ميرفت عوف 12
ميرفت عوف 12

1,550

كثيرًا ما تردّد الأطراف اللبنانيّة المعارضة لـ«حزب الله» اللبناني مقولتهم بأنّ حزب الله يشكّل «دويلة داخل الدولة»، أو أنّ «حزب الله هو الدولة» بحُكم نفوذه السياسي والأمني الواسع الذي يفرضه على مناطق واسعة من لبنان، ولذلك لم يُستغرب تبعًا لواقع هذه العوامل أن يُنشئ الحزب في معقله الرئيس بالضاحية الجنوبية ببيروت سجونًا سرية.

فقبل الثورة السورية، وقت احتدام صراع الحزب مع الاحتلال الإسرائيلي، كان للحزب سجونه التي احتجز فيها من قال إنهم على علاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، أما بعد الثورة السورية فقد امتلأت هذه السجون بالمعارضين السياسيين من اللبنانيين والسوريين وغيرهم من الأجانب؛ إذ تناثرت السجون في الضاحية، ولم تسلم حتى النساء الشيعيات اللواتي اعترضن على تعامل الحزب مع سكّان الضاحية منه.

الضاحية الجنوبية.. مركز سجون حزب الله

صبيحة يوم الثامن عشر من أغسطس (آب) الحالي، كان الكثير من اللبنانيين على موعد مع مفاجأة مدوية، حملها منشور على «فيسبوك» نشره نجل أحد قيادات حزب الله اللبناني، واتهم فيه الحزب بإنشاء سلسلة سجون تتوسط المناطق السكنية في الضاحية الجنوبية ببيروت، حيث معقل الحزب.

صورة لأحد سجون الحزب نشرها علي مظلوم

كانت المعلومات الواردة في المنشور بناء على سجن «علي ولاء مظلوم» لمدّة عام في أحد هذه السجون، فقد أكّد على أن هذه السجون تدار من قبل وحدتي الحماية والأمن الوقائي في الحزب، ويقبع فيها المخالفون في صفوف الحزب، أو بعض اللبنانيين والأجانب الذين يتم اعتقالهم أو إخفاؤهم قسريًا في زنزانات طولها 1.5 متر وعرضها متر فقط.

 يقول مظلوم: «تعرّضت خلالها لأبشع أنواع التعذيب والإذلال، حتى أنني بقيت حين أدخلوني السجن لما يزيد عن 24 ساعة مكبلًا ملفوًفا بغطاء سميك، بينما كنت أتعرض للضرب بشكل متواصل». وتابع مظلوم الذي اتّهمه أنصار حزب الله بأنه كان متورّطًا في فضيحة مخدرات ودعارة القول: «في هذه السجون، يمنع السجين من رؤية الشمس نهائيًا حيث يقبع في زنزانة انفرادية. كما يُمنع من مشاهدة التلفاز ومعرفة ما يدور في الخارج، وحتى أنه ممنوع إدخال المحارم والأقلام والأوراق إلى تلك السجون؛ ويتعرض السجناء في هذه السجون للضرب والتعذيب بشتى الطرق الجسدية والنفسية، ومنها حرمانه من الطعام لفترات طويلة».

وحدّد مظلوم سجون الحزب بالأسماء والأماكن في صور خاصة منه، فقال: إن هناك السجن المركزي (حارة حريك) وهو خلف مستشفى بهمن، وهناك سجنٌ ومركز تحقيق بئر العبد الذي يقع في مبنى خلف مركز التعاون الإسلامي، ومركز التحقيق قرب مجمع القائم في الطابق السابع، أما السّجن الرابع فهو سجن في بئر العبد، والذي يقع قرب مجمع السيدة زينب، وخامس هذه السجون هو سجن مجمع المجتبى خلف قناة «المنار»، ويشمل هذا السجن سلسلة زنازين انفرادية وغير انفرادية.

الشاب اللبناني علي ولاء مظلوم – المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي

وسبق هذه الحقائق التي نشرها مظلوم قيام عائلته بإرسال كتاب إلى زعيم الحزب في أبريل (نيسان) الماضي تطالبه برفع الظلم عن ابنهم، وجاء في الكتاب أنه «بعد تدخلات من بعض رجال الأعمال تم إطلاق سراح ابننا، إلا أنّ الحملة ضده لم تنتهِ عند هذا الحد، فقامت بعض المواقع المأجورة الممولة من الحزب، وبتحريض من الوزير حسين الحاج حسن (بسبب مواقف اعتراضية كنا أعلناها سابقًا على أدائه الإنمائي)، ومن خلفه الشيخ نعيم قاسم، ببث بعض الشائعات في إطار تشويه صورة ابن الشهيد، فاتُّهم بالارتباط بالسفارات حينًا، وبتجارة المخدرات حينًا آخر، وغيرها من التهم السخيفة التي لا تنطلي إلا على الأغبياء».

من جانبه، يقول مدير مركز «أمم للأبحاث والتوثيق» لقمان سليم: «إنّ ما ورد على لسان علي ولاء مظلوم يثبت أنّ ما نقوله من أنّ حزب الله يستولي على عدد من امتيازات الدولة اللبنانية السيادية، ليس بالأمر المجازي، وليس من باب التشبيه والكناية، وإنّما هو أمر حقيقي». ويضيف سليم لموقع «جنوبية» اللبناني: «نحن علينا أن لا نندهش، علينا أن نعتبر أنّ هذه الرواية من باب تحصيل الحاصل، وعلينا أن ننظر الخراب المقبل علينا بما أنّ الواقع كذلك»، وفيما يتعلق برد الحكومة اللبنانية على ما كشف عن سجون الحزب قال سليم: «هل نتوقع من دولة عامل وزير داخليتها في يوم من الأيام مسؤولًا في هذا الحزب معاملة قادة الأجهزة الأمنيين، واستقبله استقبال القائد الأمني الرسمي، هل نتوقع من دولة من هذا القبيل أي شيء!».

مظلوم ليس أول من تكلم عن «سجون حزب الله»

تكلمنا عن بعض السجون السرية التابعة لحزب الله في الضاحية، حيث يعترف لنا بعض الشباب بأن هناك أشخاصًا مضى على سجنهم أكثر من عام ونصف عام في سجن  لحزب الله، وهذا بلا شك انتقاص من هيبة الدولة وسيادتها

هذا ما قاله رئيس هيئة علماء المسلمين سالم الرافعي في أغسطس (آب) عام 2015. وأضاف الرافعي: «نرى بأعيننا جماعة من السُنّة يتدرّبون ويتسلحون فقط لأنهم تابعون لحزب الله ويوافقون المشروع الايراني، فيما بقية الشبان يزج بهم في السجون بسبب وثائق اتصال وتصادر أسلحتهم».

وبالرغم من أن هذا التصريح الواضح من رجل بوزن الرافعي أحد رجال الدين الفاعلين في المشهد السياسي بلبنان، والمفاوض في ملف الموقوفين الإسلاميين من السُنّة في سجن رومية يُشكّل شهادة مهمة، إلّا أن هناك عدّة حوادث لمواطنين عاديين؛ إذ شكّلت حادثة اعتقال فتاتين من آل شمص في العام 2015 محطّة مهمة في سجلّ كشف اللبنانيين عن هذه السجون؛ فعندما اقتيدت الفتاتان من قبل عناصر الحزب إلى مجمع المجتبى الذي يقع خلف قناة المنار، ثم أُطلق سراحهن تحت الضغط الشعبي قالتا إنهن أدخلن بالقوة إلى غرف صغيرة تشبه زنزانات التحقيق التي كان يستخدمها الاحتلال الإسرائيلي مع المعتقلين اللبنانيين.

 وأدت هذه الحادثة إلى إجبار الحزب على إزالة بعض الزنازين من هذا السجن، لكن تدخّل الحزب لدى القضاء حال دون القبض على عناصر الحزب الخاطفة. أما في العام 2016 فقد سجّلت حادثة اختطاف المواطن أحمد ياسين من قبل مجموعة تابعة لحزب الله دليلًا آخر على وجود سجون للحزب في لبنان؛ إذ وضع الرجل في زنزانة، وتم تكبيله وضربه والتنكيل به لمدة 20 يومًا.

Embed from Getty Images

مجموعة من أنصار حزب الله

وفيما يتعلّق بحقائق نشرتها المؤسسات الحقوقية في لبنان، يُعدّ من أبرزها ما وقع في فبراير (شباط) العام 2011، حين أصدر المركز اللبناني لحقوق الإنسان تقريره السنوي الخاص بـ«الاعتقال التعسفي والتعذيب في لبنان»، وجاء في التقرير: «أنه لم يكن من الممكن تقويم مدى الانتشار الحقيقي لادّعاءات التعذيب الذي يمارسه أعضاء من ميليشيا أمل، وميليشيا حزب الله، الذين يعتقلون المشتبه فيهم، ويخضعونهم لاستجوابات قبل تسليمهم، في بعض الحالات على الأقل، إلى الجهاز الأمني المختص».

 إذ أكد التقرير بناءً على شهادات حصل عليها أن عددًا من المشتبه بهم في «التعاون مع اسرائيل» تم اعتقالهم قد تعرضوا للتعذيب بين عامي 2009 و 2010 على يد أعضاء من ميليشيا أمل وحزب الله، وتحرّك الحزب وحركة أمل لمواجهة هذه التهمة، فحاولت الجهات الموالية للحزب التأكيد على أنه لا وثائق على ما ذكر في التقرير، وكذلك لمحت تلك المصادر إلى وجود خلفيات سياسية وراء النشر، والأهم هو رفع قضية قذف وذمّ استمرت ثلاثة أعوام في المحاكم اللبنانية ضد مُعدّي التقرير: وديع الأسمر، وماري دوناي، ففي 24 من فبراير 2014 أصدر قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان قراره الظني بالمدعى عليهما بارتكاب جريمة القدح والذم، وأحال القضية إلى محكمة المطبوعات.

السوريون في سجون الحزب بلبنان وسوريا أيضًا

في لبنان – وبعد نزوح ما يقرب من مليون لاجئ سوري – أخذ حزب الله يعتقل اللاجئين السوريين على الهوية؛ إذ لم يكتفِ الحزب بالوشاية بهؤلاء للأمن اللبناني تحت بند قضايا «الإرهاب»؛ فمن قاتل منهم في صفوف المعارضة السورية وعارض النظام كان يزج به في سجون الحزب سابقة الذكر.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن حزب الله والمخابرات العسكرية اللبنانية والجيش اللبناني يحتجزون أكثر من 5 آلاف معتقل ومعتقلة سوريين موزعين على سجون سرية وعلنية، وارتفعت نسبة المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية من 18% عام 2011، إلى 27% في  العام 2016، ثم إلى 51.68% في العام 2017، وحسب القضاء اللبناني فإن «نسبة سجناء الإرهاب من السوريين هي 46.3% من مجموع سجناء الإرهاب في العام 2017».

الأدهى أن الحزب لم يكتف باعتقال السوريين في موطنه لبنان؛ إذ وُصفت سجونه المقاومة في مناطق نفوذه بالأراضي السورية كأرياف حمص وريف دمشق بأنها «أسوأ السجون السريّة في سوريا»؛ ففيها تمارس أبشع أنواع التعذيب، وهي تصطفّ في صفّ سجون النظام السوريّ سيئة الصيت؛ إذ يسارع من نجا من هذه السجون بالكشف عن مصير من هو موجود داخل سجون الحزب، وهو ما حدث مع الدكتور إياد الصطيف الذي كشف عن أسماء معتقلين قدامى كانوا معه في سجن مقام بالسيدة زينب بريف دمشق؛ إذ اعتقل الرجل لمدة ثلاث سنوات، وفي هذه السجون تمارس انتهاكات متعددة بحق المواليين للنظام السوري الذين يعارضون الحزب والمعارضين له من الثوار السوريين الذين تم اعتقالهن أو إخفائهم قسريًا في هذه السجون السرية.

 ويعد من أبرز هذه السجون معتقل يطلق عليه اسم «الثقب الأصفر» يوجد في منطقة تل كلخ، فيما يطلق عليه آخرون اسم «سجن الحزب»، ويعترض بعض العلويين في سوريا على تصرفات الحزب في ريف حمص، لكون عناصره يتعاملون مع المناطق التي سيطروا عليها باعتبارها ملكًا لهم، كما أصبحوا يطلبون إذنًا من كل من يريد دخولها.

Embed from Getty Images

عناصر من حزب الله تشيّع زملاءهم القتلى في الحرب السورية

وقد وضع الحزب المطلوبين له في هذه السجون بعيدًا عن نظام الأسد، إذ تمكّنت القوّة الأمنية المستقلّة التي شكّلها من فرض سلطته على هذه المعتقلات بشكل كامل ومستقل، وفي القلمون (غرب سوريا) تتمركز معتقلات حزب الله في مزارع ريما وحي القاعة، ويقع أكبرها في مزارع عقُّوزا بحي القاعة في يبرود. تقول إحدى السوريات من حي القاعة اعتقلت في هذا السجن وتكنّى بأم أحمد: «المعتقل عبارة عن قبو واسع في البناء، تم تقسيمه حديثًا لغرف ضيقة وصغيرة؛ حتى يتسع لأكبر عدد من المعتقلين، وتحت ظروف إنسانية سيئة جدًا يوجد عشرات آخرون من النساء والرجال، ولا تكاد تتوقف فيه أصوات التعذيب وآلام المعتقلين».

 وتضيف السيدة لموقع «الخليج أونلاين»: «أحد رجال الحزب يُدعى الحاج علي ضربني وعذبني، وكان يتهمني بأنني أقوم بمساعدة الإرهابيين القابعين في جرود القلمون من خلال إعطائهم إحداثيات مقرات حزب الله في القلمون ليتم قصفها. لقد عذّبوني بالكهرباء، وهددوني بالاغتصاب والتصفية للإدلاء بأي اعترافات قد تساعدهم في الوصول إلى أشخاص مرتبطين بثوار الجرود وما زالوا يعيشون في مدن القلمون».