يتعلق قلب «علي» بالحيتان عندما يشاهدها على شاشة التلفاز لأول مرة وهو بعمر العاشرة، يكبر الفتى ويزداد شغفه بالحيتان يومًا بعد يوم. وفي أحد الأيام قرر الشاب الإنجليزي حمل كاميرته الخاصة والتوجه إلى الشاطئ، لتوثيق الآثار الضارة للبلاستيك والقمامة على الحيتان في المحيطات، والبشر على اليابسة، والمساعدة في تنظيف الشاطئ والتخلص من المخلفات البلاستيكية. أصبح الأمر هواية، وتعود المخرج الإنجليزي «علي تبريزي» الخروج من منزله لأداء تلك المهمة كل يوم، ينظف الشاطئ ويوثق الأضرار، دون أن يدري ما هو آت!

في عمر السابعة والعشرين جرفه شغفه بالبيئة والحيتان ومهمات التنظيف والتصوير إلى رحلة طويلة وخطيرة حول العالم، تجول فيها علي تبريزي في أعالي البحار وأراضي الشواطئ وأسواق تجارة الأسماك (لندن- اليابان- هونج كونج- الصين- إسكتلندا- أمريكا)، ليوثق بعدسته كل ما يراه ويحقق وراء معلومات تخص البيئة البحرية وأضرار صناعة صيد الأسماك.

علي تبريزي في مشهد من الفيلم الوثائقي «مؤامرة البحار» – مصدر الصورة: «بي بي سي» 

في النهاية أنتجت لنا هذه الدقائق فيلم «Seaspiracy»، أو «مؤامرة البحار» وهو ساعة ونصف من الإحصائيات المخيفة والمقابلات الساخنة واللقطات الصادمة والمغامرات الدرامية، أثار الفيلم ضجة كبيرة في الأوساط العلمية والثقافية، منذ عرضه الأول على منصة «نيتفليكس» عام 2021، وبين مؤيد ومعارض ما القصة وراء فيلم «مؤامرة البحار» المثير للجدل والقلق أيضًا؟

مؤامرة البحار: وثائقي صادم

احتل الفيلم الوثائقي «مؤامرة البحار» المرتبة الأولى في قائمة الأكثر مشاهدة على منصة «نيتفليكس» عام 2021 في عدة بلدان حول العالم، وغرد المشاهير والممثلون وطبقة المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي عن الفيلم، البعض كتب عن روعة العمل الوثائقي، والبعض تحدث عن الخوف والغضب الذي أثاره الفيلم بداخلهم، بينما اتخذ آخرون قرارًا بعدم تناول السمك مرة أخرى، ونصحوا الجميع بمشاهدة الفيلم واتخاذ القرار الصحيح، وعلى الجانب الآخر صدم الفيلم المجتمع العلمي وبدأ الجميع يبحث في المعلومات المتضمنة بداخله.

قدم المخرج البريطاني علي تبريزي 90 دقيقة من التشويق والترقب المستمر، حاول من خلالها عرض واحدة من أخطر المشكلات التي يتعرض لها كوكب الأرض، وهي تدهور النظام البيئي البحري، من خلال أثر صناعة صيد الأسماك على المحيطات.      

وثق الفيلم الشواطئ وعمليات الصيد في أعالي البحار، ومشاهد التلوث البلاستيكي الذي يضرب المحيطات والشواطئ، ومشاهد الصيد العنيف العرضي، وأسواق تجارة الأسماك ومزارع الأسماك المستدامة في آسيا وأوروبا وأمريكا، كما أجرى الفيلم مقابلات مع خبراء بيئيين وأصحاب مؤسسات صيد ومديرين لمنظمات بيئية، وأخيرًا وثق الفيلم حوادث قتل وانتهاك لحقوق الإنسان على متن سفن صيد.

ناقش الفيلم بشكل درامي جذاب، أربعة أسباب رئيسية تساهم بشدة في عملية تدهور النظام البحري والبيئة:

أولًا: البلاستيك وتلوث البيئة البحرية من مخلفات شباك الصيد، الأكواب والزجاجات والمواد البلاستيكية، وما يعرف بمصطلح كومات القمامة في المحيطات، خاصة رقعة النفايات الكبرى في المحيط الهادئ والتي تتكون من مخلفات معدات وشباك الصيد والقشات البلاستيكية.

ثانيًا: مشكلة الصيد العرضي الذي يؤدي إلى نفوق ملايين الأسماك دون قصد، وتخل بالنظام البحري البيئي وتوازنه، وقد تؤدي إلى ضرر كبير بالبحار، ومشكلة البديل الذي يتمحور في مزارع الصيد المستدام التي تقدم منتجات غير صالحة للاستهلاك، وتتعرض فيها الأسماك لمعاملة قاسية وأغذية ضارة.

ثالثًا: انتهاكات المنظمات البيئية البحرية وشركات تجارة صناعة الأسماك القانون، ودعم الحكومات لتجارة صيد الأسماك.

رابعًا: عمليات القتل وانتهاك حقوق الإنسان على متن سفن الصيد.

استغل مخرج فيلم «مؤامرة البحار» علي تبريزي، تلك اللقطات المصورة والأسباب المطروحة لمشكلة التدهور البيئي البحري ودمجها معًا بشكل درامي تشويقي جذاب، ومن خلال الإحصائيات المخيفة ترك صناع الفيلم المشاهدين في حالة كبيرة من الصدمة والذهول، وسؤال عالق في الرأس يستحق البحث عن إجابة: «هل يجب علينا أن نتوقف عن اصطياد الأسماك وتناولها؟ وهل يعود هذا بالنفع على البيئة البحرية؟». 

هل يجب التوقف عن صيد الأسماك؟

استخدم صناع الفيلم معلومات وإحصائيات الدراسات والمؤسسات البحرية، وكانا سلاحًا قويًّا لتقديم المحتوى وترك الانطباع الصادم، لكن ما الإحصائيات والمعلومات التي أثارت هذا الجدل الواسع؟ وهل فعلًا هي ادعاءات ودراسات حقيقية ومثبتة، ويجب علينا الخوف والقلق؟

مؤامرة البحار

في حقيقة الأمر يعد فيلم «مؤامرة البحار» فيلمًا شائكًا، ويجب التعامل مع قضيته بحرص وخوف؛ فقد دفع أسلوب صناع الفيلم فائق الجودة والمقابلات المتحيزة للغاية، الكثيرين إلى التشكيك في الادعاءات المقدمة، ومع ذلك، فإن الحقائق التي جرى التحقق منها تتركك في تفكير عميق وتسأل بشأن علاقة هذه الأنظمة الرأسمالية والحكومات بالشأن البيئي البحري بشكل عام، ومحاولة شركات صيد الأسماك إبعاد الكارثة عن واجهة الرأي العالمي، لضمان عدم تغيير مسار الصناعة وتدفق الأموال.

مؤامرة البحار: اتهامات وأرقام مخيفة

يرصد فيلم «مؤامرة البحار» العديد من الكوارث البيئية والأخطار التي تحدق بالحياة البحرية، وعليه:

1. يطلب صناع الفيلم من العالم التوقف عن صناعة صيد الأسماك؛ وذلك لأن شباك الصيد تمثل نسبة 46% من البلاستيك الموجود في رقعة القمامة الكبرى في المحيط الهادئ (بحسب الفيلم). والتي تهدد الحياة البحرية في المنطقة بكافة أشكالها، ويعرض الفيلم أن القش البلاستيكي أو المصاصات تمثل فقط ما قيمته 0.03% من بلاستيك المحيطات بأكمله، وهو اتهام ثبت صحته فعلًا.

2. ينتقد المخرج علي تبريزي الصيد العرضي الذي يدمر حياة الكائنات الحية الدقيقة البحرية، والتي يعتمد عليها الكثير من الأسماك في الهرم الغذائي، ويروج للنقد بقوله إن الكائنات الحية الدقيقة تمتص أربعة أضعاف ثاني أكسيد الكربون أكثر من غابات الأمازون، وهو ما يحتاجه كوكب الأرض بشدة لاستمرار الحياة ومواجهة التغير المناخي.

يكمل صناع العمل انتقاد الصيد العرضي بسبب قتل ملايين الأنواع من الأسماك دون قصد، فقد عرض الفيلم إحصائية تفيد بأن أسماك القرش تقتل 12 شخصًا في السنة، بينما يقتل البشر نحو 11 ألفًا إلى 30 ألف سمكة قرش في الساعة بشكل عرضي، وهي إحصائية مثبتة وصحيحة أيضًا.

3. انتقد صناع الفيلم فكرة الصيد المستدام، وقال المخرج على تبريزي إنه لا يوجد حقًّا ما يسمى بالصيد المستدام، وإنه بديل فاشل لصناعة صيد الأسماك الاعتيادية، بل وأكثر سوءًا من الصيد العرضي والجائر، ويرى صناع الفيلم أن مزارع الأسماك المستدامة حول العالم ما هي إلا بيئات قاسية تنمو فيها أسماك ملوثة ملقحة بمواد كيماوية خطيرة وأغذية مضرة، إلى جانب كونها أماكن لسجن الصيادين واستعبادهم.

فنون

منذ 3 سنوات
المحيطات أكثر غموضًا من الفضاء! 10 أفلام وثائقية مدهشة عن عالم البحار

4. اتهم صناع فيلم «مؤامرة البحار» منظمات البيئة وشركات صناعة وتجارة الأسماك، بغش الجمهور وتضليله، ومخالفة القانون وإعاقة العدالة، وذلك عن طريق تزوير شهادات وملصقات تؤكد سلامة مصادر الأسماك وهو أمر غير حقيقي. إلى جانب تغافل المنظمات البيئة وتلقي موظفيها رشوات مالية نظير التكتم على نشاطات الصيد غير المشروعة، وفي النهاية سأل المخرج علي تبريزي عن طريقة محاسبة الشركات والمنظمات في الوقت الذي تدعم فيه الحكومات حول العالم صناعة صيد الأسماك بـ35 مليار دولار في شكل دعم سنوي.

5. من الدراسات المعروضة في الفيلم والتي تعرضت للعديد من الانتقاد والهجوم، قول صناع الفيلم بأن المحيطات ستكون فارغة كليًّا من الحياة البحرية بحلول عام 2048، والتي اعتمدت على دراسة قديمة تعود لعام 2006.

6. وثق الفيلم أضرار سفن الصيد على البيئة البحرية، مثل بعض الحوادث التي وقعت على متن سفن الصيد، والتي تضمنت عمليات استعباد وسخره للصيادين، إلى جانب تسجيل حالات قتل وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، وجميعها أشياء تحدث في بيئة العمل الطبيعية لصناعة صيد الأسماك.

7. في النهاية طلب صناع العمل من الجميع التوقف تمامًا عن تناول المأكولات البحرية؛ أولًا لإنقاذ البيئة البحرية، وثانيًا من أجل الصحة الشخصية للإنسان، حيث إن الأسماك طعام غير جيد من الأساس للإنسان وقد يضر بصحته الشخصية.

وفي السياق ذاته أجرى المخرج علي تبريزي مقابلة في الفيلم مع الدكتور مايكل جرجير المتحدث باسم الصحة العامة، الذي سرد جميع الملوثات الموجودة في الأسماك، وما يمنع استهلاكها وأكد أنه يمكن العثور على سموم المعادن الثقيلة والمركبات البلاستيكية وحتى مثبطات اللهب، وكذلك مادة الزئبق الكيميائية، وجميعها أشياء تمتصها العوالق ثم تستهلكها الأسماك المحيطة ثم نستهلكها نحن بدورنا، ووفقًا للدكتور مايكل كالبر الذي جرت مقابلته في الفيلم أيضًا فإن أحماض أوميجا 3 الدهنية الأساسية والصحية تأتي من الطحالب التي تستهلكها الأسماك، والتي تستنزف في عملية التلوث وليس الأسماك نفسها.

لكن.. هل وثائقي «مؤامرة البحار» مؤامرة؟

تعرض الفيلم لانتقادات واسعة خاصة من المجال العلمي والتجاري، فقد وصف فيلم «مؤامرة البحار» بأنه مؤامرة في حد ذاته، وما هو إلا تضليل وتزييف للحقائق والدراسات والإحصائيات، يثير مشاعر الغضب لدى الشعوب ويقلب الرأي العام العالمي ضد صناعة صيد الأسماك والصيد المستدام.

اعتمد أصحاب الرأي المعارض للفيلم ومنتقدوه، والذين وصفوا الفيلم بالتدليس، على ثلاث حجج قد تبدو قوية وتجعل الجميع يتشكك في أغراض الفيلم وما عرضه من معلومات:

أولًا: بعد الضجة الكبيرة التي أثارها الفيلم الوثائقي «مؤامرة البحار» خرج بعض الأشخاص من المنظمات غير الحكومية والخبراء المتحدثين في الفيلم وموظفي الشركات، وأعلنوا رفضهم مشاركتهم وتصريحاتهم في الفيلم، وقالوا إن المعلومات تحتوي على مزاعم مضللة وغير صحيحة، وإحصاءات خاطئة ومقابلات خارج السياق اقتطع حديثها؛ مما يضعف موقف تبريزي وصناع الفيلم، وفتح الباب أمام منتقدي الفيلم للتساؤل لماذا يرفض الضيوف الذين اعتمد عليهم الفيلم في سرد معلوماته مشاركتهم في الفيلم؟

ثانيًا: رفض بعض الأفراد في المجتمع العلمي المعلومات الواردة في الفيلم، خاصة تلك المعلومة التي تقول بأن البحار ستنضب من الحياة البحرية عام 2048 إذا استمر الوضع كما هو عليه الآن، وجاء التشكيك في المعلومات منطقيًّا جدًّا؛ إذ تدور المعلومة حول دراسة علمية أجريت عام 2006، وهي دراسة قديمة للغاية ولا تضمن أيًّا من التغيرات التي طرأت في العقود الأخيرة، فكيف يمكن الإقرار بنتيجتها؟ 

كذلك اتهم المجتمع العلمي صناع الفيلم بالتغافل عن ذكر معلومات أخرى مهمة للغاية، فمثلًا طلب الفيلم وقف صناعة صيد الأسماك فورًا، وكذلك إنهاء الصيد المستدام والمزارع السمكية، لكنه لم يذكر أن صناعة صيد الأسماك صناعة بمليارات الدولارات حول العالم، يعمل بها ملايين الأشخاص، وتشكل مصدر غذاء للملايين أيضًا، فكيف يمكن إيقاف نشاط وصناعة بهذا الحجم؟

تغافل صناع الفيلم أيضًا عن معلومات وجود مزارع صيد مستدامة متطورة وتدار بشكل جيد وساعدت في انتعاش الحياة البحرية في عدة أماكن، فكيف إذن يمكن وقف صناعة الصيد المستدام، وهي توفر فرص عمل لأكثر من 40 مليون شخص حول العالم، وتوفر 17% من إنتاج البروتين في العالم، وتبلغ قيمة تجارة أنواع التونة الأكثر قيمة فقط من الناحية التجارية نحو 42 مليار دولار أمريكي سنويًّا.

كل هذا وأكثر تغافل عنه صناع الفيلم إلى جانب الدراسة القديمة، ما شكل موطئ قدم للمشككين في الفيلم، وفتح باب التساؤل: كيف يمكن وقف تدفق كل تلك المليارات؟ هل وقف صناعة صيد الأسماك الحل فعلًا؟

ثالثًا: اتهم منتقدو الفيلم صانعي الفيلم بمحاولة تشويه المجتمعات الآسيوية وجعلهم يظهرون بصورة الشرير والمجرم دائمًا، وهو ما وصف بالعنصرية ونظرة الرجل الأبيض والتحريض على الكراهية، بالفعل صورت العديد من لقطات الفيلم في دول آسيوية، وأظهر تعامل الصيادين الوحشي وغير القانوني مع الثروة السمكية، إلى جانب التجارة غير المشروعة للأسماك في السوق الآسيوية.

البيئة

منذ 7 شهور
مترجم: الحياة البحرية تعاني.. 10 توصيات عالمية لإنقاذ المحيطات والحفاظ عليها

وقد رفض الباعة والمنظمات الحديث مع صناع الفيلم أو التعليق على أي معلومات، وهي أيضًا حجة قوية تضعف من موقف مخرج الفيلم علي تبريزي وصانعي الفيلم؛ إذ إنه لم يظهر أي جزء من محاولات التصدي للتجارة والنشاطات غير المشروعة في آسيا في سوق صناعة صيد الأسماك، وهو ما قد يؤخذ على صانعي العمل، إظهار الجانب السيئ فقط دون أي جوانب أخرى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد