جمهورية روسيا الفيدرالية هي من أكثر بلدان العالم تنوّعًا، حيث أنّ سكّانها يتشكّلون من 160 عرقًا مختلفًا. قد يثري هذا التّنوع الثّقافة الروسية، ولكنّه أيضًا يجعلها أكثر عرضةً لنموّ الحركات الانفصاليّة الّتي تنادي بالاستقلال عن الجمهورية الفيدرالية، وخاصّةً أنّ الكثير من الأراضي التّابعة اليوم لروسيا لم تكن جزءًا من روسيا التّاريخيّة، حيث يعود انضمام بعضها إلى روسيا إلى الحرب العالميّة الثّانية أي منذ 70 عامًا فقط. وكانت روسيا قد واجهت موجةً انفصاليّةً ضخمة في أوائل تسعينيات القرن الفائت بدأت بإعلان ليتوانيا استقلالها وانفصالها عن الاتحاد السوفيتي في عام 1990.

ويشير بعض المحللين إلى بدء علامات موجة انفصالية أخرى بالتّشكّل، خاصّةً مع اعتراف روسيا بجمهورتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبيّة في 2008، واعترافها باستفتاء شبه جزيرة القرم العام المنصرم، ودعمها للانفصاليين شرقي أوكرانيا، ممّا يثير حفيظة المناطق التي كانت قد طالبت بالانفصال أو الاستقلال عن روسيا منذ عقودٍ أو حتّى قرون، أضف إلى ذلك منطقة شمال القوقاز المشتعلة منذ أكثر من عشرين عامًا. وقد عُرف الرّئيس الرّوسي الحالي فلاديمير بوتن بشدّة رفضه للخطاب الانفصالي داخل روسيا، فقد حارب سياسيًّا وعسكريًّا الحركات الانفصاليّة منذ تولّيه السّلطة لأوّل مّرة منذ خمسة عشر عامًا.

يوجد في روسيا العشرات من المجموعات الّتي لديها رغبة انفصاليّة، وإن كانت لا تنشط جميعها، وتتنوّع أسباب ودوافع الانفصال عند هذه المجموعات من دوافع عرقيّة إلى دينيّة إلى أخرى جغرافية. فما هي المناطق الّتي لديها بعد انفصالي في روسيا؟ سنخبركم في هذا التّقرير عن بعض المناطق التّي تمتلك دافعًا انفصاليًّا في جمهورية روسيا الفيدراليّة.

  • 1- تتارستان

أشعل اعتراف روسيا في عام 2008 باستقلال دولتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا موجة من التفاؤل لدى سكان تتارستان، فكان قد أعرب تجمّع الحركات التتارية القومية عن أمله بأن تكون تتارستان وجهة الاعتراف المقبلة. وكانت قد وقعت تتارستان تحت سيطرة الروسية من أكثر من أربعمائة عام في عهد إيفان الرهيب أول قيصر لروسيا، وهي اليوم إحدى الكيانات الفيدرالية في روسيا، ويشكل التتّار نصف سكانها، بينما يشكل الروس قرابة الـ40%.

موقع تتارستان في خريطة روسيا


لم تنشط حركات الاستقلال في تتارستان منذ قرابة العقدين، ولكن يشير بعض المراقبين إلى احتمال نشاطها في المستقبل القريب، وخاصةً بعد اعتراف روسيا باستفتاء شبه جزيرة القرم الذي كان قد ذكّر سكان تتارستان باستفتاء الاستقلال في عام 1992، والذي شارك فيه 81.6% من السكان وصوّت 61.4% منهم (روسًا وتتارًا) لصالح الاستقلال، ولكن استنكر بوريس يلتسن – الرئيس الروسي حينها- نتائج الاستفتاء ولم يعترف بها. رفضت تتارستان توقيع ميثاق 1992 الذي شكل الفيدرالية الروسية الحديثة، وأكدت في معاهدة ثنائية وقعتها مع موسكو أنّها دولة “متحدة” مع روسيا، أي أنّ ارتباطها بموسكو هو أشبه بالكونفيدرالية لا بالفيدرالية. وبقي وضع تتارستان السياسي وطبيعة علاقتها بموسكو مبهمًا، فهي وفقًا للمعاهدات دولة مستقلة لها سيادة، بينما في الواقع كانت أشبه بكيان فيدرالي تابع لروسيا.

انتهى أي التباس في وضع تتارستان السياسي مع استلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتن الحكم في عام 2000، فنوى بوتن منذ بداية عهده القضاء على النزعات الانفصالية في روسيا. في عام 2000، أمرت المحكمة الدستورية بتعديل جميع الدساتير الإقليمية للتوافق مع دستور الجمهورية الفيدرالية الروسية، وفي عام 2001، اعتبر استفتاء 1992 الذي قامت به تتارستان حول الاستقلال “غير دستوري”، وفي عام 2002، عُدّل الدستور في تتارستان لينصّ على أنّها خاضعة للفيدرالية الروسية.

وكوْن تتارستان قوة اقتصادية ممتلكة للنفط وجاذبة للاستثمار يعزّز من تمسّك روسيا بها، ولكنّه أيضًا قد يشكل عامل دفع لازدياد الشعور القومي والرغبة بالاستقلال عند التتار، لقدرتهم على الاكتفاء الاقتصادي من دون الحاجة لمساعدة الحكومة المركزية في موسكو.

  • 2- سيبيريا

“توقفوا عن إطعام موسكو”.

هذه كانت من أبرز الشعارات التي رُفعت في سيبيريا في أواخر عام 2014، عندما كان من المقرر النزول بمسيرة لدعم استقلال سيبيريا في آب/ أغسطس 2014 ولكنها أُلغيَت بعدما أرسلت “روسكمنادزور”، وهي السلطة المراقبة للإعلام في روسيا، إنذارًا إلى 17 وسيلة إعلامية كانت تنوي نقل الحدث، وبعدما تمّ اعتقال 4 من منظمي المسيرة. وكانت قد بدأت الرغبة بالاستقلال في سيبيريا تظهر في منتصف القرن التاسع عشر، عندما أُنشئت الجمعية السيبيرية للاستقلال، وقامت السلطات الروسية في ذلك الوقت بالقبض على وسجن الكثير من أعضاء الجمعية حتى خفتت الأصوات المطالبة بالاستقلال. عادت الرغبة لتظهر بعد ثورة أكتوبر 1917، وقامت السلطة التشريعية في مدينة توسك السيبيرية بتبني قرارٍ ينص على استقلال سيبيريا، وتم إنشاء علم سيبيريا الخاص، ولكن أنهى البولشيفيكيون الحلم السيبيريي بالاستقلال فور وصولهم إلى السلطة وبقيت سيبيريا إلى يومنا تابعة للسلطة المركزية في موسكو.

  • 3- كالينينغراد

قد لا تعلو أصوات الاستقلال كثيرًا في إقليم كالينينغراد، ولكن جغرافيته وتاريخه بالإضافة إلى طبيعة سكانه تجعله الأكثر عرضةً للانفصال عن روسيا، فكالينينغراد هو إقليم تابع إداريًّا لروسيا ولكنه خارج حدودها، فهو يقع ما بين ليتوانيا وبولندا ويبعد حوالي 300 كم عن الحدود الروسية الحالية. وكان قد أصبح كالينينغراد جزءًا من روسيا عندما سيطرت عليه القوّات السوفيتية في الحرب العالمية الثانية بعد خروج القوّات الألمانية منه، أي أنّ كالينينغراد لم يصبح جزءًا من روسيا إلّا منذ 70 عامًا فقط.

موقع كالينينغراد على الخريطة


ولسكّان كالينينغراد علاقة مميزة بالدول الأوروبية، فهو أقرب لدول الاتحاد الأوروبي من باقي المقاطعات الروسيّة، بالإضافة إلى أنّ 25% من سكّانه لديهم تأشيرة الـ”شنغن” الأوروبية و60% من سكّانه حاصلون على جوازات سفر أجنبيّة، ممّا يجعلهم يتطلعون إلى أوروبا أكثر من روسيا، حيث إنّ السكّان يرسلون أبناءهم للدراسة في ليتوانيا وبولندا وألمانيا، وذوو الدخول المرتفعة منهم يقدمون على تملّك عقارات في دول الاتحاد الأوروبي، حتى أنّه بحسب صحيفة الغارديان البريطانية صار يصعب على الشباب من الكالينينغراديين تسمية بعض أهمّ المدن الرّوسيّة. كل هذا بدوره يُعزّز من كون كالينينغراد من أكثر المناطق “الانفصالية” خطورةً في المستقبل.

  • 4- مناطق شمال القوقاز: هل سيقسّم الإسلام روسيا؟

يشكّل العنصر الديني دافعًا أساسيًّا لدى بعض المجموعات المطالبة بالانفصال عن روسيا، وتعدّ هذه المجموعات الأخطر لأنّها غالبًا ما تلجأ إلى العنف. تنشط الجماعات الإسلامية الانفصالية في منطقة شمال القوقاز الروسي وخاصّةً في الشيشيان التي لم تنطفئ نيران الصراع فيها منذ أكثر من عشرين عامًا. في عام 1991، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، تمّ إعلان الشيشان دولةً مستقلةً عن موسكو، وبقيت على هذا الحال لثلاث سنوات حتّى قامت موسكو باجتياحها ومحاولة إعادة ضمها إلى روسيا فيما يعرف بحرب الشيشان الأولى (1994- 1996) والتي أودت بحياة الآلاف من الشيشانيين.

ولم يبدأ الصراع بين الشيشان والحكومة المركزية في موسكو بصبغةٍ إسلاميّة، فبحسب مجموعة الأزمات الدّولية إنّ الحرب الأولى هي التي أدّت إلى تحويل الدافع القومي للانفصال الشيشان إلى دافعٍ إسلامي. ففي عام 1999، أقدمت روسيا على حرب الشيشان الثانية بعد تصاعد الحركات الجهادية وقيام القيادي الجهادي شاميل باساييف باجتياح داغستان، لتَحُدّ من انتشار الجهاد الإسلامي الذي كان قد بدأ بالتغلغل بجيران الشيشان الإسلاميين كداغستان وأنغوشيتيا، وقامت موسكو حينها بفرض سيطرتها على الشيشان وتعيين حاكمٍ مناصرٍ لروسيا فيها. وكان قد اتّهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتن منذ بضعة أشهر واشنطن بدعم الانفصاليين في شمال القوقاز عن طريق غرفة استخباراتٍ في أذربيجان خلال أيّام الحرب.

وأثّرت حرب الشيشان الثانية بشكلٍ كبير على المناطق ذات الغالبية المسلمة المحيطة بها بسبب الطابع الديني للقتال، حيث إنّ الفصائل الإسلامية ما تزال متواجدة وفعالة في مناطق عديدة من شمال القوقاز، فكان قد تشكّل تنظيم “إمارة القوقاز” المسلح بقيادة الجهادي الشيشاني “دوكو عمروف”، والذي يصل عدد مقاتليه اليوم إلى الـ15,000 مسلّح، والذي قام بأكثر من 900 عملٍ “إرهابي” داخل روسيا منذ تأسيسه من 8 سنوات، وكان قد أعلن التنظيم في حزيران/ يونيو الماضي مبايعته لتنظيم الدولة الإسلامية.

هذه كانت أبرز المناطق الّتي تسعى -أو قد تسعى مستقبلًا- إلى تحقيق الانفصال عن جمهورية روسيا الفيدرالية، ولكن لا يمكننا القول إنّها الوحيدة، فهنالك الكثير من المناطق الأخرى الّتي قد يكون لها مستقبل انفصاليّ في روسيا من ضمنها باشكورستان، أوسيتيا الشمالية، ياقوتيا، وكاريليا الّتي تسعى للانضمام لفنلندا، وآيفانغورود الّتي يطالب البعض فيها بالانضمام لإستونيا. وكما بات واضحًا فإنّ الإدارة الرّوسيّة تحاول بشتّى الوسائل إحراق سيناريو انفصال أي إقليمٍ عن أرضها، ولكنّ ترقّبها ينمو بنمو الوتيرة الانفصاليّة في شرق أوروبا وفي العالم الإسلامي وبارتفاع حدّة الاستقطاب الدّولي وتوجّه الصّراعات السّياسيّة العالميّة إلى التشكّل كحروبٍ بالوكالة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد