في 17 يوليو الجاري (الجمعة الماضية) أعلن رئيس الحكومة اليمنية المُقيم في المملكة العربية السعودية، خالد محفوظ البحاح، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، استعادة سيطرة حكومته على مدينة عدن الواقعة جنوبي اليمن، بعد نحو ثلاثة أشهر من وقوعها في قبضة الحوثيين.

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/Khaled.Mahfoudh.Bahah/posts/731767993594982″ width=”” ]

وكانت ميليشيا الحوثي، وفي إطار عمليات بسط نفوذها العسكري على مُدن ومحافظات اليمن، قد سيطرت على القصر الرئاسي في مدينة عدن في شهر أبريل الماضي قبل أن تبسط نفوذها على باقي أرجاء المدينة. وحتّى الآن (حتّى وقت كتابة التقرير)، وبحسب واشنطن بوست ووكالة خبر اليمنية للأنباء، لا تزال ميليشيا الحوثيين تُسيطر على القصر الرئاسي وبعض الجيوب في المدينة.

ومنذ بدأت معارك الصراع اليمني الأخير، وبرزت بقوة التساؤلات المتعلقة بجدية الوحدة بين شمال وجنوب اليمن، ومع معركة “تحرير” عدن الأخيرة، تصاعدت حدّة التوترات التي يرى مُراقبون أنّها قد تكون تمهيدًا لما لا يُحمد عُقباه!

عملية السّهم الذهبي .. كيف أعادت الحكومة بسط نفوذها على عدن؟

في أبريل الماضي وقعت مدينة عدن الجنوبية في أيدي ميليشيا الحوثي، والتي كانت تُعتبر آخر معاقل النظام اليمني برئاسة عبدربه منصور هادي، قبل أن يفر الأخير منها تجاه المملكة العربية السعودية التي تستضيفه وأعضاء حكومة بلاده، حتى الآن. وفي الفترة التي سقطت فيها المدينة في يد الحوثيين، كانت لاتزال عملية عاصفة الحزم مُستمرة في قصف تمركزات ومعاقل لميلشيا الحوثي، بحسب التصريحات الإعلامية للعاصفة، التي أعلنت السعودية إنهاءها والبدء في عملية إعادة الأمل، يومَ 21 أبريل الماضي.

بالإضافة إلى إسهامها الرئيس في عاصفة الحزم بالتعاون مع دول خليجية وعربية؛ لعبت السعودية دورًا عسكريًا على مستوى آخر، إنّه ذلك المُتعلق باستضافة وتدريب قوّات الجيش اليمني ولجان المقاومة الشعبية. بتلك القوّات، استعاد النظام اليمني برئاسة منصور هادي، السيطرة على معظم مدينة عدن.

ونقلت جريدة الشرق الأوسط السعودية، عن ضابط يمني من المشاركين فيما أسمته بعملية “تحرير” عدن، يُدعى مُحسن عبدالله الغلابي؛ أنّ العملية نفّذها نحو 1000 عسكري يمني ممن تلقوا التدريبات على الأراضي السعودية. هذه القوّة رابطت على الحدود مع مدينة عدن، قبل التدخّل لإنهاء سيطرة الحوثيين.

أنصار الرئيس عبدربه هادي منصور، يحتفلون بالسيطرة على مدينة عدن (رويترز)


مُحسن عبدالله الغلابي، وهو برتبة ركن تسليح لكتيبة تُسمّى “سلمان الحزم”، كشف عن أنّ القوة مُكوّنة من جنود ينتمون لمحافظات اليمن الجنوبية، وجميعهم كانوا ضُبّاطًا في الجيش اليمني قبل أن يُسرّحهم الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح عقب حرب صيف 1994، وهي الحرب الأهلية اليمنية، التي حاولت فيها قوى جنوبية بدعم دولٍ خليجية على رأسها السعودية، الانفصال بالجنوب عن اليمن المُوحّدة.

ويُشار إلى أنّ تصريحات الضابط اليمني مُحسن عبدالله الغلابي، هي التفاصيل الوحيدة المُتاحة عن معركة “السهم الذهبي” التي أعادت بها قوات الحكومة سيطرتها على مدينة عدن، أهم مدن الجنوب اليمني.

خطوة إلى الوراء .. أعطني المزيد من التفاصيل عن حرب صيف 1994

في مايو 1990 وقّع قائدا اليمن الجنوبية والشمالية اتفاقية الوحدة المُشتركة، التي تأسست على إثرها الجمهورية اليمنية، بعد انقسام عقودٍ طويلة بين جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية في الجنوب، والجمهورية العربية اليمنية في الشمال. وُقّع الاتفاق بين علي سالم البيض الأمين العام للحزب الاشتراكي الحاكم لجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية في الجنوب، وبين علي عبدالله صالح مؤسس ورئيس حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم للجمهورية اليمنية العربية في الشمال، تلك الجمهورية التي تأسست على أنقاض الحكم الإمامي الزيدي بعد قلاقل وثورات عدة، كان آخرها التي اشتركت مصر فيها، فيما عُرف بحرب اليمن، أو كما يُحب البعض (بينهم عبدالناصر نفسه) تسميتها بـ”فيتنام مصر“، في إشارة إلى الحرب التي خاضتها أمريكا في فيتنام.

الاتحاد الاندماجي بين اليمنين، أفضى إلى تعيين علي عبدالله صالح رئيسًا للجمهورية اليمنية الموحدة، وعلي سالم البيض نائبًا للرئيس، ولعل ذلك يعود إلى الضعف الذي أودى بالاتحاد السوفيتي الداعم والحليف الأوّل لليمن الجنوبي، بالإضافة إلى غير ذلك من الأسباب التي كانت وراء قلّة حظوظ حُكّام الجنوب في الاتحاد اليمني.

هذا وتذهب مراجع إلى أنّ الاتحاد كان ممهدٌ له منذ زمن، عبر تسلسل للأحداث التي تدلل على ذلك، بدايةً – مثلًا – من التحرك الجمهوري الشمالي ضد الحكم الملكي الإمامي، حيث ساهمت وحدات عسكرية جنوبية في قتال القوات الملكية والقبائل المُحالفة لها في المنطقة الحدودية، وكذا خلال معارك السيطرة على صنعاء، ثُمّ بعد ذلك عبر توقيع عدة اتفاقيات وحدة مُشتركة بين الجمهوريتين جنوبًا وشمالًا، لم تُفضِ إلى شيء، حتى كانت اتفاقية الوحدة في مايو 1990.

جلسة توقيع اتفاقية الوحدة في مايو 1990، بين عبدالله صالح وسالم البيض


وقد برز الخلاف بين قادة الاتحاد بعد أوّل انتخابات برلمانية في أبريل 1993، حيث حصد حزب علي سالم البيض المركز الثالث بنحو 56 كرسيًا في البرلمان، مُقابل 132 كُرسيًا لصالح حزب علي عبدالله صالح. وبعد الانتخابات، تشكّل نظام حُكم ائتلافي، بين حزبي صالح والبيض، بمشاركة من حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي فاز بالمركز الثاني في الانتخابات البرلمانية بـ62 كُرسيًا، وبعضوٍ واحد في مجلس الرئاسة الذي تشكّل وفقًا للمادة الثانية من وثيقة اتفاق الوحدة.

بالطبع كانت الانتخابات، وما انبنى عليها من حُكم ائتلافي، بمثابة قسمة الظهر لقادة الجنوب الذين اتهموا قادة الشمال بالضلوع في عمليات اغتيال لأبناء الجنوب هدفها زعزعة الاستقرار. خلال تلك الفترة اعتكف علي سالم البيض في مدينة عدن، وشهدت مناطق الجنوب خروج تظاهرات ومسيرات مُعارضة لنظام الحُكم الذي تأسس بالاتحاد، موجهة الاتهامات الصريحة لقادة الشمال بالضلوع في عمليات تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار الجنوبي.

على كل حال، فإن الوحدة اليمنية السريعة بالفترة الانتقالية القصيرة – التي لم تتجاوز 30 شهرًا – كانت مُربكة للعالم بأسره. في البدء رؤوا فيها نموذجًا يُحتذى به، لكن وحينما تصاعدت حدة الخلافات بين قادة الجنوب والشمال، تراجع العالم عن موقفه. كوريا الجنوبية كمثال، رأت في البدء أنّ الوحدة اليمنية رُبما تكون مُحفزًا لنشوء وحدة بينها وبين كوريا الشمالية، ولكن مع بزوغ الخلافات اليمنية، تراجعت كوريا خطوة للوراء لتنظر إلى الموقف بجملته: وحدة سياسية دون تطبيع اقتصادي أو عسكري أو حتّى مجتمعي.

مع تفاقم الخلافات التي جعلت علي سالم البيض مُعتكفًا في عدن، ومُطلقًا تصريحاته المنددة بممارسات قادة الشمال السياسية والعسكرية، بدأت الأزمة في التجذّر، وصولًأ باندلاع أحداث الحرب الأهلية أو ما عُرف بحرب صيف 1994، والتي أعادت تجذير الخلاف الشمالي – الجنوبي، كما جذّر لحكم الفرد الواحد عبر علي عبدالله صالح.

مع الأزمة اليمنية الحالية .. سيناريوهات الانفصال (فك الارتباط) المُحتمل

يُمكن القول إن الأزمة اليمنية الحالية لها جذورها الضاربة في الزمن لعقود. فبأي حال من الأحوال، لم تكن حرب 1994 مُجرد حدث عارض، ولم يكن الانتهاء منها بانتصار عبدالله صالح وما يُمكن تسميتها بقوى الشمال اليمني؛ قضاءً على المطالب الانفصالية الجنوبية المتمظهرة في “الحراك الجنوبي“.

المطالب الانفصالية التي لم تخبت يومًا منذ الوحدة في 1990، تتعدد أسبابها وتتشابك بشكل شديد التعقيد، تتدخل فيه عدة عوامل، من بينها الخارجية بالضرورة متمثلة بشكل أساسي في دول الجوار الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، صاحبة الموقف التاريخي المُعارض للثورة الجمهورية ضد الملكية الإمامية في الشمال، وما تبعته من حرب اليمن التي شاركت فيها مصر، ومن ثم إسقاط الإمامية وإعلان الجمهورية.

وبمحاولة فك التشابك والتعقيد في تلك الأسباب، رُبما نستطيع وضع أيدينا على بعضها؛ مثلًا الحراك الجنوبي يتحدث عن تركز الحُكم في يد الشمال، مع تهميش وإقصاء متعمد للجنوب على كافة المستويات، السياسية والاقتصادية والعسكرية وكذا الاجتماعية. ولكن هناك بالطبع أسباب أخرى، يُمكن تلخيصها في الطبيعة القبلية، ذات الولاءات والانتماءات المختلفة في الجنوب عنها في الشمال.

رغم ذلك، لا يُمكن إنكار ادعاءات التهميش والإقصاء السياسي على الأقل، وبخاصة بعد حرب 1994، فقد عمد علي عبدالله صالح إلى ما يمكن تسميته مُعاقبة الجنوب، ولذلك عدّة مظاهر، منها أن ألغى عبدالله صالح مجلس الرئاسة وأصبح رئيسًا للجمهورية بصلاحيات شبه مُطلقة. ثم على مستوى البرلمان، قلّص نسبة تمثيل الجنوب، بعد أن كانت 46% بحسب اتفاقية الوحدة، إذ وصلت على مدار الدورات البرلمانية حتى 2010 إلى 19%.

توزيع مقاعد البرلمان بين الشمال والجنوب بعد الوحدة اليمنية (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)


أما على مستوى الحكم المحلّي، فبداية من 2006، بدأ عبدالله صالح في تمكين الشمال على رأس الإدارات الجنوبية، بتعيينه 3 محافظين شماليين على 3 محافظات جنوبية من أصل خمسة؛ هي: حضرموت ولحج والمهرة، ثُمّ في 2007 أصبح على رأس مُحافظات الجنوب جميعها، مُحافظين شماليين. ووفقًا للمركز العربي، فإنّ نسبة أبناء الجنوب في المؤسسة العسكرية اليمنية حتى 2011، لم يتجاوز 13% فقط!

قد يقول قائل، إن هذا كان في زمن علي عبدالله صالح، وأنه بعد ثورة 2011 انتفت أسباب الرغبة في الانفصال، لكنّ لنخبة الجنوب رأي آخر في هذه القضية، هو أنّ الثورة نفسها خير دليل على مشروعية مطالب الجنوب، التي تمحورت حول رفض فردية الحكم ومركزيته؛ لذا – وبناءً على رأيهم – تبقى مطالب الانفصال حقًّا أصيلًا.

ورغم ذلك انشغل اليمن بالفترة الانتقالية بعد خلع عبدالله صالح، ولم تأخذ مطالب الانفصال زخمها وسط تسارع الأحداث. لكن مُؤخرًا، ومع بدء منحى جديد في اليمن، تمثّل في الهجمة الحوثية، باتت اليمن بين فكي جماعة الحوثي في الشمال، والحراك الجنوبي الانفصالي في الجنوب. ولقد كانت سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء (الشمالية)، ومن ثمّ انتقال الرئيس عبدربه منصور هادي إلى عدن (الجنوبية) وإعلانها عاصمة مُؤقتة، بمثابة فرصة العمر للحراك الجنوبي الذي أعلن دعمًا كاملًا لشرعية منصور الذي هو بالمناسبة من أبناء الجنوب.

هذا، وقد أخذت معركة عدن الأخيرة – التي استعادت بها القوات الموالية لعبدربه منصور هادي، السيطرة على مدينة عدن من أيدي الحوثيين – طابعًا أكثر جذرية من حيث “النعرة” الانفصالية على مستوى المجتمع الجنوبي، سجّلها المُراقبون، وتحدثوا عنها. فبحسب مصادر صحافية يمنية، عن بعض المواقع الإخبارية (لم يتسنّ لنا التأكد من صحتها) فإنّ مجموعات من لجان المقاومة الشعبية (الجنوبية في أغلب تكوينها) ستسعى عبر تحركها العسكري ضد الحوثيين، إلى التأسيس لمطامح الانفصال.

على جانب آخر من تلك التوقعات، هناك من يرى صعوبة حدوث انفصال في القريب على الأقل، لعدة ظروف “موضوعية” ستحول دون ذلك، من بينها مثلًا عدم وجود تأييد ودعم عربي ودولي، فضلًا عن التخوفات من انقسامات داخل قيادات الجنوب الداعين للانفصال حال تحقق لهم مُرادهم، وبالإضافة إلى سؤال الجاهزية على مستوييه السياسي والمجتمعي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد