في عام 1867، عاد البكباشي محمد ألماظ من باريس مع الأورطة المصرية السودانية – كتيبة من الجنود – بعد أن صافح الإمبراطور نابليون الثالث وجرى تقليده هو وكتيبته بالنياشين والأوسمة. كانت أربع سنوات صعبة، فقد فيها عديدًا من رجاله، كما فقد فيها قائده البكباشي جبر الله محمد، وحاربوا في ظروف صعبة في وسط أمراض غريبة، من أجل معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل! فما الذي أرسل الأورطة المصرية إلى المكسيك؟ ولماذا في الأساس حاربت فرنسا المكسيك؟

الحرب الأهلية المكسيكية.. من هنا كانت البداية

قبل أن نذهب لقصة الحرب الفرنسية المكسيكية، أو تحديدًا التدخل الفرنسي الثاني، حيث وقعت معركة بويبلا في الخامس من مايو (أيار)، وهو العيد الذي يحتفل به المكسيكيون كل عام ومعروف باسم «سينكو دي مايو»، يجب أن نعود بالوقت إلى الفترة بين 1857 و1861.

في ذلك الوقت كانت المكسيك تعاني من الحرب الأهلية، حرب اندلعت بين المحافظين وبين الليبراليين، بعد أن فاز الليبراليون بالانتخابات وبدأوا في تنفيذ سياساتهم الإصلاحية والتي لم تلق قبول المحافظين.

بدأت حرب بين القوتين بقيادة المصلح الليبرالي بينيتو خواريز وبين المحافظ فيليكس زولواجا، واتخذ الأخير من مدينة ميكسيكو سيتي مقرًّا، بينما استقر بينيتو في فيراكروز.

Embed from Getty Images

تمثال بينيتو خواريز في مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية

في يناير (كانون الثاني) 1861 استطاعت قوات بينيتو السيطرة على ميكسيكو سيتي لينهي الرئيس الليبرالي الحرب الأهلية التي استنزفت دماء المكسيك وأموالها. لكن بذكر الأموال فقد بدأت مشكلة جديدة لبينيتو!

ففي فترة الحرب لجأ الطرفان إلى القوى الأوروبية من أجل اقتراض الأموال، وبعد الحرب قررت بريطانيا وإسبانيا وفرنسا مطالبة المكسيك بالديون كاملة، فأصبح مطلوبًا من الليبراليين دفع ديونهم وديون المحافظين من خزانة المكسيك، الأمر الذي رفضه بينيتو.

في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1861 وقعت فرنسا وبريطانيا وإسبانيا اتفاقًا ثلاثيًّا للتدخل في المكسيك من أجل تحصيل الديون، وعلى الرغم من أن الهدف المعلن للجميع كان استعادة الأموال، فقد كانت لفرنسا أهداف أخرى. كانت الخطة في منتهى البساطة، ستصل القوات الأوروبية إلى المكسيك وتجبرها على الدفع ثم ترحل، لكن نابليون الثالث إمبراطور فرنسا كان يطمع في ما هو أكبر من تحصيل بعض الديون.

تشارلز لويس نابليون والمعروف بنابليون الثالث كان ابن أخ نابليون بونابرت، وقد ورث من عمه الطموح بكل تأكيد، لكن للأسف لم يرث النجاح. فقد كان يسعى لضم المكسيك للإمبراطورية الفرنسية، ولكي يفعل ذلك كان يحتاج إلى «ملك دمية» ليكون بمثابة عينه في المكسيك ويده للتحكم في الأمور، على حد تعبير المؤرخين.

وجد نابليون غايته في أرشيدوق النمسا فرديناند ماكسميليان، الذي كان فردًا من عائلة هابسبرج الشهيرة التي حكمت عددًا من دول أوروبا على مدار سنوات عديدة، ودعاه المكسيكيون الداعمون للتاج ليكون ملكًا على المكسيك، لكن هذه المرة الوضع اختلف.

فلقد دعاه نابليون ليكون إمبراطور المكسيك ووعده بدعم الجيش الفرنسي ليصل إلى الحكم، كما أقنعه أنه جرى اختياره من قبل الشعب المكسيكي، وهي خدعة نفذها نابليون بالاتفاق مع المحافظين المكسيكيين الذين كانوا يرغبون في إطاحة بينيتو وحكومته الليبرالية. 

فرنسا والمكسيك و«سينكو دي مايو»

بالعودة إلى التحالف الأوروبي وحملة استرداد الديون؛ وصلت القوات الأوروبية إلى المكسيك واستطاعت السيطرة على فيراكروز الواقعة على ساحل المحيط الأطلسي.

الفرق في العدد والعتاد كان واضحًا، وبسببه استطاعت القوات الأوروبية السيطرة على ثلاث مدن في طريقها إلى العاصمة ميكسيكو سيتي، وبدون أي مقدمات وصل أسطول فرنسي آخر وسيطر على مدينة كامبيتشي في فبراير (شباط) 1862؛ ما سمح لجيش فرنسي جديد بقيادة الجنرال تشارلز دي لورنزي بالوصول، فكشف نابليون الثالث عن نواياه لبريطانيا وإسبانيا مما تسبب في انسحابهما، وتقريبًا بنهاية شهر أبريل (نيسان) لم يكن هناك سوى جنود فرنسا على الأراضي المكسيكية. 

وصل دي لورنزي إلى مدينة بويبلا وحاصرها، بينما قاد قوات المكسيك الجنرال المكسيكي إجناسيو زاراجوزا للدفاع عن المدينة. كانت القوة الفرنسية تقدر بحوالي 6 آلاف جندي، بينما تراوحت قوات زراجوزا بين ألفين و5 آلاف جندي مكسيكي.

استعد زراجوزا للهجوم الفرنسي، فتمركزت قواته في موقعين محصنين على تلتين في شمال شرق المدينة، وفي الخامس من مايو 1862، بدأت معركة بويبلا.

فشل تكتيك دي لورنزي أمام خطة زراجوزا الدفاعية، فاستنفذ دي لورنزي قوة جنوده بلا جدوى، وعندما نفذت الذخيرة من المدفعية الفرنسية بدأ الهجوم المضاد من المكسيكيين. هاجمت القوات المكسيكية ميمنة وميسرة الفرنسيين في الوقت نفسه؛ مما أدى إلى تشتيت الوسط فهاجمه زراجوزا محققًا نجاحًا ساحقًا، وإلى هذا اليوم يجري الاحتفال بذكرى هذا الانتصار في يوم الخامس من مايو كل عام.

إلا أن هذا الانتصار لم يعن انتهاء الحرب، فعلى الجانب الآخر عند الساحل الشرقي للمكسيك – حيث مدينة كامبيتشي – توسعت القوات الفرنسية حتى نهاية عام 1862. وكانت وفاة زراجوزا في سبتمبر (أيلول) قد شجعت الفرنسيين على المحاولة مرة أخرى، لكن هذه المرة عادوا بقيادة جنرال مختلف؛ فريدريك فوراي.

وعلى عكس دي لورنزي، استعد فوراي جيدًا للحصار، فقد حضر ومعه 26 ألف جندي، وقد كان ذلك في مارس (آذار) 1863، وبعد شهرين سقطت مدينة بويبلا المحصنة، واتجهت القوات الفرنسية إلى ميكسيكو سيتي.

في مايو غادر بينيتو خواريز العاصمة هو والحكومة الليبرالية إلى الشمال لانتظار أي إمدادات يمكن أن تصلهم في المستقبل، وفي السابع من يونيو (حزيران) 1863 دخل الجنود الفرنسيون ميكسيكو سيتي لتبدأ المرحلة الثانية من خطة نابليون، وهي السيطرة على المكسيك عن طريق وضع ماكسميليان في السلطة وحمايته.

وكما ذكرنا مسبقًا فقد اتفق نابليون مع المحافظين على خداع ماكسميليان وإخباره أن قدومه كان باختيار الشعب وأن الإرادة الشعبية الممثلة في نتائج اقتراع – مزيف – أتت به ليحكم المكسيك. 

وعلى الرغم من أن الحكومة كانت من المحافظين، فإن ماكسميليان كان قد أخذ على عاتقه تنفيذ إصلاحات متعددة حتى ولو لم تحظ بإعجاب حكومته، فحاول بإصلاحاته جعل المكسيك أكثر ديمقراطية، وألغى ما كان يشبه العبودية، ووضع حدًّا لعمالة الأطفال، وقلص عدد ساعات العمل.

سياسة

منذ سنتين
بعيدًا عن جدار ترامب.. 7 أشياء قد لا تعرفها عن المكسيك

في الوقت نفسه كانت القوات الفرنسية تتوسع في البلاد وتحكم سيطرتها عليها شيئًا فشيئًا. لكن هذا التوسع سرعان ما توقف عند اقترابهم من شمال البلاد، بسبب المناخ والأمراض وكذلك ضعف الامدادات، وكانت هذه الفرصة التي ينتظرها بينيتو وكل من كان يدعم الجمهورية، ومع عام 1866 عادت القوات المكسيكية للقتال.

في هذه المرة استطاعت الولايات المتحدة تقديم الدعم للمكسيك. ففي بداية الحرب كانت أمريكا هي الأخرى تعاني من ويلات الحرب الأهلية مما منعها من تقديم مساعدات، سواء كانت أموالًا أم سلاحًا، واكتفت وقتها برفض التدخل الفرنسي في المكسيك.

لكن هذه المرة وبعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، ساعدت الولايات المتحدة المكسيك في حربها بدون التحام مباشر مع فرنسا. ومن الجدير بالذكر أن التدخل الأمريكي كان في الأساس لمنع وجود قوة إمبريالية أوروبية على حدودها. 

ومع التدخل الأمريكي شعر نابليون الثالث بأن المكسيك لم تكن بتلك الأهمية ليخسر علاقاته مع الولايات المتحدة من أجلها، وبدأ بسحب جنوده ليبقى ماكسميليان وحيدًا في مواجهة جمهورية المكسيك.

جرى القبض على ماكسميليان على الرغم من هروبه من مكسيكو سيتي وجرى إعدامه وعاد بينيتو وحكومته الليبرالية إلى كرسي الحكم، لينتهى بذلك التدخل الفرنسي الثاني في المكسيك، لكن يظل السؤال من هو البكباشي محمد ألماظ؟ ولماذا كرمه نابليون هو والأورطة المصرية رغم هزيمة فرنسا؟

الأورطة المصرية السودانية ومغامرة في العالم الجديد

في 1933 كتب الأمير عمر طوسون كتابه «بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك» يوثق فيه مغامرات الكتيبة المصرية التي حاربت بجانب الفرنسيين في حربهم ضد المكسيك.

سرد فيه بالوثائق الرسمية كيف استعان الإمبراطور نابليون الثالث بوالي مصر آنذاك محمد سعيد باشا، والذي وافق على إرسال 453 محارب من مصر والسودان لمساندة قوات فرنسا وذلك بسبب العلاقات الطيبة وقتها بين مصر وفرنسا.

كانت فرنسا قد طلبت مساعدة مصر في حربها بعد رحيل إسبانيا وبريطانيا، وكان الجنود الفرنسيون يعانون من المناخ الحار وانتشار أمراض مثل الحمى الصفراء والزحار أو الدوسنتاريا، واعتقد الفرنسيون أن الرجال السود لديهم مناعة طبيعية من تلك الأمراض وقادرون على تحمل مثل هذا المناخ، وذلك بالطبع بالإضافة إلى سمعة الجندي المصري التي صارت معروفة بين الدول الأوروبية بعد تولي محمد علي الحكم.

في البداية كانت هناك مشكلتان، الأولى أن عدد الضباط كان قليلًا، فقد كانوا ثلاثة ضباط فقط، وقد فقدت الكتيبة قائدها البكباشي جبر الله محمد في المعركة، لكن حملة ترقيات داخل الكتبية بدأت، وجرى ترقية محمد ألماظ من يوزباشي إلى بكباشي ليقود الكتيبة.

أما المشكلة الثانية فكانت حاجز اللغة، وهنا لجأ الفرنسيون إلى العنصر الجزائري الموجود في الجيش، وفي خلال أربعة شهور كانت الكتيبة المصرية جاهزة للنزول إلى أرض المعركة.

في البداية كانت المهمات المطلوبة من الكتيبة المصرية تتلخص في حماية الطرق أو المواصلات أو خطوط الاتصال بين الكتائب الفرنسية أو بين منطقة وأخرى، لكن مع الوقت ومع عديد من المواقف الصعبة أثبتت الكتيبة كفاءة عالية، وأظهرت شجاعة تعجبت لها القوات الفرنسية.

مصدر الصورة: Bahamianology

نجحت الكتيبة المصرية في كسب الصيت بين باقي الكتائب، خصوصًا بعد النجاح في الدفاع عن فيراكروز معقل القوات الفرنسية، وأهم المدن الساحلية التي سيطرت عليها فرنسا، وهذا النجاح أتى بثماره.

اهتمت القيادة الفرنسية بـ«كتيبة النيل» التي حققت النصر تلو الآخر، فجرى الاهتمام بإمداداتهم وطعامهم، عوضًا عن حصتهم من الخمر كان يستبدل بها القهوة، والحيوانات كانت تحضر لهم حية حتى تذبح على الطريقة الإسلامية، كذلك تضاعف راتبهم. 

حاربت الأورطة المصرية في 48 معركة رئيسية، كما وفروا الغطاء الأخير عند انسحاب الجيش الفرنسي في 1867، وكانوا من أواخر الكتائب التي رحلت عن المكسيك. وعلى مدار أربع سنوات من القتال حصلت الكتبية على 56 ميدالية «Médaille militaire» و11 وسامَ «La Légion d’honneur» وهو الوسام الفرنسي الأعلى.

كذلك جرى ترقية العديد من الجنود والضباط، وفي النهاية دعيت الكتيبة لقضاء تسعة أيام في باريس في ضيافة الإمبراطور نابليون الثالث، وقد قدموا عرضًا عسكريًّا، وجرى تقليدهم حينها بوسام حرب المكسيك، لتنتهي مغامرة جنود العالم القديم في العالم الجديد.

منوعات

منذ شهرين
«الحرب أم الاختراع».. 4 ابتكارات واختراعات من الحروب لم تزل تستخدم حتى اليوم

المصادر

تحميل المزيد