباشر مع مسلحي داعش. لم يحدد الجانب الفرنسي عدد هؤلاء العسكريين. وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا لم تكن تعترف من قبل إلا بوجود 150 مجندًا لها في كردستان بالعراق.

ويذكر أن فرنسا واحدة من الدول الغربية التي تنظر في الأكراد على أنهم من أقوى الفصائل لمحاربة تنظيم الدولة، وقبل أسبوع من انطلاق عملية منبج، أعلن أكراد سوريا افتتاح ممثلية لهم في العاصمة الفرنسية باريس دون اعتراف رسمي فرنسي بها.

ويُرجع محللون أحد أبرز أسباب الوجود الفرنسي على الأراضي السورية، إلى جمع المعلومات الاستخباراتية عن مقاتلي التنظيم الفرنسيين لتتبع حركتهم ومنع عودتهم إلى فرنسا مع وجود تقارير تفيد بكثرة الفرنسيين المنضمين للتنظيم. ومما يدعم هذا الرأي أيضًا أن منطقة جيب منبج تعد قاعدة لوجستية، دائمًا ما استخدمها التنظيم لنقل المقاتلين الأجانب، من وإلى أوروبا وسوريا، وتزداد الحاجة الفرنسية في جمع المعلومات الاستخباراتية من التنظيم في هذه المنطقة تحديدًا ، بعد هجمات باريس التي أودت بحياة العشرات، وكانت من أكثر الهجمات دموية في تاريخ أوروبا، بعدما ثبت انتقال منفذي هجمات باريس من منبج إلى تركيا وصولًا إلى أوروبا.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد