ربع قرن مرَّ كاملًا على انتهاء أخر حرب باردة في العالم عام 1991، والتي كانت بين القوى العظمى في النظام العالمي ثنائي القطبية، والذي يمثلهما الاتحاد السوفيتي سابقًا، كطرف أول، والولايات المتحدة كطرف ثانٍ، والتي انتهت بسقوط الأول وتفكيكه وإعلان رابطة الدول المستقلة وزوال الحزب الشيوعي.

ربع قرن مرَّ كاملًا على انتهاء الحرب الباردة، عام 1991، والتي كانت بين القوى العظمى في النظام العالمي ثنائي القطبية، والذي يمثلهما الاتحاد السوفيتي سابقًا، كطرف أول، والولايات المتحدة كطرف ثانٍ، والتي انتهت بسقوط الأول وتفكيكه، وإعلان رابطة الدول المستقلة، وزوال الحزب الشيوعي.

الآن، وبعد 25 عامًا من انتهاء الحرب الباردة، يتحدث الخبراء السياسيون والعسكريون وأساتذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية، عن وجود حرب باردة جديدة ووشيكة قد تحدث بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، خاصةً في ظل الاستقطاب الحادث بين الطرفين، فضلًا عن مشاركتهما في قضايا دولية، وحدوث مواجهات غير مباشرة بينهما مثل الحرب في سوريا، والتحالف الدولي لمحاربة «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) وغيرها.

والآن، وبعد ربع قرن من الهيمنة الأمريكية على مجريات الأمور في العالم؛ هل تقوم حرب باردة جديدة؟ هل يصبح العالم ثنائي القطب مرة أخرى؟ أم تحوز روسيا على الهيمنة العالمية هذه المرة؟

لمحة تاريخية عن الحرب الباردة الأولى

كانت الحرب الباردة، قد اندلعت في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، والتي بدأت بفكرة من جون كينان، عضو قسم الشؤون الخارجية للولايات المتحدة في أواخر الأربعينات، ومخطط السياسات الخارجية لها، والذي عُين لاحقًا سفيرًا للولايات المتحدة لدى الاتحاد السوفيتي.

في عام 1946 أرسل ما بات يُعرف بـ«الرسالة التليغرافية الطويلة»، إلى الولايات المتحدة، دعا فيها الإدارة الأمريكية إلى «احتواء الاتحاد السوفيتي»، في المقابل، رد الاتحاد السوفيتي على قضية هذه الرسالة، بوصف الولايات المتحدة بـ«أرض الرأسماليين الاحتكاريين، الذين يعملون على بناء القدرة العسكرية لتهيئة الظروف للفوز بالسيادة والهيمنة العالمية في حرب جديدة»؛ ما أدى إلى الرد مرة أخرى، لكن هذه المرة من جانب بريطاني، إذ دعا رئيس الوزراء البريطاني، «وينستون تشرشل»، إلى إنشاء تحالف أنجلو-أمريكي ضد الاتحاد السوفيتي، في خطبته الشهيرة التي سُميّت «الستارة الحديدية». ومن هنا كانت البداية.

وبالرغم من كون الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي حلفاء في الحرب العالمية الثانية ضد قوات المحور، إلا أنهما اختلفتا في كيفية إدارة وإعادة بناء العالم ما بعد الحرب.

وظهرت الندية بين القوتين العظمتين، خلال فترة الحرب، من خلال تطوير الأسلحة، والتقدم الصناعي، وتطوير التكنولوجيا، والتسابق الفضائي، فضلًا عن التحالفات العسكرية؛ حيث شاركت القوتان في عمليات بناء عسكرية وصراعات سياسية من أجل المساندة. وخلال سنوات قليلة، انتشرت الحرب الباردة في أرجاء العالم، وانقسم العالم بين المُعسكرين.

الطريق نحو حرب باردة ثانية

لم تكن الحرب الباردة الأولى حربًا مُعلنة، ومُسمّاه، كما أنها لم تتضمن أي مواجهات عسكرية مباشرة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، فهل تكون الحرب الباردة الثانية كذلك؟

حتى الآن، لم يُعلن أي طرف عن بداية حرب كُبرى، إلا أن العديد من التقارير، والتحليلات، تُشير إلى أنّ حربًا باردة ثانية قد بدأت بالفعل منذ

2014، وتحديدًا يوم 19 مارس (آذار) 2014، وهو اليوم التالي لليوم الذي قامت فيه روسيا بالهجوم على شبه جزيرة القرم والاستيلاء عليها في أوكرانيا. حينها أرسل «بوتين» خطابًا مكتوبًا لقيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) مفسرًا استيلاءه على شبه جزيرة القرم، ومشيرًا إلى أن هذا الخطاب قد يكون نموذج تحول في العالم، عارضًا قائمة من الأفعال التي فعلها الغرب سابقًا لتعيق تقدم روسيا، قائلًا عن الغرب «لقد كذبوا علينا مرَّات عديدة، اتخذوا قرارات من وراء ظهورنا، ووضعونا أمام الأمر الواقع، كل هذا، وبالإضافة إلى توسع حلف الناتو شرقًا، وإنشائهم لبنية تحتية عسكرية أمام حدودنا».

ما فعله بوتين في شبه جزيرة القرم يذكرني بما فعله هتلر والنازيون في أواخر ثلاثينات القرن الماضي. – هيلاري كلينتون، مارس (آذار) 2014.

وأنهى الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، خطابه حينها، مؤكدًا أن روسيا لن تتسامح مع أي ضغوط مفروضة عليها من الغرب، مشبهًا إياها بالورد الذي سيتفتَّح يومًا ما، ولكن يبدو أن تفتَّح فعلًا، فقد بدأت حقبة جديدة من الحرب الباردة، تعرف باسم الحرب الباردة الثانية، أو الحرب الباردة 2.0، حقلة مختلفة في طبيعتها ووضعها.

وكان بوتين قد أعلن في مارس (آذار) 2014 استيلاءه على شبه جزيرة القرم الأوكرانية، بحجة المدافعة عن الأقليات الناطقة بالروسية فيها، والذين يواجهون صعوبات وتضييقات على حرية التعبير تحت السيطرة الأوكرانية. كل هذا حدث بعد أن أعلنت «هيلاري كلينتون»، في وقت سابق من الشهر نفسه، أن تدخل بوتين في شئون أوكرانيا يذكرها بهتلر والنازية في ألمانيا في القرن الماضي.

شواهد الحرب: هل تنبأ أحدٌ بها؟

تشير صحيفة «الجارديان» البريطانية إلى أن قضية الحرب الباردة الثانية والتحذيرات منها على طاولة النقاش الأوروبية منذ حوالي ثلاث سنوات كاملة، ولكن يبدو أن القادة الأوربيين والولايات المتحدة لم يكونوا قادرين كفاية على وقف قيام حرب باردة جديدة، بحسب الصحيفة.

وقالت الصحيفة: إن المسئولين الأوروبيين اعترفوا بتقصيرهم في فهم الموقف بشكل جيد؛ فقد أكد وزير الخارجية الفرنسي، «جان مارك أيرولت»، على أن ما حدث في الحرب الباردة الأولى هو شكل من أشكال الفوضى في العالم، وقد جاء الوقت الذي سيدفع فيه الغرب ثمن عدم التقدير الجيد للموقف حينها، وثمن الراحة التي نالها على مدار عقدين من الزمن، على حد قوله.

كما اعترف وزير الخارجية البريطاني، «بوريس جونسون»، بأن الغرب قد أخطأ حينما اعتقد أن سقوط جدار برلين يعني انهيار الشيوعية في العالم، وذلك بعد سبعة عقود من حكمها.

وكان السير «جون ساورز»، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطاني، قد وصف المرحلة الحالية بأنّها «الأخطر»، مُوضحًا أنه لم تعد هناك «قواعد واضحة بين واشنطن وموسكو»، فيما قال وزير الخارجية الألماني «فرانك شتاينمار»، إن «تشبيه الفترة الحالية بالحرب الباردة فيه نوع من المغالطة»؛ معللًا ذلكك بأن هذه الفترة «مختلفة لأنها أكثر خطورة»، على حد وصفه.

ويتحدث المسئولون الأوروبيون عن خطورة الوضع الحالي، الذي لا يمكن اختزاله في صورة مشهد واحد، ولكن هناك عدة شواهد تعبر عن هذه الحرب؛ فتراكم الغضب لدى روسيا نتيجة الاستفزازات الأمريكية والغربية عن طريق العقوبات المفروضة عليها منذ أزمة شبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى القصف الروسي لحلب في سوريا، والكشف عن نية الإبقاء على بشار بشَّار الأسد في سوريا، كلها صور توحي للغرب والولايات المتحدة أن روسيا مشحونة تجاه الغرب، وقد تبدأ الحرب الباردة الثانية فعلًا.

وتعتبر الحرب في سوريا هي ثاني أكبر سبب من أسباب التوتر بين الجانبين، وذلك بعد أزمة شبه جزيرة القرم. حيث تتهم دول غربية موسكو بارتكاب جرائم حرب في مدينة حلب السورية، وذلك خلال قصفها للمناطق التي تسيطر على المعارضة المسلحة المناوئة للرئيس بشار الأسد، وهو ما يرفضه الرئيس لروسي فلاديمير بوتين، واصفًا هذه المزاعم بالسخيفة. عامان ونصف منذ أزمة شبه جزيرة القرم وما زال الوضع متأزمًا بين الغرب وروسيا.. فهل تصبح الأزمة السورية هي القشة التي قصمت ظهر البعير وتتسبب في قيام الحرب الباردة الثانية؟

الحرب الباردة لم تعد كذلك

من المعروف أن الحرب الباردة، كانت مرحلة صراع فكري واستراتيجي، ولم تتضمن مواجهات عسكرية مُباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولذا سُميّت حربًا باردة، لكن على ما يبدو، فإن الوضع الحالي مختلف، على الأقل من جهة اندلاع حربٍ حقيقية، وإن كانت بالوكالة، فضلًا عن التصعيد المُستمر من قبل الطرفين.

ولعل من شواهد ذلك، إلغاء بوتين لاتفاق عمره 20 عامًا بين روسيا والولايات المتحدة، والذي كان يتضمن إعادة معالجة البلاتينيوم الزائد لمنع استخدامه في صنع أسلحة نووية، فضلًا عن نشره صواريخ قصيرة المدى من نوع «إسكندر إم»، والتي تعتبر ذات قدرة نووية في كالينيجراد، بالإضافة إلى نقله عدد من الصواريخ المتطورة من نوع أرض-جو من طراز S-300 و S-400 وردارات إلى داخل سوريا، فضلًا عن وجود مقاتلات جوية من نوع SU-30 و ميغ29 والتي يمكنها القصف من على ارتفاعات منخفضة، وتفترض صحيفة «الجارديان» أن هذه هي رسالة للغرب بأن بوتين يتعامل مع سوريا كما لو كانت من ضمن المناطق الروسية.

يُضاف إلى ذلك، إثارة بوتين شبح أزمة الصواريخ الكوبية، بقوله إنه يفكر في إعادة فتح القواعد العسكرية لبلاده في كوبا وفيتنام.

في الوقت نفسه، يحاول بوتين تحدي التحالفات الدبلوماسية الغربية، وبخاصة مع تركيا ومصر والصين وليبيا، فضلًا عن التجارب والاستخدامات غير المسبوقة في الحرب الإلكترونية، بما في ذلك القرصنة من رسائل البريد الإلكتروني لأعضاء الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.

من جهة أُخرى، وبالرغم من إعلان «ينس ستولتنبرج»، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن الحلف لا يرغب في خوض مواجهة ضد روسيا، ولا في حرب باردة جديدة، إلا أن الحلف قد نشر أربعة آلاف جندي إضافي في أوروبا الشرقية على الحدود مع روسيا، جاهزين للانضمام إلى قوات رد سريع تتكون من حوالي 40 ألف فرد من دول الناتو المجاورة لروسيا. وكانت بريطانيا قد قررت إرسال 800 جندي إلى الحدود الروسية، فضلًا عن برلين التي تعهدت للمرة الأولى منذ القضاء على ألمانيا، وانتهاء بالحرب العالمية الثانية، بإرسال قوات إلى حدود روسيا، مشيرة كذلك إلى قرار نشر 330 جندي أمريكي في النرويج التي نأت بنفسها عن أي انخراط عسكري ضد روسيا حتى في ذروة الحرب الباردة.

وأوضح «ستولتنبرج» في تصريح صحافي، أن هذه التعزيزات تهدف إلى منع اندلاع أي صراع أو نزاع، وليس لإثارته، مؤكدًا على أنه على الرغم من التوترات الحالية، إلا أن الحلف لا يرى روسيا باعتبارها تهديدًا له، بل إنه يسعى نحو علاقة أكثر تعاونًا وإيجابية، على حد قوله.

وقد صدر تقريرٌ أمريكي أمس الأول، محذرًا حلف الناتو، ويشير إلى أنه تستطيع القوات الروسية مهاجمة والسيطرة على دول بحر البلطيق في 36 ساعة فقط.

عرض التعليقات
تحميل المزيد