في تسعينيات القرن الماضي كان أحد علماء البحر، ويدعى تيم لينش، يغوص في المحيط في أستراليا ولاحظ اقتراب أحد ثعابين «أوليفيا (Oliva)» السام منه، وحاول لمس الزعانف التي يرتديها ثم التف حول نصفه السفلي، وثعبان أوليفيا من الثعابين السامة ويمكن للدغتها أن تقتل الإنسان، لكن بعد مراقبة 158 حادثة مشابهة، أدرك تيم لينش أنا ما يفعله الثعبان البحري ليس الغرض منه مهاجمة الإنسان، بل التحرش جنسيًّا به.

يشوب علاقة البشر بالثعابين دائمًا المزيد من الخوف والذعر الذي يشعر به الكثير من البشر حالة وجودهم بالقرب من ثعبان، مهما اختلفت فصيلة الثعبان أو نوعه، لأنه وبالرغم من أن العديد من فصائل الثعابين لا تسبب أي ضرر للإنسان حتى وإن لدغته؛ لكن يظل الثعبان كائنًا مُرعبًا للإنسان.

وعندما نسمع عن هجوم ثعبان على إنسان مهما اختلفت دوافع الثعبان لفعل ذلك؛ دائمًا ما نعتقد أن هدف الثعبان هو قتل الإنسان، لكن الحديث عن «التحرش الجنسي» بالبشر أمر جديد للغاية، وقد سبب حالة من الضجة في المجتمع العلمي والثقافي العالمي في الأيام السابقة، بعد أن صدرت إحدى الدراسات العلمية التي تقدم هذا الطرح، فما القصة؟

الثعبان والإنسان.. ماذا يقول العلم عن هذه العلاقة؟

لا تلقى الثعابين بشكل عام الترحاب من البشر؛ نظرًا إلى أن معظمنا دائمًا يرى الثعبان على أنه كائن سام يمكن أن يقتلك إن هاجمك، وبالتالي يكون الشعور الأول الذي يطرأ بداخل معظم البشر عند رؤية أحد الثعابين هو «الذعر» الذي قد يدفعه دائمًا للهروب أو محاولة الهجوم على الثعبان، لأنه قد يعتقد أنه إن لم تهاجمه وتقضي عليه سوف يلدغه ويقتله في الحال.

لكن هناك العديد من الآراء الأخرى من العلماء والباحثين الذين يحاولون تغيير رؤية البشر للثعابين وإعتبارها خطرًا على البشرية، ويبرر هؤلاء حالات الهجوم من الثعابين على البشر بأنها فقط محاولة من الثعبان للدفاع عن نفسه، والهجوم غالبًا لا يحدث إلا إذا شعر الثعبان بالخطر بعد أن يبادر الإنسان بالهجوم عليه.

في جامعة جورجيا الأمريكية قام أحد الباحثين ويدعى وايت جيبسون بإجراء تجربة على أنواع مختلفة من الثعابين السامة وغير السامة، وكانت نتائج تجربته هي أن كل أنواع الثعابين صدر منها رد الفعل نفسه عندما وجدت في مكان قريب من إنسان. فكل الثعابين حاولت الهروب من المحيط الذي يوجد فيه الإنسان.

وخلال التجربة كان دائمًا يُترك سبيل للثعبان للهرب سواء كان فتحة في الحائط أو الأرضية وحتى حوض مياه، ولذلك قال وايت جيبسون عن الثعابين إنها فقط لا تريد أن توجد في محيط الإنسان، لأن وجوده يشعرها بالخطر.

لكن دائمًا نسمع عن حالات من هجوم الثعابين على بشر نائمين في أسرَّتهم، أو هجوم مجموعة من الثعابين على منازل الناس، وهذا ما يفسره الباحثين بأنه حالات «إستثنائية» لا تحدث بإستمرار، وتحدث بسبب تغير الظروف الطبيعية مثل عدم وجود طعام كافي للثعابين أو شعور الثعابين بحالات الكبت خلال مواسم التزاوج، مما يجعلهم يخطئون في تحديد هوية الفريسة أو الشريك الذي سوف يكون معهم في عملية التزاوج القادمة.

وبالحديث عن الثعابين البحرية؛ فإن معظمها يكون سامًّا للبشر، وهي تبادر بالهجوم دائمًا حال شعورها بالخطر. وفي حالة أنك كنت تمارس الغوص وفجأة وجدت نفسك بالقرب من ثعبان في عمق البحر الصافي، أو في عمق البحر المزدحم بالشعب المرجانية؛ فلا يجب أن تشعر بالهلع.

والأهم أنه في حالة أن اقتراب ثعبان منك لا تبادر بالهجوم أو حتى الهروب، لأن الثعابين البحرية يمكنها السباحة بسرعة تفوق قدرة الإنسان؛ لذلك فإن المطاردة سوف تنتهي بنجاح الثعبان في اللحاق بك وربما لدغك، ولدغة الثعبان البحري السام، خطيرة جدا وتؤدي للوفاة بسرعة. 

ثعبان أوليفيا يريد السلام مع الإنسان أو الزاوج منه!

في تسعينيات القرن الماضي، كان باحث علوم البحار، تيم لينش، يغوص في أعماق المحيط بالقرب من السواحل الأسترالية تحديدًا في منطقة تكثر فيها الشعب المرجانية وتعرف باسم «الحاجز المرجاني الجنوبي العظيم (the southern Great Barrie)»، وكان لينش يقوم بالغوص بشكل دوري لعمل بعض الأبحاث من أجل استكمال أطروحة الدكتوراه التي كان يعمل عليها آنذاك. 

وفي إحدى المرات لاحظ تيم لينش اقتراب ثعبان أوليفيا منه؛ ولأنه يعلم جيدًا أهمية الالتزام بالهدوء في مثل هذه المواقف؛ ظل لينش مكانه ولم يحرك ساكنًا، وفجأة التف ثعبان أوليفيا حول الزعانف الصناعية التي يرتديها لينش في قدميه، ثم بعد ذلك تحرك الثعبان نحو النصف السفلي من جسده!

وعندما أخرج الثعبان لسانه من فمه، أعتقد تيم لينش أنه سوف يهاجمه، لكنه حافظ على هدوئه؛ وإذا بالثعبان يلعق بلسانه بذلة تيم لينش بالإضافة إلى الأجزاء الظاهرة من جسده التي لم تغطها بذلة الغوص، وبعد وقت قليل؛ تركه الثعبان وانصرف وسبح في طريق آخر بعيدًا عن لينش.

ثعبان أوليفيا البحري يتحرش بالإنسان

ثعبان أوليفيا البحري – مصدر الصورة: فليكر

هذه الحادثة كانت غريبة جدًّا بشكل كافٍ لإثارة فضول الباحث تيم لينش، الذي حاول البحث عن تفسير لتفاعل الثعبان معه بهذه الطريقة؛ فشرع بعدها في دراسة هذه الحادثة وسجل 158 حالة للتفاعل نفسه بينه وبين ثعبان أوليفيا في أوقات مختلفة؛ لكن على الرغم من ذلك لم يخرج لنا بتفسير محاولة تحرش الثعبان بالإنسان جنسيًّا.

أنهى تيم لينش دراسته عام 1995؛ لكنها ظلت في طي النسيان حتى عام 2020، عندما شهد العالم جائحة كورونا التي أجبرت كل الدول تقريبًا على الإغلاق للحد من انتشار الفيروس الفتاك. في تلك الفترة استغل العديد من الناس الوقت في البحث أو تعلم أشياء جديدة؛ وكان من بين هؤلاء عالم البحار والأستاذ بجامعة ماكواري الأسترالية ريتشارد شاين، الذي قرر إعادة قراءة وتحليل دراسة تيم لينش المنسية.

بالنظر إلى دراسة تيم لينش؛ سوف نجد أن معظم حالات تفاعل ثعبان أوليفيا معه بهذه الطريقة وقعت في الفترة بين شهري مايو (أيار) وسبتمبر (أيلول)، وهذه الفترة في أستراليا تمثل فصل الشتاء، وهو الوقت المناسب الذي يستغله ثعبان أوليفيا للتزاوج.

وبالنظر إلى جنس الثعابين؛ سوف نجد أيضًا أن الأغلبية كانت من الذكور عن الإناث. وخلال فصل التزاوج عندما يحاول ذكر ثعبان أوليفيا التودد إلى أنثى من فصيلته، يلتف حولها كما فعل تمامًا مع لينش، لكي يأخذ معها وضع ممارسة عملية التزاوج.

يتحرش فقط بالإنسان! لماذا لم تُرصد حالات تحرش من الثعبان بكائنات بحرية؟

المحيط مليء بالكائنات الأخرى؛ فلماذا لم ترصد حالات محاولات بالكائنات الأخرى؟ في الواقع أن الدراسة تطرح عدة تفسيرات تجيب عن هذا السؤال:

الأول: أن ثعبان أوليفيا لا يمتلك حاسة بصر قوية، كما أن الرؤية تحت الماء حتى للكائنات البحرية تكون بالغة الصعوبة.

الثاني: ثعبان أوليفيا طويل ويصل طوله أحيانا إلى ستة أقدام أي 180 سنتيمتر ولا يوجد العديد من الكائنات البحرية التي تمتلك هذا الطول الذي يمتلكه العديد من البشر.

الثالث: هو وجود صعوبة وصول ذكر ثعبان أوليفا إلى الأنثى، مما يجعله يشعر بالكبت الجنسي، فيبدأ بمغازلة أول كائن طويل يشبه أنثاه، كي لا يُضيِّع فرصة التزاوج.

جنسانية

منذ سنتين
هل تنجذب الحيوانات إلى البشر جنسيًا؟ هذه الأمثلة ستدهشك

وبالنظر إلى التفسيرات الثلاثة سوف نصل إلى استنتاج مهم، وهو أن ثعبان أوليفيا كان يبحث عن شريكه في موسم التزاوج، فلم تساعده قدراته البصرية تحت الماء، وبسبب الضغط الجنسي الذي يعاني منه، اعتقد أن الغواص الذي يمتلك طولًا قريبًا من طوله يمكن أن يكون شريكه القادم في موسم التزاوج.

لذلك فإن تفاعل الثعبان مع الغواصين كان هدفه التزاوج وليس الهجوم عليهم، وفي حالة مقارنة هذا التفاعل مع المعتقدات البشرية، يمكن أن نصفه بالتحرش الجنسي.

جدير بالذكر أن هذه الدراسة ليست الأولى التي يطرح فيها الباحثون والعلماء فكرة انجذاب كائنات حية غير البشر للإنسان؛ وقد سبق وأن تناولنا في «ساسة بوست» تقريرًا مفصلًا عن هذه الأطروحات يمكنك الاطلاع عليها. والآن أخبرنا إذا كنت قد تعرضت أو شاهدت مثل هذه الحالات؟

المصادر

تحميل المزيد