لمدة تقارب 50 عامًا، كان يجري تحديد طول الثانية بالطريقة نفسها، لكن باحثين في ألمانيا يعتقدون الآن أنهم وجدوا طريقة لابتكار الساعة الأكثر دقة على مدار الساعة على مر التاريخ. الساعة الجديدة يمكنها أن تحافظ على الوقت بشكل جيد؛ بحيث إذا بدأت هذه الساعة بالعمل مع نشأة الكون إبان الانفجار العظيم، وذلك قبل 14 مليارسنة، فإنها لن تفقد إلا مائة ثانية فقط لا غير.هل يمكنك أن تتخيل دقة هذه الساعة، التي يبلغ معدل التأخير فيها ثانية واحدة فقط، كل 140 مليون سنة؟

بالرغم من أن هذه النسبة من الخطأ أو التأخير في الزمن، يصعب على البشر ملاحظتها، إلا إنها في الحقيقة ستكون هامة جدًا، وذات فائدة كبيرة فيما يتعلق بالملاحة، وتطبيقات تحديد المواقع العالمية، بواسطة «جي بي إس GPS»؛ لأن هذا الأمر سيؤدي إلى زيادة دقة تحديد المواقع على الأرض، على بُعد عدة أمتار، إلى عدة سنتيمترات فقط. أضف إلى هذا فوائد تتعلق بشبكات الطاقة الكهربائية، وشبكات الماليات الإلكترونية.

تغيير قيمة الثانية والدقيقة والساعة

يقول الباحثون «إنه كنتيجة لاستخدام هذه الساعة لطريقة جديدة في حساب وقياس الوقت، فإن هذا الأمر يمكن أن يؤدي إلى تغيير الوحدات الأساسية للثواني والدقائق والساعات، بفارق كميات ضئيلة».

الطرق التي لايزال العلماء يستخدمونها لقياس وتحديد الوقت، لاتزال تعتمد على فكرة «البندول»، ربما عدا «الساعة الذرية» فقط، التي تعتمد على قياس الموجات الخاصة بإشعاعات ذرة «السيزيوم»؛ فمنذ عام 1967، حدد النظام الدولي لوحدات القياس قيمة الثانية بأنها الوقت المنقضي لمرور 9192631770 دورة من تذبذبات الأشعة الخارجة من نواة ذرة السيزيوم.

لكن، مثلها مثل ساعة البندول التقليدية؛ فإن هذه الدورات من التبذبات الإشعاعية يمكن أن تزداد سرعتها أو تقل، مع وجود هامش خطأ يقدر بحوالي واحد نانوثانية كل 30 يوم.

الثانية

تعريف الثانية على وشك أن يتغير


ساعة جديدة

ورقة بحثية تم نشرها في مجلة «أوبتيكا» المتخصصة، وصفت ساعة جديدة تستخدم ذرة «السترونتيوم»، والتي تتميز بأنها تدق بشكل أسرع من السيزيوم، والتي تستخدم التذبذبات الإشعاعية في نطاق الضوء البصري، وليس في نطاق أشعة «الميكروويف» لطيف الضوء.

ومن المعروف أن طيف الضوء، أو نطاق الطول الموجي الخاص بالأشعة «الكهرومغناطيسية»، يتدرج تصاعديًا طبقًا للطول الموجي؛ ليبدأ بمنطقة الإشعاع المتأين (والتي تضم أشعة غاما وأشعة إكس والمستويات العليا للأشعة فوق البنفسجية)، ثم منطقة الأشعة فوق البنفسجية المعتادة، ثم منطقة الضوء العادي، ثم منطقة الأشعة تحت الحمراء، ثم أشعة الميكروويف وأشعة الراديو.

وإذا ما جرى تعريف الثانية طبقًا لساعة السترونتيوم، فإن الوحدة المكافأة لنفس الوحدة القياسية للثانية المعرفة من قبل النظام الدولي لوحدات القياس، ستعادل حوال 429 تريليون دورة من الذبذبات الإشعاعية الناتجة.

وقال «كريستيان غريبينغ»، الأستاذ في معهد المقاييس الوطني في ألمانيا، والذي عمل بالفعل على فكرة الساعة الجديدة، إن «هذه الدراسة الجديدة تمثل علامة فارقة فيما يتعلق بالتنفيذ العملي للساعات الضوئية». وأضاف أن الرسالة من هذه الدراسة، هي أنه «يمكننا أن ندخل الساعات البصرية في البنية التحتية الخاصة بنا، والمعدة للحفاظ على الوقت في زمننا الحالي، وسنكون قد ربحنا نظامًا وطريقة جديدة أيضًا».

وأضاف أنه إذا ما أعيد تعريف طول الثانية، فإنها في الغالب ستكون أقرب ما يمكن إلى الثانية الحالية، ولكن سيكون من المرجح أن يسفر هذا الأمر عن تغيير صغير. وبالطبع، فإذا ما تم التغيير، فإننا سنرغب في تغيير سلس جدًا؛ لا يؤثر بشكل كبير على طول الثانية. وأشار إلى أن التغيير الحادث ـ ربما ـ يكون أقل من معدل الخطأ المحتمل في ساعة السيزيوم.

الساعة الضوئية الجديدة، والتي تستخدم أشعة «الليزر» لمراقبة الذرات أو الأيونات في غرفة مفرغة الهواء، ومحمية من التأثيرات الخارجية، كانت قد عرفت لبعض الوقت فيما مضى، لكنها كانت تعاني من كثير من المشاكل؛ لأنها كانت معقدة جدًا من الناحية الفنية، وكان لديها ميل إلى التوقف عن العمل.

وأشار الدكتور غريبينغ، إلى أن طريقتهم هذه أظهرت أن هذه الساعات يمكن أن تعمل بطريقة جيدة من الناحية العملية، لكنه أشار أيضًا إلى أن عملية تغيير طول الوحدة الأساسية للثانية يجب أن تؤجل ـ ربما ـ لمدة عشرة سنوات أخرى. هذا التأخير سيتيح الوقت – حتى ولو تم قياسه عبر ساعة السيزيوم – للعلماء؛ للعمل بها، ومعرفة أي الساعات البصرية التي سيقومون بإنتاجها ستكون أكثر دقة. الساعات الأخرى هنا يقصد بها إصدارات أخرى من الساعة البصرية، التي تستخدم عناصر مختلفة، عدا السنترونيوم، مثل «ذرات وأيونات الألومنيوم».

وذكر أنهم يهدفون إلى تحسين البنية التحتية الخاصة بتحديد الوقت على مستوى العالم، من خلال بناء ساعات أفضل وأدق، ودمجها في هذه البنية التحتية الخاصة بحفظ الوقت. وأضاف أن هذه هي الخطوة الأولى تجاه هذه التحسينات المرجوة.

الثانية

ساعة السيزيوم في سويسرا، نسبة خطأ تقدر بثانية واحدة كل 30 مليون سنة

كيف تطور تعريف الثانية؟

الحضارات القديمة قامت بتقسيم اليوم إلى أجزاء، لكنهم لم يعرفوا الثانية بمعناها الحديث الحالي؛ فالمصريون القدماء، منذ 2000 عام قبل الميلاد، قسموا ساعات النهار وساعات الليل إلى 12 قسم لكل منها. ثم قام عالمان من الحضارة «الهيلنستية»، عام 150 قبل الميلاد، بتقسيم اليوم إلى 60 قسمًا، واستخدموا نموذجًا للساعة يساوي واحد على 24 من اليوم.

وفي العام الألف الميلادي، كان العالم الفارسي المسلم «البيروني» هو أول من استخدم مصطلح الثانية، وقام بتقسيم الوقت، بين مولد قمرين جديدين إلى أيام وساعات ودقائق وثوان وأثلاث وأرباع.

وكانت أولى الساعات التي استخدمت لتوضيح قيمة الثانية، هي الساعات «الميكانيكية» التي ظهرت في النصف الثاني من القرن السادس عشر، والتي مكنت من حفظ قيمة الوقت بشكل واضح، مقارنًة بالساعات الشمسية. وفي عام 1560 ظهرت أول ساعة بها عقرب يشير إلى الثواني.

في عام 1644، قام العالم «مارين ميرسين» بقياس قيمة ثانيتين كاملتين، بواسطة بندول طوله 0.994 متر، عند جاذبية قياسية مقدارها الوحدة، بحيث كانت الحركة لليمين تمثل ثانية، والحركة لليسار تمثل ثانية أخرى.

وفي عام 1956، أعيد تعريف قيمة الثانية طبقًا للعام الشمسي لفترة معينة، قبل أن يكتشف العلماء أن دوران الأرض حول محورها لم يكن دقيقًا وثابتًا بالقدر الملائم لعيارية الزمن. في هذا الوقت تم تعريف الثانية بأنها جزء من 31556935.9747 جزء من العام، في المنطقة الاستوائية.

بعد هذا، وفي فترة الستينات من القرن الماضي، ظهرت الساعة الذرية أو ساعة السيزيوم، ليتم تحديد قيمة الثانية طبقًا لها؛ بدلًا من استخدام الفترة الزمنية لدوران الأرض حول الشمس. في هذا الوقت تم اعتماد الساعة الذرية؛ لتحديد قيمة الوحدة الأساسية للثانية، والتي ظلت على حالها حتى يومنا هذا؛ في انتظار عملية إعدة التعريف المرتقبة؛ نتيجة ظهور الساعات البصرية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد