“أن تكون تقريبا على صواب أفضل من أن تكون بالضبط على خطأ”، مقولة شهيرة لعالم الاقتصاد البريطاني الشهير جون مينارد كينز، أحد أعظم المفكرين فى التاريخ. لقد أثرت أفكار كينيز حول العلاقة الهشة بين الرأسمالية و الديمقراطية فى جيل كامل من القادة و صناع القرار الذين استطاعوا التغلب على الآثار العنيفة للكساد الكبير الذي اجتاح العالم بعد الحرب العالمية الأولى. استطاعت أعمال كينيز أن تقدم دواء فعالا للافتراضات الخطيرة لعلم الاقتصاد الكلاسيكي للرأسمالية، خصوصا المفهوم (الخاطئ) بأن الأسواق لديها قدرة ذاتية على تصحيح نفسها أثناء فترات الركود الاقتصادي.

لقد كان لكينيز دور كبير فى التمهيد للعصر الذهبي للرأسمالية، و ذلك عن طريق تأكيده الدائم على الدور المهم للدولة فى ترويض نزوات السوق، إلى جانب دوره المباشر فى تأسيس نظام بريتون وودز الذي وضع أساس نظام النقد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية. شهد العالم بعد الحرب العالمية الثانية انتعاشا سريعا فى الدول التي دمرتها الحرب فى أوروبا و اليابان، و صاحب ذلك صعود فى معدلات النمو الاقتصادي فى كثير من ’دول الجنوب‘، و يرجع الفضل فى كثير من ذلك لافكار كينيز الاقتصادية.  كان ذلك العهد  عهد تقارب اقتصادي بين الدول و بقي كذلك حتى استطاع كل من التجمع السام للمغامرات الامبريالية  و التوسع فى الصرف و وضع القيود التنظيمية، أن يوقفوا الصعود الناتج عن الرأسمالية الكنيزية.

مع ثمانينيات القرن العشرين، كان النظام الرأسمالي تحت قيادة الدولة يشهد تراجعا فى الشرق الأوسط كما فى باقى العالم. حدث ذلك عندما استسلمت الدول الأنجلو-أمريكية لافتراضات ميلتون فريدمان الرياضية للاقتصاد ، و سرعان ما تبعتها باقى دول العالم. و بذلك ولدت النسخة النيوليبرالية من الرأسمالية فى اقتصاد الدول المركزية و بدأت الدول المحيطة فى تقليد ملامحها بدرجات متفاوتة.

فجأة أصبح التصور السائد هو أن الأسواق عقلانية و تتغير طبقا لحسابات دقيقة قابلة للقياس و التنبؤ بها،  و أن التنظيم الحكومي هو بالفطرة شعبوي و مدمر للاقتصاد. كانت هذه الفترة بالتحديد  بداية النهاية لمرحلة ما بعد الاستعمار للدول العربية   التي  تأسست على خليط متفرد من القومية العربية و اقتصاديات شبه اشتراكية  و حكم فردي مستبد.

انهيار أسعار البترول فى الثمانينيات كان ضربة عنيفة للأنظمة الضعيفة فى العالم العربي. فى غياب المساءلة الديمقراطية، بدد الحكام العرب جبالا من أموال البترول  فى سبيل تحقيق مجد عسكري و ترف خيالي و إحكام للسيطرة على الحكم محليا. و على عكس ما حدث فى دول شرق آسيا التى اتجهت إلى الصناعة، لم يكن هناك فى الدول العربية أي توجه منهجي للاستثمار فى القدرة الصناعية و رأس المال البشري. بعد العديد من المآزق و/أو الخسائر العسكرية  أمام القوى غير العربية في إسرائيل و إيران، و مع انتهاء فترة الارتفاع الخيالي لأسعار البترول، وجد أغلب العالم العربي نفسه محروما من الكرامة الوطنية و المرونة الاقتصادية. خرج من رحم هذه الأجواء عهد جديد تمثل فى نموذج فاسد للحكم قائم على دولة قمعية و قيادة فردية و نمو اقتصادي مركز. كما أناقش فى كتابي ” كيف خذلت الرأسمالية العالم العربي: الجذور الاقتصادية و المستقبل المتزعزع للثورات العربية”، فإن الثورات العربية فى 2010و 2011لها جذور يمكن تتبعها لنشأة هذا الاقتصاد السياسي الجديد.

لقد كان السبب الرئيسي فى فشل دول الربيع العربي فى إحداث تغير جذري فى الخريطة السياسية فى المنطقة، هو أن أنظمة ما بعد الثورة فشلت فى تقدير الجذور الاقتصادية للثورة. بينما تبرز تونس كصاحبة أفضل أمل في المستقبل بين دول الربيع العربي، بسبب نضج السياسة البرلمانية لديها و دستورها الليبرالي التقدمي، فإن مستقبل الربيع العربي يعتمد بالدرجة الأولى على  ثورة اقتصادية حقيقية، تعيد إحياء القطاع الصناعي، تنمي رأس المال البشري، و تنعش القطاع الريفي الزراعي. و هنا تظهر أهمية أفكار كينيز فى حتمية مشاركة الدولة فى تشكيل العمليات الرأسمالية و ضمان نظام اقتصادي عادل.

بينما ساهمت الأزمات الاقتصادية فى الثمانينيات فى إسقاط العديد من الأنظمة الاستبدادية في آسيا و أمريكا الجنوبية، فإن العالم العربي اتخذ منحى آخر. بعد السقوط المدوي لشاه  إيران محمد رضا بهلوي (عام 1979)، خاف الحكام العرب من مواجهة مع إيران ما بعد الثورة و من ثورات عنيفة فى الداخل. استطاع الحكام العرب المخضرمون فى السياسة الحفاظ على حكمهم عن طريق إعادة طرح أنفسهم بشكل جديد. استغلت الجمهوريات العربية مثل مصر عداء الغرب لإيران  و  للإسلام السياسي و قدمت نفسها كحليف استراتيجى، بينما لجأ الملوك العرب الى التبعية الاستراتيجية فى مقابل الحصول على حماية واشنطن. استطاع الحكام العرب تقديم أنفسهم كضامن وحيد لاستقرار المنطقة و للتدفق المستمر للمواد البترولية و بالتالي حصلوا على شراكة استراتيجية مع الغرب. و كان من نتائج ذلك أن جاءت المؤسسات المالية الدولية مسرعة لتقديم المساعدة لتلك الدول، مطالبة فى نفس الوقت بأشكال مختلفة من تحرير الاقتصاد مقابل مساعدات مالية و تقنية. سريعا، استطاعت العديد من الدول العربية أن تحقق استقرارا اقتصاديا شكليا من حيث التضخم و سعر العملة و ميزان المدفوعات. و لكن الانفتاح الديمقراطي لم يكن جزءا من هذه الصفقة، و التكلفة الاقتصادية لذلك على المدى الطويل كانت ضخمة للغاية.

استطاع الحكام العرب مثل بن علي و مبارك عبور مرحلة الانفتاح الاقتصادي بنجاح عن طريق محاباة عملائهم و كبار رجال الشرطة و الجيش و أقاربهم أثناء عملية خصخصة واسعة. بعد استحضار الأزمة الاقتصادية و أهمية التقشف، استغلت الأنظمة القمعية الانفتاح الاقتصادي كحجة لنقل مسؤوليات الدولة فى رعاية المواطنين إلى القطاع الخاص كما لجأت إلى تقوية الأجهزة الأمنية الداخلية للقضاء على كافة أشكال المعارضة السياسية. القطاع المصرفي الذى تم خصخصته تحول إلى مصدر رخيص للتمويل لأصدقاء النظام، و الذين استغلوا ذلك فى مجالات عالية الربح و المخاطرة مثل السياحة و العقارات. فى نفس الوقت، أدت إزالة القيود عن التجارة و خصخصة الصناعات الوطنية إلى إضعاف المجال الصناعي الوليد و القطاعات الزراعية التقليدية. و بالرغم من تحقيق نسب نمو اقتصادي مستقرة نسبيا، لم يكن هناك تنمية شاملة، هذا إلى جانب نمو سكاني كبير أدى الى تفاقم مشكلة البطالة لدى الشباب و انتشار الفقر فى كثير من الدول العربية.

أدى التباطؤ الاقتصادي عامي 2007و 2008إلى عدة قفزات فى أسعار الغذاء، و كان من نتائج ذلك انخفاض شديد فى الأمن الغذائي و الاقتصاد الكلي فى كثير من الدول العربية، خصوصا الدول غير الغنية بالبترول مثل مصر و تونس و المغرب و اليمن. فى الوقت الذى كانت تعاني فيه هذه الدول لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية العالمية، و مع رفض الحكام العرب تقديم أية إصلاحات ديقمراطية، أصبح الربيع العربى لا مفر منه.

بعد ثلاث سنوات، لم تستطع دول الربيع العربي أن تحقق الاستقرار، فليبيا و مصر و اليمن على شفا حرب داخلية و فوضى كاملة. و بالتالى فلا عجب أن كثيرا من الديمقراطيين فى الدول العربية الأخرى بدأوا يعيدون التفكير فى جدوى الثورات، و بدأوا يرحبون بأية إعانات اقتصادية من ممالك الخليج الغنية.

أكثر الانتقادات التى وجهت لحكومات ما بعد الثورة  هى عدم قدرتها على مشاركة السلطة مع قوى المعارضة و احترام التطلعات الليبرالية و العلمانية للطبقات الوسطى و العليا. و لكن ما غاب عن النقاش هو كيف أن القوى الجديدة لم تقدم أي أجندة اقتصادية بديلة لـ رأسمالية المحاسيب فى الدول العربية .

الحكام الجدد تأرجحوا ما بين الاستمرار فى السياسات النيوليبرالية للأنظمة السابقة، و بين تقديم الوعود بالقضاء على البطالة و رفع الأجور و وضع قيود صارمة على البنوك. نتيجة لذلك، لم يكن هناك تجانس فى السياسات الاقتصادية، فى الوقت الذى أدى التباطؤ الاقتصادي فى دول أوروبا- و هى شريك اقتصادي مهم لدول الربيع العربس- إلى انخفاض الصادرات و السياحة و الاستثمارات الأجنبية.  أدت الأوضاع الاقتصادية المتردية إلى خلق حلقة مفرغة من  تناقص شرعية الحكومات الجديدة  التي واجهت المعارضة المتزايدة لها بإجراءات  قاسية في  محاولة للدفاع عن نفسها ضد قوى الثورة المضادة. مثلت مصر مثالا صارخا لهذا التفاعل الخطر،  الذي انتهى بإقصاء حكومة مرسي، الأمر الذي امتد أثره سلبيا إلى الدول العربية الأخرى.

ما تحتاجه دول الربيع العربي أكثر من أي شيء، و العالم العربي ككل، هو ثورة اقتصادية تتوافق مع التطلعات الديقمراطية للجماهير. وهنا تأتي أهمية أفكار كينيز عن الدور الفاعل للدولة فى التخطيط الاقتصادي و توفير الخدمات العامة الأساسية. قد لا يكون هناك مفر من الرأسمالية العالمية، و قد لا يكون هناك مجال للعودة إلى النظام شبه الإشتراكي. و لكن تستطيع الدول العربية أن تتخلص من الافتراضات التكنوقراطية الضيقة – التي أدت الى نشوء رأسمالية المحاسيب العربية- مقابل أجندة اقتصادية بديلة.

تحتاج الدول العربية إلى نقاش جاد حول كيفية إعادة تشكيل الدولة، و ذلك لإقامة نظام تنموي يتبنى إعادة توجيه النظام الاقتصادي نحو الإنتاج الصناعي و القدرة الزراعية و النمو الشامل. و تمثل خبرة الدول النامية مثل الصين و تايلاند دليلا على إمكانية نجاح مثل هذه المشاريع حتى فى ظل الاقتصاد العالمي. بدون ذلك، فإن أقصى ما سيحققه الربيع العربي سيكون حرية شكلية مدمرة بدون تغيير مؤثر في أوضاع الجماهير، لذلك يجب على الثورات العربية فى الجولة القادمة أن تركز على العدالة الاقتصادية و التنمية الشاملة

عرض التعليقات
تحميل المزيد