الصراع حول الموارد المائية ينتشر ويتوغل، وربما يعرف هذا القسم من التاريخ سلسلة حروب تسبب فيها الماء، لكن هل يمكن لتحلية مياه البحر أن تنقذ العالم من العطش؟

تستيقظ في الصباح ويكون أول ما تفعله أن تفتح صنبور الماء؛ فتتدفق المياه ببساطة لتشرب أو تغسل وجهك. أمرٌ بسيط يفعله أغلب البشر حول العالم كل يوم تقريبًا، لكن الذي يغيب عن ذهن البعض أنه ربما يأتي زمان تصبح فيه قطرات الماء تلك مكلفة لملايين الدولارات، بل قد تكلف الأرواح أيضًا، فهل نحن على شفا حفرة من حروب الماء، أم أن في الأفق حلولًا أخرى؟ هذا ما نتعرف عليه في هذا التقرير.

لا شيء تقريبًا أغلى من الماء

في التاسع من شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي صرّح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن مصر قد دخلت طبقًا لكل الأرقام الدولية في مرحلة الفقر المائي. تلك المرحلة التي تعني تناقصًا كبيرًا في نصيب الدولة من الماء، وبالتبعية نصيب الفرد الواحد، وهو ما أثار قلقًا كبيرًا في الأوساط الشعبية في خضم أزمة لا يبدو لها حل في الأفق مع إثيوبيا فيما يتعلق بقضية سد النهضة.

الأزمة أعادت للأذهان جوهرية قضية الماء للشعب المصري الذي أدرك الأمر منذ قديم الزمان فكان المصريون القدماء يقدسون نهر النيل، ويجعلون يوم فيضانه عيدًا لهم. ولا يقتصر الأمر على المصريين فقط؛ فمنذ الأزل فطن الإنسان لتلك الأهمية، وسعى دائمًا لتأمين مصدر للمياه له ولمن يرعاهم.

لم يتغير الحال منذ عصر الإنسان الأول حتى الآن، فقد تغيرت الظروف والطرق والأحوال، وتقدم العلم وبلغ حدودًا لم ترد حتى بخيال ذلك الإنسان الأول، إلا أن الهدف بقي واستمر كما هو، تأمين مصدر للمياه العذبة والنقية، وبالرغم من أن الماء يغطي نسبة 71% من سطح الأرض، إلا أن نسبة الماء العذب لا تمثل فقط سوى 2.5% من تلك المياه، ونظرًا لتلك الأهمية وهذه الندرة كان لابد عن حل.

هل تنقذ تحلية مياه البحر البشر والشجر؟

مع نضوب العديد من الموارد المائية العذبة لبعض الدول كان العلم هو الحل هذه المرة من خلال تقنيات تحلية مياه البحر، وهي عملية معقدة تتطلب جهدًا ومالًا كبيرين، لكن مفهومها الأساسي يتمثل في إزالة الأملاح المذابة من مياه البحر، وجعل المياه غير الصالحة للاستعمال مناسبة للاستهلاك البشري والري والتطبيقات الصناعية، والكثير من الأغراض الأخرى.

وتتم العملية بأكثر من طريقة، إما بالتقطير عن طريق الحرارة الناتجة عن الشمس أو الوقود، ويكون ذلك بتسخين المياه لدرجة الغليان، ثم تكثيف البخار الناتج عن هذا الغليان على سطح بارد، وتُكرر تلك العملية عدة مرات؛ حتى ينفصل الماء تمامًا عن الأملاح والشوائب الموجودة فيه؛ ويصبح صالحًا للشرب والاستهلاك.

أو أن يتم ذلك عن طريق الطاقة الكهربية، وهي الطريقة المسماة بـ«التناضح العكسي»، وهي عملية معقدة تعتمد في أصلها على الطاقة الكهربية، وتتكون من مراحل متعددة تنتهي بإنتاج قطرات مياه عذبة صالحة للشرب. 

هذا الفيديو يشرح تلك العملية بطريقة مبسطة:

هنا يبرز السؤال عن دور المياه المحلاة في سد احتياجات البشر من المياه حاليًا، فحتى الآن لا تلبي مياه البحر المحلاة نسبة كبيرة من حاجات البشر المائية؛ لأنّ تحلية مياه البحر – وكما يمكن الاستنتاج من الشرح السابق للطرق التي تتم بها – تحتاج إلى محطات تحلية عملاقة، ثم إلى كمية كبيرة من الطاقة التي تنتج عن طريق الوقود الحفري، أو الشمس، أو الطاقة النووية؛ إذ إن الأملاح عند ذوبانها في الماء تشكل رابطة كيميائية قوية يصعب كسرها؛ ما يتطلب معه تكرار العملية أكثر من مرة للوصول بالماء إلى درجة يكون معها صالح للاستخدام؛ وكنتيجة طبيعية لذلك ترتفع التكلفة لعملية التحلية بشكل كبير.

ملايين الدولارات مقابل شربة ماء

تنعم الكرة الأرضية بما مساحته 325 مليون ميل مكعب من مياه البحار والمحيطات، وهو ما يكفي لسد حاجة الأرض المائية بمن عليها لقرون قادمة. لكن التكلفة الباهظة لتحلية مياه البحر هي السبب الأول الذي يحد من انتشارها، والعقبة الأولى في الطريق لحل مشكلة المياه.

لا تنتهي تكلفة عملية تحلية مياه البحر بمجرد إنشاء محطة التحلية، والتي تكلف وحدها مئات الملايين من الدولارات، إذا كانت المحطة من المحطات العملاقة عالية الإنتاج، فعلى سبيل المثال تباشر دولة الإمارات العربية المتحدة حاليًا إنشاء محطة لتحلية مياه البحر بمنطقة جبل علي، من المتوقع أن تصل تكلفتها إلى 237 مليون دولار أمريكي.

لكن التكلفة الأعلى تتمثل في الطاقة اللازم توفيرها لاستدامة تلك العملية، حيث يمكن أن تبلغ تكلفة تحلية متر مكعب واحد من مياه البحر حوالي 1.74 دولار أمريكي، وبالطبع تزيد التكلفة بزيادة درجة الملوحة في المياه المحلاة.

 إلا أنه ومهما بلغت التكلفة فيبدو أن هذا الخيار هو الحل المتاح حاليًا بعيدًا عن الحروب. لذا تتجه جميع الأنظار الآن لتحلية مياه البحر كهدف رئيس لسد مشكلة نقص الماء والتي يتوقع الخبراء تفاقمها مستقبلًا.

هذه الدول نجحت في سد عجزها المائي بتحلية مياه البحر

تُعد المملكة العربية السعودية هي الرائدة الأولى عالميًا في مجال تحلية مياه البحر إذ تملك ثلاثًا من أكبر ست محطات تحلية على الأرض، بينما تملك الإمارات محطتين، وإسرائيل محطة واحدة.

لكن نظرًا لثراء تلك الدول استطاعت التغلب على ندرة مواردها من المياه العذبة، إذ أوضحت الإمارات في تقرير الأمن المائي الصادر رسميًا عن حكومتها عام 2017 أنه وبسبب مناخها الصحراوي وندرة المياه العذبة فإنها تستخدم التحلية الحرارية باعتبارها التكنولوجيا السائدة لجعل مياه البحر صالحة للشرب.

حاليًا تأتي معظم مياه الشرب في الإمارات – ما يمثل حوالي 42% من إجمالي احتياجاتها المائية – من خلال 70 محطة رئيسة لتحلية مياه البحر التي تمثل نحو 14% من إجمالي إنتاج المياه المحلاة في العالم.

قطرة ماء أو رصاصة.. هل تُشعل الماء حروب المستقبل؟  

بدأ شبح الصراع على المياة في الظهور بالفعل بين بعض الدول، إذ إن هناك صراعًا مائيًا بين تركيا والعراق على موارد نهري دجلة والفرات، قد يترك العراق بلا أنهار تقريبًا بحلول عام 2040.

عربي

منذ 6 شهور
مترجم: ما حجم الخطر الذي يهدد مصر بسبب «سد النهضة» الإثيوبي؟

كذلك تلوح في الأفق نذر صراع كبير بين دول حوض النيل في أفريقيا وعلى الأخص إثيوبيا، ومصر، والسودان، وذلك لما تقوم به إثيوبيا حاليًا من بناء سد هو الأول ضمن سلسلة من السدود، والتي تعتزم إثيوبيا بناءها على منابع النيل الأزرق؛ مما سيؤثر على حصة مصر في المياه بما يقدر بـ9 مليار متر مكعب من الماء.

وسيؤثر أيضًا على الرقعة الزراعية لمصر ويعرض أمنهما المائي والغذائي لخطر بالغ، وتسعى تلك الدول حاليًا إلى حل تلك الأزمة بالطرق الودية والدبلوماسية، لكن فشل تلك المفاوضات أو عجزها عن الوصول إلى حل يرضي جميع أطرافها قد يُفضي إلى صراع عسكري، إذ إن الأمر لا يتعلق هذه المرة بصراع حدودي أو توتر عرقي، بل بأصل الحياة على وجه الأرض. 

قد تنقذ آلاف الأرواح.. هل التحلية مناسبة لجميع الدول؟

الإجابة على هذا السؤال تتحدد بمدى قدرة الدول على تحمل التكلفة الباهظة لتلك العملية، والتي بالطبع إن استطاعت دولة غنية بالموارد الطبيعية، مثل الإمارات أن تتحملها في سبيل الاستفادة من تحلية مياه البحر، لا تستطيع باقي دول العالم – خصوصًا النامية منها – تحملها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد